وضعت مجموعة من الشخصيات السياسية والثقافية الجزائرية حجر الأساس لجبهة معارضة للإصلاحات التي أدخلها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على برامج قطاع التعليم، وحضر المؤتمر التأسيسي الذي عقد بفندق السفير بقلب العاصمة الجزائر مسئولون سامون سابقون من بينهم عبد الحميد مهري الأمين العام لجبهة التحرير الوطني بين 1988 و 1996 والعقيد محمد الصالح يحياوي المسئول التنفيذي لجهاز الحزب في حكم الرئيس هواري بومدين, وعبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حاليا ووزير الشئون الدينية سابقا وعلي بن محمد الذي شغل من قبل منصب وزير التعليم، وعدد كبير ممن كانوا يشغلون وظائف عليا في أجهزة الدولة المختلفة ونواب البرلمان، كما حضر التيار الاسلامي بشكل مكثف يقوده محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم القوة الثانية في البرلمان وعبد الله جاب الله رئيس «الإصلاح» و لحبيب آدمي رئيس النهضة. وتناول المؤتمر مسألة الإصلاحات التي ينوي بوتفليقة إدخالها على قطاع التربية والتعليم واستخلص أن مسعى الرئيس يضر بالمدرسة الجزائرية ويدخلها في غياهب التغريب ويسلخ الأجيال عن مقومات الشخصية الجزائرية المبنية على الركائز الثلاث : الإسلام والعروبة والأمازيغية. ودعا المجتمعون الشعب من خلال بيان شامل الى رفض ما سموه مناورات دعاة التغريب والاستئصال وفرنسة المدرسة الجزائرية. وأكدوا رفضهم القاطع للتقرير الذي صاغته اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية التي أسسها بوتفليقة قبل عام ووعد قبل أيام بتنفيذ نتائج عملها. وهاجم المؤتمرون هذا التقرير واعتبروه «مؤامرة على الأمة الجزائرية» وقرروا اكتساح الميدان بتنظيم ندوات ومهرجانات لشرح الأبعاد الخطيرة لبرنامج الرئيس في ميدان التعليم، وهددوا بالنزول الى الشارع في حال اعتماد الإصلاحات المذكورة من السلطات الرسمية برنامجا للمدرسة الجزائرية. واعتبر العقيد محمد الصالح يحياوي مبادرة المؤتمر بداية خطوة هامة على درب الدفاع عن الهوية الجزائرية، فيما اتهم محفوظ نحناح جهات سماها «الأقليات الأيديولوجية» بمحاولة تحريف الجزائر عن أصولها وأكد أن عدة هجمات استهدفت على الخصوص«الدستور والأسرة والمنظومة التربوية والوحدة الوطنية والمؤسسات» في اشارة الى التقاء مساعي الرئيس بخصوص اصلاحات التعليم بمطالب البربر بتعديل الدستور والتيارات العلمانية التي تعمل باستمرار لالغاء قانون الأسرة المستمد من الشريعة الاسلامية والمعمول به رسميا منذ منتصف الثمانينيات. وحرص عبد الله جاب الله على العمل الميداني وأكد أن حركته نظمت عددا كبيرا من المهرجانات عبر كل جهات القطر حول محور واحد وأساسي هو رفض الإصلاحات الجاري تحضيرها لمسخ المدرسة الجزائرية وتغيير اتجاهها بما يخدم مصالح مشبوهة على حد قوله، وطلب من جميع الفعاليات التي ترفض تغريب المدرسة دخول معركة العمل الميداني والتحكم في زمام المبادرة لفرض إلغاء المشروع من القاعدة الشعبية، وحذر السلطات من تبني المشروع كونه يدخل البلاد في فتنة أخرى هي في غنى عنها وهو ما فسره المراقبون بأنه تهديد غير مباشر بالعصيان . واستخلص لحبيب آدمي رئيس حركة النهضة في مداخلته قائلاً «اللغة العربية تتعرض للاعتداء والقرصنة وهي ضحية مشاريع استئصالية ترمي الى إذابة مقومات الأمة». وقد تبنى المؤتمر في نهاية أشغاله قرارا بتفعيل العمل مع مختلف الأطراف الوطنية التي ترفض الانسياق وراء أهواء من اعتبروهم «أقلية فكرية وأيديولوجية». ويذكر أن لجنة إصلاح المنظومة التربوية تعد من بين أهم الهيئات المؤقتة التي نصبها بوتفليقة بهدف البحث في الوسائل التي من شأنها رفع مستوى التعليم في الجزائر وتطوير أساليبه وأدواته. وكان القرار منذ البداية محل صراع كبير حيث يعتقد الإسلاميون وهم يسيطرون على توجيه التعليم ويؤطرونه بأساتذتهم في مختلف المستويات، بأن الإصلاحات الرئاسية فعل سياسي قبل ان يكون تربويا، وأن المراد هو زحزحتهم من موقعهم الذين تمكنوا منه منذ أن كان الدكتور أحمد طالب الابراهيمي وزيرا للتعليم بين 1965 و 1970م حيث أطر وزارته بأتباع من بقايا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان والده الشيخ البشير الابراهيمي من مؤسسيها عام 1931 للوقوف في وجه المسخ الثقافي الاستعماري وحملة التنصير التي مارسها رجال الدين المسيحيين بمساعدة الإدارة الفرنسية الحاكمة آنذاك. ويحسب الإسلاميون باستمرار أنهم الأجدر من غيرهم من الجزائريين عندما يتعلق الأمر بالمسائل الثقافية والدينية. ولم يكن ـ في ظل هذا الاعتقاد ـ غريبا موقف وزير الشئون الدينية السابق عبد الرحمن شيبان حين طالب في مؤتمر بضرورة الاستناد فيما يخص التربية والتعليم الى وصايا الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس المتضمنة في آخر مقال صحفي كتبه قبيل وفاته عام 1940م. والحال أن قطاع التعليم بالنسبة للتيار الاسلامي لا يشكل مجال صراع فكري بين من يعملون على صيانة مقومات الهوية الوطنية ومن لا يقلقهم تجاوزها، بقدر ما يشكل حرب تموقع سياسية. وهي جبهة لم يتجرأ رئيس جزائري آخر قبل بوتفليقة على فتحها. ولأهمية المعركة فهم اليوم على اختلافاتهم السياسية يلتقون حول محور عمل واحد يجمعهم وهو محاصرة إصلاحات الرئيس التي لا ترمي فقط الى تغيير المناهج ولكن أيضا تعيد النظر في موقع الإسلاميين داخل قطاع التعليم و قد تسحب البساط من تحت أقدامهم. وهذا الطابع السياسي للمسعى والمسعى المضاد هو الذي يجعل الإثارة متوقعة في المواجهات المقبلة بين الطرفين. فكل منهما أعد عدته وقد يكون الشارع مرة أخرى مسرحا لطرح الخلافات السياسية والأيديولوجية بين القوى المتصارعة من أجل النفوذ. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: