درس شارون ومستشاروه «الاسرائيليون والامريكان» بعناية، كما يبدو، ردهم على تقرير لجنة ميتشيل، وعندما تبين لهم ان تقرير اللجنة حرف النقاش عالمياً، وحتى اسرائيليا، إلى ضرورة تجميد الاستيطان، قرر شارون دون جلسة حكومة ان يتخذ خطوة سياسية تعيد النقاش إلى مجراه الذي قررته اسرائيل منذ بداية الانتفاضة الا وهو «وقف العنف». اعلن شارون «وقف اطلاق النار»، من طرف واحد لكي يكسب من جديد شرعية دولية واسرائيلية لاستمرار اطلاق النار وبكثافة، الخطوة اذن وهمية من حيث اهدافها المعلنة وجدية جدا من حيث النوايا السياسية الخفية. لقد تكون لدينا انطباع انه يجري الاعداد لضربة ضد الفلسطينيين شعبا وقيادة، لان خطوة وقف «اطلاق النار» الوهمية لا تعدو ان تكون عملية علاقات عامة وذلك للأسباب التالية: 1ـ انه لا يوافق على أي بند من تقرير ميتشيل سوى بند وقف اطلاق النار. 2ـ انه لا يوافق على الجلوس في شرم الشيخ مع القادة الذين اقروا لجنة ميتشيل للبحث في كيفية تنفيذ توصياتها. 3ـ ان القوات الاسرائيلية مازالت موجودة في المواقع التي احتلتها بعد 28 سبتمبر 2000، والامر الوحيد الذي توقف هو القصف، الامتحان الحقيقي لوقف اطلاق النار هو سحب القوات الاسرائيلية إلى مواقعها التي سبقت هذا الموعد، وبدونه لا معنى لوقف اطلاق النار. 4ـ ان لشارون مصلحة ان «يوقف اطلاق النار من طرف واحد» لجر النقاش دوليا من رفضه تطبيق تقرير لجنة ميتشيل إلى رفض السلطة الفلسطينية الالتزام «بوقف اطلاق النار» الذي اعلن من طرف واحد ودون استشارة احد. 5ـ مازال شارون يصر على «التنسيق الامني» وحده دون محادثات سياسية. يبدو الامر حاليا بمنتهى الخطورة والتهديدات المنطلقة من تل ابيب تزداد خطورة وهناك حاجة ماسة لتحرك عربي يشرح للعالم ماذا تخطط تل ابيب. وهم وقف اطلاق النار الذي اطلقه شارون خلق حالة تقبل في الشارع الاسرائيلي لضربة توجه للفلسطينيين، وليس امام الفلسطينيين سوى الصمود والاستمرار، والالتزام بقرارات شارون ولو سميت وقف اطلاق النار يعني الاستسلام، ولكن العامل الغائب حاليا هو العامل العربي الشامل ـ ولا اقصد هذه الدولة أو تلك، بل العالم العربي بمجمله رسمياً، ولا يجوز ان يترك التحرك لخطاب نضالي ولكن غيبي وخطاب عقلاني ولكنه استسلامي، بل يجب ان يتوفر خطاب سياسي نضالي وعقلاني في الوقت ذاته، ولن تتحرك الولايات المتحدة دون ضغط عربي وموقف عربي واضح وحازم فيما يتعلق بدعم الانتفاضة. لا يتناسب الموقف العربي الحالي، ولا النشاط الاعلامي العربي الحالي، اذن مع خطورة المرحلة وحجم ما يعد للفلسطينيين. الاعلام الاسرائيلي يتصرف وكأنه في مختبر بافلوف، بالضبط كما يخطط له شارون، فقد تقبل هذا «الاعلام الحر» مقولة «وقف اطلاق النار» دون تعريضها لأي فحص صحفي أو حتى اخباري جدي، وبات يبني عليها ردود فعله واسئلته واصبحت التعابير الرائجة، في الشارع الاسرائيلي: «لقد بدأ صبرنا ينفد»، و«إلى متى تصبر الحكومة الاسرائيلية؟»، «ولماذا يتحمل الشعب الاسرائيلي هذه الضربات دون رد فعل»، وتنطلق جميعها من افتراض حسن النية لدى شارون وسوء النية لدى الفلسطينيين، لا هذه صحافة حرة، ولا هذا رأي عام، لقد نجح شارون العجوز بتحويل الصحافة الاسرائيلية والرأي العام الاسرائيلي إلى مروج مطيع لأحابيله السياسية، وهذا يزيد من احتمالات الضربة المقبلة. هذه مرحلة مواجهة ما يعده شارون من اجل تكبيل يديه، والوقت ينفد بسرعة. عودة يافا إلى ذاتها في يوم واحد من أيام هذا القيظ المبكر استقبلت يافا ابنها ابراهيم ابولغد بعد طول غياب وودعته تواريا في تراب شاطئها، من هنا لن يخرج ابراهيم ابولغد لاجئا بعد اليوم، وسوف يصمد كأنه انضم دون ان يدري بعد وفاته إلى معركة الحفاظ على المقابر بعد ان طال التهويد حتى ثرى القبور. جاء أصدقاء ابراهيم ابولغد لتشييعه في يافا بناء على وصيته، جاءوا من الجليل والمثلث، ومن حيفا، ومن رام الله والقدس ونابلس وغزة، ومن يافا. وشاءت الاقدار ان تعود يافا إلى ذاتها في مأتم وليس في فرح، ان تعود المدينة مدينة، وان يؤمها الناس للمشاركة فيما هي فيه، وان يأتيها عرب الجليل وغزة لا في طريقهم إلى أو من تل ابيب، بل ان يقصدوها لذاتها كما كانوا يقصدونها، عندما كانت تل ابيب احدى ضواحي يافا، ولا تحسبوا ان ابراهيم ابولغد قد حصل على حق الدفن، بحكم فلسطينيته وبحكم يافاويته، فهذه لم تؤهله اسرائيليا للبقاء أو العودة اليها حيا أو ميتا، بل «تسامحت» اسرائيل مع تشييع الجثمان وغضت النظر عنه لان الفلسطيني ابن يافا، ابراهيم ابولغد هو مواطن امريكي. جبت شوارع يافا قبل ان امشيها مشيعا مع ابن اخر من ابناء يافا، مع هشام الشرابي، الذي حج اليها متفقدا طفولته وشبابه المنتشرين في باحاتها وعلى شواطئها وفي مينائها، وقد عينا موعد الزيارة قبل ان يخطف الموت ابراهيم ابولغد وينقله من رام الله اليها، وهكذا قبل ان اصحوا أو افكر بما يجري وجدت نفسي ارافق صديقا باحثا وكاتبا إلى مأواه الاول وهو يتحول إلى شاب وطفل يلهو بتسمية البنايات، ويتذكر سينما الحمراء، والعائلة الفلانية ويسأل ماذا جرى لفلان، ثم ارافق ابنا اخر ليافا، باحثا وكاتبا إلى مأواه الاول والاخير، فقد المجتمع الفلسطيني مدينته يافا الساحرة عام 1948، وفقد معها مشروعه الحضاري والوطني الواعد، ومنذ ذلك الحين يصارع هذا الشعب، صراع البقاء ليشيد مشروعه الوطني والحضاري من جديد، وفي هوامش هذا الصراع حرب منسية ضروس تخوضها يافا للحفاظ على عروبتها وعلى عمودها الفقري الانساني والاخلاقي، امام تهميشها وتحويلها إلى جيتو صديء تتصدق تل ابيب على متاجرة بالزيارة وتخوض نقاشا حول الحفاظ عليه كنوع من التعددية الثقافية. ويافا هي الاصل، انها المدينة والتشكل الوطني الفلسطيني في المدينة، وهي البوابة إلى البحر وإلى الحوار مع الثقافات والحضارات، هي الحداثة والمعاصرة، وهي الشباب الذي كان واعدا، وتتلقى يافا شذرات من ذاتها السابقة عندما تلتقي بأبنائها اللاجئين الذين يتصدرون الحياة الثقافية والسياسية والفنية والاقتصادية في المنافي، لتعلم ان ذاتها السابقة قد تكون ايضا ذاتها الكامنة، ولتدرك ان حاجتها لرضى تل ابيب هي الدليل على حجم الكارثة التي مرت بها، وان التقدم والتطور لا ينطلق من تقليد تل ابيب ومحاكاتها ولا من ردة فعل ضد حداثتها، وكلاهما تعابير عن وأوجه لعلاقة التبعية، وانما ينطلق من حداثة يافا وعصريتها المدنية والاقتصادية والعلمية والثقافية التي انفتحت على المتوسط قبل ان تقوم تل ابيب. في ذلك اليوم القائظ الذي ودعت فيه يافا ابراهيم ابولغد واستقبلت هشام الشرابي شعرت ان الشباب اليافاوي من حولنا يبعث في النفس بعض الامل. بقلم: عزمي بشارة