تمر العلاقات العراقية ـ الأردنية بمرحلة دفء لم تشهد لها مثيلاً منذ سنوات، حيث يبدي كل من البلدين حرصاً على تطويرها في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية على إثر الزيارة التي قام بها إلى بغداد في أكتوبر الماضي (2000) رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب. هذا بالإضافة إلى عزم الجهات الأردنية المختصة القياد بإعداد كل الترتيبات اللازمة للبدء في تسيير رحلات جوية منظمة من عمان إلى بغداد وبالعكس بمعدل عدة رحلات أسبوعياً، وتعد هذه الخطوة بمثابة مبادرة من الأردن تأتي استناداً إلى مفهوم الأردن لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة والتي في ضوء الفهم القانوني لها تبين أنها تشمل البضائع ولا تشمل الركاب، يذكر أن الأردن قام في وقت سابق بتسيير رحلات غير منتظمة إلى بغداد نظمتها شركة الخطوط الملكية الأردنية، وشركة طيران أردنية خاصة. وانطلاقاً مما سبق يتضح أن ملف العلاقات الأردنية ـ العراقية ينقسم إلى جزئين، الأول يدور حول التعاون الاقتصادي بين الطرفين والعوائد التجارية من توطيد هذه العلاقات، والثاني هو الملف الشائك وهو العلاقات السياسية المتمثلة في قضية رفع الحصار عن العراق (الفعاليات الأردنية) وملف المعارضة العراقية والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، واللجنة التي يرأسها الملك عبدالله لتسوية الحالة بين العراق والكويت. الملف الاقتصادي: تكتسب العلاقات الاقتصادية بين الأردن والعراق أهمية خاصة للطرفين، فمن ناحية يعتبر ميناء العقبة الأردني المنفذ الوحيد للعراق على العالم الخارجي منذ تطبيق سياسة العقوبات المفروضة على العراق منذ غزوه دولة الكويت في أغسطس 1990، كما أن الأردن تربطه علاقات متميزة بالعراق نظراً لأن هذا الأخير يعد السوق الأهم بالنسبة للاقتصاد الأردني، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى عدد من الحقائق أهمها: يدرك الناظر إلى خريطة الأردن أن حقائق جيو-سياسية قضت أن يكون الاقتصاد الأردني مرهون في كثير من الأحيان بالسياسة الخارجية، حيث يحدد سوقين هامين درج على التعامل معهما منذ أمد طويل واعتاد التاجر أو رجل الأعمال الأردني عليها كثيراً أحدهما السوق الفلسطينية الذي تخنقه القبضة الاسرائيلية والسوق العراقية الذي تخنقه القبضة الامريكية. لقد أغلقت السوق العراقية في وجه الأردن تماماً، بل أن الولايات المتحدة أرادت أن تتأكد نهائياً من حصار هذا السوق من خلال مراقبة رئة الأردن المائية الوحيدة «ميناء العقبة» وكان بالتأكيد لها ذلك، وفي نفس الوقت لم تستطع المساعدات الأمريكية للأردن أن تعوض الخسائر المسجلة بسبب إغلاق كل من السوقين العراقية والفلسطينية أمام الأردن. ويمثل التماس الحدودي بين البلدين ميزة خاصة أمامهما خاصة في قلة تكلفة الشحن والنقل وعلى الأخص في ظل فرض الحصار على العراق، لذا يعتبر الأردن المنفذ العراقي الوحيد على العالم، وهذا ما جعل السلطات العراقية تؤكد مؤخراً رغبتها في التوسع باستيراد المنتجات الأردنية الوطنية بمختلف أصنافها شريطة أن تكون من منشأ أردني مئة بالمئة. وتتميز العلاقات الأردنية ـ العراقية بتعدد الأبعاد والمنطلقات، وفي هذا الصدد يشار إلى الآتي: يتم التعامل التجاري بين البلدين وفقاً لبروتوكول تجاري وبترولي أبرم بين عمان وبغداد بموجب استثناء من الأمم المتحدة وتم تجديده سنوياً على أن يصدر الأردن إلى بغداد العام 2001 سلعاً بقيمة 480 مليون دولار مقابل الحصول على خمسة ملايين طن من البترول العراقي نصفها مجاني والنصف الآخر بأسعار تفضيلية لم يكشف النقاب عنها تخفف العبء عن الميزانية الأردنية التي تعاني من العجز، وإن كان يُقال أن النصف من صفقة النفط تقدم للأردن بأسعار لا تزيد على 19 دولاراً للبرميل الواحد، ويتيح هذا البروتوكول أيضاً تصدير المنتجات الدوائية والزيوت النباتية الأردنية للعراق. والبند الثاني المهم في العلاقات التجارية بين العراق والأردن يعود لاتفاقية التجارة الحرة المزمع التوقيع عليها قريباً بين الطرفين خاصة وأن مسودة الاتفاقية تم إعدادها العام الماضي (2000)، وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة نظراً لأنها تجيء في مرحلة مهمة جداً تشهد توجهاً عربياً نحو الإسراع في وضع آليات التجارة الحرة وعلى خلفية توقيع اتفاقية بين العراق ومصر، وأخرى بين العراق وسوريا. وترغب الأردن في توقيع هذه الاتفاقية نظراً للعلاقات المميزة بين الطرفين على كافة الصعد، ونظراً للتقارب الجغرافي، وسهولة النقل، ووجود الإمكانيات الإنتاجية والتصديرية، والقطاع الصناعي الأردني ينتظر التوصل لهذه الاتفاقية نظراً لأنها تتيح إلغاء الرسوم الجمركية نهائياً عن السلع والمنتجات المتبادلة بين العراق والأردن، واعتبار سوقيهما سوقاً واحدة مفتوحة دون أي عوائق. ويذكر أن العديد من البضائع الأردنية التي تصدرها للعراق خارج البروتوكول (التجاري) وخارج مذكرة التفاهم مع الأمم المتحدة «النفط مقابل الغذاء» تخضع للرسوم الجمركية، وكذلك الحال بالنسبة للمنتجات العراقية التي يمكن تصديرها للأردن فهي أيضاً تخضع للرسوم الجمركية، ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة إعفاء كل تلك السلع بالاتجاهين مما سينتج عنه في المستقبل زيادة كبيرة في مرحلة التجارة الثنائية حيث أن العراق يعتبر الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للأردن خاصة وأنه يتوقع أن يزيد حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال هذا العام (2001) إلى مليار دولار. وهناك ملف ثالث مهم في العلاقات التجارية بين عّمان وبغداد وهو ما أعلن عنه مؤخراً وزير الطاقة الأردني «وائل صبري» من أن مشروعاً لإقامة خط أنابيب لنقل النفط من العراق إلى مصفاة «الزرقاء» قرب العاصمة عمان سيبدأ تنفيذه خلال ستة أشهر ومن المنتظر الانتهاء منه العام 2002، وتقدر التكلفة النهائية لهذا المشروع بأكثر من 350 مليون دولار. الملف السياسي بدأت سخونة الملف السياسي بين العراق والأردن على خلفية القمة العربية الأخيرة التي عقدت في العاصمة الأردنية يومي 27 و28 مارس 2001، حيث قررت هذه القمة تكلفة ملك الأردن (عبدالله الثاني) بوصفه رئيساً للقمة العربية الحالية، إجراء المشاورات والاتصالات اللازمة لمواصلة بحث جهود المصالحة بين كل من العراق والكويت، وينقسم المحللون في تقييمهم للدور الأردني في تسوية المسألة العراقية منذ القمة وحتى الآن في قسمين: الأول متفائل، يرى أن التفكير الخاص بتشكيل لجنة متابعة عربية برئاسة الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن ورئيس المؤتمر.. للعمل على حل هذه المشكلة، يمثل آلية جديدة للتعامل مع المسألة العراقية، كما أنه يعبر عن أحد الاتجاهات العربية المهمة التي كرستها القمة والتي تهدف إلى محاولة حل جميع المشكلات العربية مهما تكن تعقيداتها. الثاني وهو متشائم، وهو يرى أن الصورة غير متفائلة خاصة أن قرار القمة العربية بإحالة ملف الحالة العراقية-الكويتية إلى الملك عبدالله الثاني كان الهدف منها-كما يعلم الجميع-تأجيل فتح الملف، لكن بطريقة دبلوماسية لحفظ ماء الوجه، وعدم إعلان فشل القمة العربية في إنجاح الوساطة بين العراق والكويت، والخلاصة -طبقاً لهذا الفريق- أن الحالة اليوم ما بين العراق والكويت مازالت تراوح مكانها في انتظار معجزة. وفي الواقع يشهد الملف السياسي بين العراق والأردن تطوراً ملموساً على أكثر من صعيد، سواء استعداد الأردن لخرق الحصار المفروض على العراق، أو ترحيب العراق برئاسة الأردن للجنة العربية التي تم تشكيلها لمتابعة الحالة بين العراق والكويت، أو الدبلوماسية الشعبية الأردنية النشطة والمطالبة برفع الحصار عن العراق، وفي هذا الصدد يُشار إلى الخطوات التالية: أعلنت السلطات الأردنية أنها تقوم حالياً بإجراء اتصالات مع الأمم المتحدة للحصول على الموافقات المطلوبة من أجل الإعلان عن تسيير رحلات طيران منتظمة بين عمان وبغداد، حيث أن الأردن ودولاً أخرى كالصين وروسيا تقدمت بطلبات بهذا الشأن إلى اللجنة رقم 661 التابعة للأمم المتحدة. وعلى الرغم من رفض بعض المسئولين العراقيين لفكرة الاستئذان من الأمم المتحدة، انطلاقاً من أن هذا يعطي مبرراً لاستمرار مناطق الحظر الجوي المفروضة على العراق شماله وجنوبه، إلا أن بغداد رحبت بقرار الأردن مشيدة بهذه الخطوات ودعت الدول العربية والأجنبية إلى البدء بتسيير رحلات منتظمة لكسر الحظر، مؤكدة أنه لا يوجد في القرارات الدولية ما يمنع ذلك. ويذكر أن عمان كانت قد سيرت أول رحلة تجارية منتظمة في نوفمبر2000 إلا أنها لم تحصل على موافقات مستمرة، حيث يقوم الأردن مع كل رحلة بتقديم بيان إلى اللجنة الدولية للعقوبات يتضمن نوع الرحلة وعدد الركاب والشحنة، كما يقوم أيضاً بتقديم معلومات حول الرحلات العابرة للأجواء الأردنية. والانفراجة السياسية الأخرى في العلاقات الأردنية-العراقية تتمثل في الترحيب العراقي برئاسة الأردن للجنة المختصة بمتابعة الحالة بين العراق والكويت والتي شكلت أثناء القمة العربية الأخيرة في عمان والتي دعت إلى رفع العقوبات المفروضة على العراق ولكنها لم تلب طلب بغداد رفعاً أحادي الجانب للعقوبات، وأمام استمرار تدهور العلاقات بين الكويت والعراق كلفت القمة العاهل الأردني بالمبادرة إلى إجراء استشارات لتقريب وجهات النظر بين بغداد والكويت.وكان العراق قد أعرب مؤخراً عن استعداده للتعاون مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في الاتصالات التي يعتزم إجراءها لمتابعة البحث في العلاقات بين بغداد والكويت، تنفيذاً لما اُتفق عليه في قمة عمان، وجاء ذلك على لسان وزير الخارجية العراقي السابق محمد سعيد الصحاف عندما قال «سنتعامل مع الأشقاء في الأردن بموضوعية وبوضوح» في ما يتعلق بموضوع علاقاته مع الكويت، وتوقع الصحاف أن يبدأ الأردن ممثلاً في الملك عبدالله الثاني بالتحرك بهذا الاتجاه خلال فترة معقولة. وتعتبر الحركة الشعبية الأردنية المطالبة برفع الحصار عن العراق ورقة مهمة في ملف العلاقات السياسية بين بغداد وعمان، حيث أنه قد تجمع مؤخراً نحو 400 شخصية برلمانية وحزبية ونقابية أردنية وعراقية على الحدود الأردنية-العراقية تضامناً مع الشعب العراقي في مواجهة الحظر، وأصدر التجمع الذي يعتبر الأول من نوعه وثيقة تتضمن دعوة إلى إنهاء الحصار المفروض على العراق، وشارك في التجمع من الجانب الأردني رئيس مجلس النواب عبدالهادي المجالي وأعضاء المكتب الدائم في المجلس ووفود تمثل الأحزاب والنقابات المهنية والاتحاد العام لنقابات العمال والهيئات النسائية، ورؤساء البلديات ونادي خريجين الجامعات وغرف الصناعة والتجارة ورؤساء تحرير الصحف المحلية، وعدد من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني.. وهذه المشاركة الشاملة إن دلت على شيء إنما تدل على أن هناك حركة شعبية أردنية مؤيدة للقضايا العراقية وخاصة جهة رفع الحصار وعودة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين العراق والأردن إلى مرحلتها السابقة على الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس 1990. القيود والمعوقات ورغم المؤشرات المهمة السابق الإشارة إليها التي تؤكد تنامي العلاقات السياسية والاقتصادية بين العراق والأردن في الفترة الأخيرة، إلا أن هناك عدداً من القيود والمعوقات التي تقف حجر عثرة أمام ذلك، أهمها الآتي: التحفظات التي تبديها الولايات المتحدة الأمريكية ووقوفها أمام التوسع في العلاقات بين بغداد وعمان خاصة في العلاقات الاقتصادية التي تصنفها واشنطن على أساس أنها خرق للحصار المفروض على العراق، ففي هذا الصدد كشف مسئولون أردنيون عن ضغوط يمارسها الرئيس العراقي صدام حسين على الأردن لحمله على تحدي المساعي الأمريكية الهادفة لتشديد العقوبات على نظامه في بغداد، ونسب موقع «وورلد تريبيون» الإخباري على الإنترنت إلى هؤلاء المسئولين قولهم أن العراق أصيب بالإحباط من جراء التعاون المتجدد بين عمان وواشنطن الذي من شأنه أن يشدد عملية الرقابة على الصادرات المتجهة للعراق التي تتضمن مواد قد تعتبر ذات «الاستخدام المزدوج». الانضمام الأردني إلى «لجنة خبراء» لتقرير الجهود التي من شأنها تشديد الرقابة على السلع المتجهة للعراق الواردة عن طريق ميناء العقبة، وينتظر أن تضم اللجنة خبراء من الدول الأخرى المجاورة للعراق مثل سوريا وتركيا، وحسب مصادر قد تدعى إيران للانضمام إلى اللجنة في وقت لاحق، وفي هذا الصدد يتهم المسئولين العراقيون الأردن بأنه يسمح لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بنشر قوات أمريكية على امتداد الحدود مع العراق، إلا أن الأردن ينفي ذلك. ويقف التعاون الإسرائيلي مع الأردن في المجالات التجارية كمعوق أمام توقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين، وذلك كنتيجة للموقف المسبق والمخاوف التي أبداها المسئولين العراقيون من أن تفتح الاتفاقية أمام دخول المنتجات «الإسرائيلية» إلى أسواقهم من خلال الشركات الأردنية المتعاملة مع إسرائيل. ورغم هذه المعوقات إلا أن مسيرة العلاقات بين البلدين في تنام مستمر خاصة وأن الحكومة الأردنية نفت انضمامها إلى لجنة تشديد الرقابة على العراق المزمع تشكيلها من ناحية، ومن ناحية أخرى تحاول إنهاء ملف المعارضة العراقية على الأراضي الأردنية والتأكيد الأردني الدائم بأن عمان لا تتدخل في الشئون الداخلية للدولة رغبة منها في إغلاق جميع الملفات التي تقف أمام التعاون مع بغداد. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية: