بمرور ربع قرن على التعددية الحزبية في مصر يطرح ضرورة تقديم التجربة المثيرة للجدل، وما بين اراء تقول انها تسمح بهامش من الحرية والديمقراطية غير متاح في اي دولة عربية واراء اخرى، اغلبها من المنخرطين في التجربة نفسها، يؤكد اصحابها انها لم تحقق ما كان مأمولاً منها، دارت «ندوة الاربعاء». وعلى عكس تلك الآراء هناك من يقول انها وصلت ودفعت المجتمع كله معها الى مأزق حقيقي يتطلب عملية اصلاح سياسي واسعة وعاجلة للخروج منه، فالمستقبل بدون ذلك سيكون غير مأمون العواقب بالنسبة للنظام كله بما يحمل من احتمالات مفتوحة تجعل التنبؤ بهذا المستقبل عملية شبه مستحيلة. شارك في الحلقة، من السياسيين وقيادات الأحزاب، كل من : إبراهيم شكري رئيس حزب (العمل)، والدكتور رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع الوطني التقدمي، عبد العظيم المغربي رئيس الهيئة البرلمانية للحزب العربي الإشتراكي الناصري.. والأمين العام المساعد لإتحاد المحامين العرب، فؤاد بدراوي نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد.. وعضو الهيئة العليا للحزب، والكاتب والمفكر السياسي محمد سيد أحمد.. ومعهم من الأكاديميين الدكتور وحيد عبدالمجيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة «الاهرام» المصرية. في البداية كان لابد من الاشارة الى التجربة التعددية الحزبية في مصر قد بدأت في ظل ظروف معروفة في بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي وتحديداً عام 1976، ووسط امال بأن تتطور التجربة وتستعيد الديمقراطية في مصر وهجها وتأثيرها القوي على مجريات الاحداث داخلياً وخارجيا. وبعد ربع قرن من التجربة وجد المصريون انفسهم امام مأزق جديد للديمقراطية فبرزت تساؤلات عدة دار حولها النقاش في هذه الندوة. ـ جلال عارف: هل كانت الطريقة التي نشأت بها التجربة الحزبية لابد وان تؤدي الى المأزق الذي وصلنا اليه، ام انه كان بالامكان تقديم نموذج افضل؟ وما هي المعوقات التي حدت من الامال التي احاطت بالتجربة، ثم لماذا تراجعت الحزبية وانحسر تأثير الشارع السياسي؟ ـ محمد سيد أحمد : قبل الدخول في الموضوع الرئيسي للنقاش، أريد الحديث أولا عن (فكرة الديمقراطية) كمشكلة بالنسبة للمجتمعات النامية، كقاعدة عامة. أزعم أن حركات التحرر الوطني عموما، لا تستمر معركتها ضد الاستعمار عمرها ما تستمر حتى نهاية المطاف.. فدائما يأتي ظرف معين، في منتصف الطريق.. أو في منعطف معين، ويحدث نوع من (عقد الاستقلال).. ينسب إلى العقد صفة الإستقلال، وهو في النهاية حل وسط مع الاستعمار، يتم على أساسه الإستقلال بقبول متبادل على نحو ما، ينتهي بأن السلطة الجديدة بصورة أو بأخرى 0 تمثل أمرين : فهي تمثل القدر الذي تحقق من التحرر الوطني، ولكن تعبر أيضا عن المصالح التي تم التهادن والتوافق عليها مع الأجنبي المستعمر.. ومن هنا نجد أنه لم يحدث أبدا أن مثلت السلطة الشعب تمثيلا كليا، بمقتضي هذا العقد، ومن هنا فالديمقراطية ليست خالصة مئة في المئة، بحكم هذا العقد أيضا.. فالإستقلال يتم منقوصا أصلا، وهذا الأمر يزداد أهمية في نطاق (العولمة) عندما يتزايد التداخل بين المجتمع الداخلي والمجتمع الدولي، ويحسب ضد الديمقراطية.. وليس معها. إذن، نحن بصدد مشكلة موضوعية تواجهنا إبتداء، هي أنه في أنظمتنا تكون الديمقراطية ضد التيار. فالديمقراطية شئ ينتزع أكثر مما هو معطي، وأكثر مما تم التعاقد عليه في عملية الاستقلال بغض النظر عن المجتمعات. فهذه مسألة نسبية، فهناك مجتمع يستطيع أن يحرر نفسه أكثر. فمثلا الثورة المصرية أرى أنها استثنائية نوعا في أشياء وأمور عديدة وفي مرحلة معينة هناك إذن خصوصيات لكل مجتمع على حدة، لكن القاعدة التي أتحدث عنها قاعدة تعلو كل هذه الأمور الإستثنائية، ولا نستطيع إلغاءها على إطلاقها..نستطيع أن نخفف من وطأتها، لكنها لا تلغى كلية. هذه مداخلة كنت أريد تسجيلها، قبل الدخول في تفاصيل الموضوع المطروح، باعتبارها (قاعدة عامة) جديرة بالتأمل. ـ الدكتور رفعت السعيد : أريد أن أضيف عدة ملاحظات لما قاله الاستاذ محمد سيد أحمد، أولها أننا عندنا (ظاهرة مصرية) هي أن قيادة العملية الثورية، كانت دوما تسعى لتحرير الوطن.. وليس تحرير المواطن، سعد زغلول مثلا. سعى إلى الاستقلال، لكن عندما جاءوا يشتكون له من إصدار الدكتور طه حسين لكتابه الشهير (الشعر الجاهلي) قال لهم : «هبوه مجنونا»، ورفض أن يقف بجانبه ويسانده.. بل وهو الذي خاض المعركة ضده، بل على العكس.. الذي وقف مع طه حسين هو حزب (الأحرار الدستوريين) بزعامة الشيخ مصطفى عبد الرازق. نفس الشيء أزعم أنه حدث في عصر الرئيس جمال عبد الناصر، حرر الوطن..لكن لم يحرر المواطن.هذه أول قضية يجب أن نضعها في الاعتبار، وأعتقد أن سببها تكون (كاريزما) آسرة للزعيم، تجعل الديمقراطية بالنسبة له أمرا غير مرغوب فيه. الملاحظة الثانية : إن المصريين لم يعتادوا على إحترام الفعل السياسي، لأن الصفوة المصرية التي بدأت الحياة السياسية.. تقلبت أمام أعينهم بطريقة مثيرة للسخرية، عباس محمود العقاد مثلا بدأ وفديا معاديا للملك.. وهو صاحب مقولة (سوف نحطم أكبر رأس في هذا البلد) ثم يتحول سعديا.. ثم حرا دستوريا.. ومواليا للملك، طه حسين أيضا بدأ وفديا.. فحرا دستوريا.. ثم سعديا، قبل أن يعود وفديا.. وهكذا الشعب إذن رأي الصفوة السياسية تنتقل أمامه بين الإتجاهات السياسية المختلفة، عدا تيارين فقط إتخذا موقفا راديكاليا لا يقبل التنقل إلا فيما ندر، هما : الاخوان المسلمين، والشيوعيين.. ما عدا ذلك كانت الأحزاب وسياسييها يتناوبون على هذا الأمر. لذلك نجد المصريين يقولون أحيانا على من يحاول الاحتيال عليهم (ده بيشتغل عليّ بوليتيكا) الأمر الثالث، أنه في بداية الحقبة الناصرية، عندما تقرر إقتلاع الحياة الحزبية من جذورها، كان من الضروري إعادة تشكيل العقل المصري بفكرة (الحزب الواحد) وبفكرة رفض التعددية، وكلف عدد كبير من الكتاب والمفكرين منهم عدد ممن يتحدثون الآن كثيرا عن الديمقراطية بعملية تغيير الوعي والذاكرة المصرية، وشوهت الحياة الحزبية في العقل المصري.. بحيث أن فكرة (التعددية) فقدت تألقها. النقطة الأخيرة، أنه مثلما كان الزعيم القديم، سواء سعد زغلول أو جمال عبد الناصر، يقول بتحرير الوطن..ولكن لا يهتم بتحرير المواطن، جاء عصر (السادات) ليقول بتحرير أو ليبرالية الاقتصاد.. ويرفض ليبرالية المجتمع، وبهذا يظل المجتمع المصري منذ ثورة (23 يوليو 1952) وحتى الآن يسير على قدم واحدة: يقفز.. لكن لايمكن أن يستقر. ـ الدكتور وحيد عبد المجيد : أود أن أوضح، في قضية الديمقراطية والاستعمار والشعب، أن الديمقراطية يمكن أن تمارس سواء في ظل الاحتلال أو الاستقلال، وليس لها علاقة بهذا أو ذاك.. بل أن بعض المجتمعات مارست الديمقراطية في ظل الاحتلال أفضل من ممارستها لها في ظل الإستقلال، سواء كان منقوصاً.. أو كاملاً فالديمقراطية عملية للتعامل بين الناس، ممكن أن تكون في محيط الأسرة أو المدرسة أو النادي.. أي على كل المستويات، ولابد أن ننظر إليها على المستوى الكلي.. ولذلك ليس لدينا ديمقراطية من الجذور. وأعتقد أن موضوع تحرير الوطن والمواطن له أساس بالفعل، ولكن لا نستطيع أن نساوي بين سعد زغلول وعبد الناصر في هذا الصدد، الإثنان كان عندهما تحرير الوطن له أولوية على تحرير المواطن.. لكن هناك فروقا كبيرة جدا بين الزعيمين. المشكلة في تطور الديمقراطية عموما، من وجهة نظري، هي مشكلة مجتمع..فالديمقراطية ليست مجرد أحزاب ومؤسسات وإنتخابات، لكنها في الأساس مجتمع.. وثقافة، وإذا لم يكن المجتمع يملك حدا أدنى من الثقافة الديمقراطية.. فمهما كانت هناك أحزاب أو إنتخابات تظل العملية سطحية، ولو كان المجتمع يفتقد إلى التطور من الإنتماءات التقليدية إلى الإنتماءات الحديثة.. فلن تصل الأحزاب إلى الناس أبدا، بمعنى أنه لو ظل الناس على ولائهم للأسرة والقبيلة وللمنطقة والقرية والدين.. فمهما كثرت الأحزاب ستظل (قشرة) على السطح. وفي تطور الديمقراطية في مرحلة ما قبل عام (1952) كنا منشغلين بالقضية الوطنية، وهذا كان طبيعيا.. بعد ذلك إنضربت الديمقراطية، وبدأنا التجربة من جديد في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، ولكن لم يهتم أحد بمقومات الديمقراطية الاجتماعية والثقافية.. وهذا يدخل بنا في قضية نشأة هذه التجربة، حيث تم تشكيل الأحزاب مباشرة،وبقرارات غالبا.. من دون تفاعل شعبي. نحن طول الوقت نتحدث عن القيود التي تكبل عمل الاحزاب، وهذا أمر حقيقي لا أحد يختلف عليه.. لكن هناك أيضا مشكلة أساسية في الأداء الحزبي نفسه من البداية، وهو الأمر الذي سأتناوله بالتفصيل لاحقا. فؤاد بدراوي : لي ملاحظة أولية على عنوان الندوة، وهي أن التجربة الحزبية في مصر عمرها ليس ربع قرن فقط.. وإنما بدأت منذ عام (1907) عندما أسس مصطفى كامل (الحزب الوطني) ثم مرت التجربة بمراحل عديدة، إلى أن تم تكوين (الوفد المصري) برئاسة الزعيم سعد زغلول، بجوار عدد من الأحزاب التي كانت قائمة، ثم إنشق عن الوفد عدة أحزاب أخرى كانت تمثل الأقلية. وكان يوجد في مصر أكثر من حزب : الأحرار الدستوريين، والسعديين، وحزب الشعب، والحزب الوطني القديم. إذن هذا دليل، قاطع على أن مصر شهدت تعددية حزبية لما يزيد على (45) عاما قبل قيام ثورة يوليو، وشهدت مصر في هذه الحقبة حياة ديمقراطية.. بإستثناء فترات قليلة كان الملك والإنجليز يتدخلون لتمكين أحزاب الأقلية من الحكم، على حساب الحزب الذي كان يمثل أغلبية الشعب المصري بجميع فئاته وطوائفه وهو حزب (الوفد) فشهدت الحياة السياسية المصرية عدة إنقلابات دستورية، ورغم ذلك كانت البلاد تتمتع بحياة ديمقراطية وصحافة حرة، وكان هناك مجلس نيابي له كافة الاختصاصات التشريعية والرقابية بخلاف حق المجلس في تعديل الميزانية العامة للدولة، ورفضها أحيانا ثم الدور الرقابي للمجلس. متمثلا في الأسئلة والاستجوابات وفي ذلك دليل على مدى فاعلية الحياة النيابية في ذلك الوقت. وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك حرية العمل السياسي بين الشباب، ليس في الجامعات فقط.. ولكن في المدارس أيضا، فشهدت هذه الفترة مظاهرات تطالب بالاستقلال، وعدم إعتداء الملك على الدستور.. وفي بعض الأحيان تمكن الطلاب والشباب من إسقاط الوزارات وكان يوجد في الجامعات تشكيلات للأحزاب والقوى السياسية التي كانت تموج بها الحياة السياسية في مصر ذلك الوقت. أحزاب ما قبل الثورة ـ جلال عارف: قبل أن ندخل في عملية تقويم التجربة الحزبية الحديثة، أظن أنه من المهم أن نسمع رأي الأستاذ ابراهيم شكري باعتباره أحد السياسيين الذين عاصروا التجربة الحزبية قبل (ثورة يوليو 1952) وكان مشاركا فيها بفاعلية من خلال حزب (مصر الفتاة) ثم الحزب الاشتراكي.. هل تلك التجربة كما قيل الآن لم تكن تتمتع بمصداقية لدى أبناء الشعب، سواء للفساد الداخلي في الأحزاب.. أو بسبب تنقل السياسيين من حزب الى آخر، وهل كانت الحركة الوطنية مهتمة بتحرير الوطن.. وغير مهتمة بتحرير المواطن. ـ ابراهيم شكري: الواقع أنا لا أريد أن أظلم ما قبل الثورة، أو أظلم التاريخ.. فمن المعروف لدينا جميعا أن مصر كانت لها تجربة ديمقراطية قبل ثورة يوليو، كان هناك مجلسان للنواب والشيوخ، وأحزاب.. كما كان يوجد (دستور 1923) وهو دستور متوازن.. وضعه قانونيون كبار استعانوا بتجارب الدول الأخرى في المجال التشريعي، خاصة فرنسا، وأجريت على أساسه انتخابات ديمقراطية.. حتى أن رئيس الوزراء يحيي باشا ابراهيم سقط فيها أمام أحد المواطنين لكن بدأت هذه التجربة في التأثر سلبا بالنزاع الدائر بين السراي، أي الملك، وبين حزب الوفد، وتحديدا مع زعيمه سعد زغلول، واتجهت الأمور الى منحى آخر.. حيث صدر (دستور 1930) الذي جعل الانتخابات على درجتين أي غير مباشرة ينتخب الشعب مندوبين.. ثم يختار هؤلاء بدورهم النائب، وكان هذا تغيراً كبيراً جدا في نظر شباب الحركة الوطنية.. وفي هذه الأجواء نشأت (حركة مصر للفتاة) كجمعية أولا.. ثم كحزب كانت له توجهات وطنية وعربية واسلامية واضحة المعالم، ولم يتورط في تلك النزاعات التي كانت موجودة وقتها على الساحة السياسية، والتي شهدت مساومات واتفاقات بين الملك من ناحية.. وبعض زعماء الأحزاب من ناحية أخرى، وجزء من هذه الممارسات السلبية أنا شخصيا أثرتها داخل البرلمان، عندما انتخبت عضوا في مجلس النواب عام 1949 وهي ممارسات تركت أثرا سلبيا بالفعل لدى عامة الناس، الصحافة أيضا لعبت دورا مهما في تأجيج المشاعر الوطنية في هذه الفترة، وشحنت الشعب ضد فساد الملك وأعوانه، وأيضا ضد الممارسات الحزبية الفاسدة. ـ جلال عارف: بعد هذا قامت الثورة، وبعد ربع قرن من الحياة في ظل نظام ثوري يعتمد على التنظيم السياسي الواحد، بدأت التجربة الحزبية الحديثة.. وهنا نتحدث عن ظروف النشأة، وهل حملت التجربة في داخلها عوامل الخلل الذي أصابها؟.. أم أنه كان مقضيا عليها بسبب ما طرحه الدكتور رفعت من أن التربة كانت غير مهيأة، وأن الحياة الحزبية الفاسدة قبل الثورة ألقت بظلالها على التجربة الجديدة؟! ـ د. وحيد عبدالمجيد: بداية تغيرت الظروف والأشخاص عند بداية التجربة الجديدة عام 1976، وكان الموجودون على الساحة ممن عاصروا التجربة الحزبية القديمة عددا محدودا وظهرت أجيال لا تعرف شيئا عن الأحزاب.. بل وحتى عن الحزب الواحد حيث كان الاتحاد الاشتراكي قد اختفى دوره فعليا قبل سنوات. إنما المشكلة سابقة على هذا، وتتلخص في التساؤل التالي: هل مقومات الديمقراطية موجودة في المجتمع وفي الثقافة العامة، وكيف يتعامل الناس مع بعضهم.. وكيف يديرون أمورهم وحياتهم. وأزعم أن المصريين يتعاملون مع بعضهم بطريقة غير ديمقراطية، ويديرون حياتهم بطريقة تقليدية.. بينما الديمقراطية فكرة حديثة، والحزب انتماء مختلف عن الانتماء للاسرة أو القبيلة.. أو الولاء للقرية أو الاقليم.. إذن هناك (وعي) يتجاوز الانتماءات الأولية يجب أن يتوفر في المجتمع ولدى الناس واعطاء الانتماء الحديث أولوية.. واذا لم يكن هذا الوعي موجودا فمهما أعطيت حرية للأحزاب، فإنها ستظل (قشرة) على السطح.. ولذلك أنا أعتبر أن القيود التي فرضت على الحياة الحزبية منذ بدايتها، ليست هي السبب الرئيسي لأزمة هذه الأحزاب.. ولو كانت هذه القيود أقل لما كانت التجربة الحزبية اختلفت كثيرا، فقط كانت ستعطي نتيجة أفضل قليلا من هذا (الهشيم) الذي حصدناه بعد ربع قرن على التجربة. أيضا، فإن اداء الأحزاب نفسها لم يكن في الاتجاه الذي يهيئ الظروف الموضوعية لممارسة حزبية وديمقراطية ناضجة.. لأنه في المجتمعات التي يكون التطور الاجتماعي والوجه الثقافي فيها غير مهيئ للديمقراطية، تضاف وظيفة مهمة جدا لأحزابها عن الوظائف التقليدية للأحزاب في الدول الديمقراطية، فهذه الأخيرة تسعى للسلطة، أو تعبر عن مصالح وتوجهات محددة.. وتجمع حولها الناس، كما أنها تلعب دورا في التثقيف السياسي.. لكن في النطاق الحزبي، أما البلاد التي تكون فيها الثقافة السياسية متخلفة، فإن دور الأحزاب في التثقيف السياسي بمعناه العام.. وليس الحزبي لابد وأن يكون الوظيفة الأولى.. وهذا لم يحدث في التجربة المصرية حيث انشغلت الأحزاب من اللحظة الأولى في مواجهة من أجل تغيير طابع النظام السياسي، ومن أجل الحد من القيود المفروضة عليها.. ولذلك أنا أتصور أنه ربما لو أن التجربة اتخذت مسارا آخر، لو أنها ظلت مثلا (منابر) لفترة طويلة، تحت المظلة العامة للتنظيم السياسي الواحد الذي كان موجودا وقتها، فربما أصبح الوضع أفضل. أقول ذلك وأنا أستحضر (التجربة الكويتية) في هذا المجال، فالكويت دولة ليس بها أحزاب.. ولكنها تعرف أشكالا كثيرة لممارسة الديمقراطية، مثل الجمعيات والديوانيات، والتجمعات السياسية المختلفة، التي تعمل بنشاط وفاعلية وتؤثر في الحياة السياسية في المجتمع ولم تضع نصب أعينها هدف الوصول الى السلطة، أو إحداث تغيير ثوري للنظام السياسي القائم.. وتحويله الى نظام ديمقراطي يتيح التداول على السلطة، لم ينشغلوا بهذا الجهد. وبغض النظر عما اذا كانوا يفعلون ذلك بوعي أو بدون وعي، لكن النتيجة أنه حصل نوع من تطوير المجتمع الكويتي.. صحيح أن الوضع لم ينضج بعد لتأسيس أحزاب، إلا أن البداية في الكويت عام 1962 كانت أقل بكثير مما حدث في مصر عام 1976 والانجاز الذي أحرزه الكويتيون انجاز مهم جدا على طريق التحديث الجزئي والنسبي لهذا المجتمع شديد التقليدية.. وهذا لم يحدث في الحالة المصرية، فمنذ 1976 وحتى الآن نجد أن الأحزاب في مصر لم تساهم في تحديث المجتمع.. على العكس ازداد المجتمع تقليدية، حتى أننا وجدنا مثلا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة مرشحاً يرفع علم قريته، وقرى أخرى كانت تعمل تكتلات وراء مرشحين بأعينهم.. لانتمائهم الجهوي أو القبلي، هذا يعني أننا عدنا الى الوراء فيما يتعلق بتطور المجتمع، وازداد الطابع التقليدي.. لأن الأحزاب لم تنشغل بهذا الموضوع، ولم يكن ضمن أولويات حركتها الجماهيرية، وإنما دخلت معركة من أجل تغيير طابع النظام السياسي.. وليس تغيير المجتمع، وسواء كان هذا المنهج صوابا أم خطأ.. إلا أن هذا هو حقيقة ما حدث مع اقتناعي بأن الظروف هي التي فرضت على الأحزاب هذا التوجه.. لأن النظام السياسي نفسه نظام غير ديمقراطي، حيث فرض قيودا على حركة الأحزاب، كما أنه لا يتيح تداول السلطة مما جعل الأحزاب تركز على تغيير طبيعة النظام السياسي و(دمقرطته)، من دون أن تقوم بنفس الجهد في (دمقرطة) المجتمع نفسه وتحديث مفاهيمه السياسية وإنتماءاته التقليدية. هذه إذن مشكلة هيكلية في بناء الأحزاب المصرية بعد عام (1976)، ألخصها في أن أداء الأحزاب نفسها لم يكن في الإتجاه الذي يهيئ الظروف الموضوعية لممارسة حزبية وديمقراطية ناضجة. شخصية السادات ! ـ د. رفعت السعيد : أنا أختلف مع طرح د. وحيد الذي يرى أنه لو كانت (المنابر) قد استمرت لكان الوضع أفضل من ذلك.. ففي التجربة العملية كانت المنابر مقيدة الخطى، وكانت لاتستطيع أن تطبع ورقة من دون المرور على أمين عام الاتحاد الإشتراكي. ويوافق عليها. لكن الفكرة في الديمقراطية هي الاعتراف بالآخر، والقول بأن الجميع يجب أن يكونوا داخل وعاء واحد.. هو نفي لهذا الاعتراف بالآخر. أريد أن أركز على فكرة : لماذا أنشئت الأحزاب ؟ وأتصور أن الرئيس (السادات) كان يعتبر أن بقاء (الاتحاد الاشتراكي) عبئاً عليه، من الناحية الفكرية والايديولوجية والتنظيمية.. لأن فيه (الميثاق) و(بيان 30 مارس) وكلمة (الإشتراكي)، وكل الأمور التي كان يشعر أنها قيد على حركته وطموحاته، كحاكم يريد أن يغير مصر بطريقته الخاصة.. وبالتالي كانت (التعددية) أفضل له، أو خيل إليه ذلك ! النقطة الثانية أن (السادات)، لم يحاول أن يتأمل شخصيته، أعتقد أنه شخصية بالغة التعقيد.. لا تستطيع أن تعرف حساباته الخاصة، التي كان دائما ما يفاجئ بها الجميع.. وتبدو أحيانا وكأنها (براقة) أو ملفتة للنظر، لكن الثمار كانت دائما صعبة والمفارقة أن شخصية (السادات) لعبت دورا أساسيا في وجود التعددية الحزبية، وفي (تقزيم) هذه التعددية ! النقطة الثالثة : أنه لا توجد تعددية من دون تداول السلطة، وإلا فلماذا تكون التعددية.. ولماذا تلعب المباراة السياسية من أساسها ؟!.. حتى في الكرة تقام البطولات لكي يفوز بها هذا النادي أو ذاك، وطعم المباراة يكون مختلفا بتسجيل أي من الفريقين أو كليهما- الأهداف.. وإذا لم تكن هناك أهداف أو بطولات تفقد المباريات مذاقها، وتصبح دون معنى أو هدف. ايضا، يجب أن نضع في الاعتبار أن هناك حدثين بالغي الأهمية، أثرا في حاضر ومستقبل الحياة السياسية المصرية، الأول : أحداث (17و18 يناير 1977، والثاني هو إتفاقية (كامب ديفيد). حيث أضطرت بعض الأحزاب والتيارات السياسية أن تدخل معركة (كسر عظم) مع رئيس الدولة، في مسألة كان يعتبرها هو قضية (حياة أو موت).. بدليل أنه عندما عمل (قانون الأحزاب) بعد ذلك، اشترط أن الأحزاب التي تنشأ بمقتضاه لابد وأن تكون مؤيدة لكامب ديفيد، وهذا أدى بحزب (التجمع مثلا ـ إلى أن يخوض معركة ضارية وقاسية جدا، اعترف أنها قللت كثيرا جدا من عضوية الحزب، لأن المجتمع المصري ليس مكونا من أبطال.. وإنما من إناس عاديين فحزب (التجمع) تكونت عضويته بطريقة قمة في السذاجة.. فالرئيس (السادات) استخدم التعبير القرآني (وجعلناكم أمة وسطا) ووضع نفسه في الوسط.. وقال: نريد واحداً على اليمين، وآخر على الشمال، وأتى بالأستاذ (مصطفى كامل مراد) يميناً.. من خلال منبر اليمين، و(منبر اليسار) أو حزب التجمع فيما بعد على يساره. ولو تتذكرون فإن مجلة (روزاليوسف) طبعت (كوبوناً) صغيراً، ووزعته على القراء قائلة: (انضم الى المنابر، وضع علامة على المنبر الذي تريد عضويته!) وانهالت علينا هذه (الكوبونات) من (روزاليوسف)، تحمل اسماء من يريدون الانضمام لمنبر اليسار.. ووصل عددهم الى (180 ألف عضو)! وعندما دخلت الأمور في الجد، وحدثت المواجهات بين الحزب والرئيس (السادات) حول عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية، وأصبح هناك ملاحقات أمنية وحبس الكوادر.. واضطهاد للأعضاء، ونقل العمال والموظفين منهم الى مدن أخرى وبالطبع أثر ذلك على الحزب، وقلت العضوية. ثم جاءت أحداث (17 و18 يناير 1977)، وهنا دخلت الحياة الحزبية في منعطف خطير.. واعتقل فيها نحو ألفي مواطن، منهم عدد كبير من أعضاء حزب التجمع، وبدأت الصحف التابعة للدولة تشن حملات قاسية على الحزب وتنشر قوائم يومية عن استقالات من عضوية التجمع، بعضها صحيح.. ومعظمها مغرض، وهذا انعكس مباشرة على المواطنين في (رسالة) واضحة.. مفادها أن الذين يريدون أن يخوضوا الحياة الحزبية عليهم أن يضحوا بأرزاقهم وعملهم وحريتهم ومستقبل أولادهم.. وربما بحياتهم نفسها، ومن دون مقابل.. لأنه اذا كان الانسان داخل معركة من أجل أن يصل الى أهدافه ويحققها، تكون التضحيات مطلوبة.. ومنطقية، لكن اذا كانت النتيجة معروفة مسبقا.. وأن الحكم سيخرج (الكارت الأحمر) لأى لاعب يحرز هدفا، فإن المباراة نفسها تكون عبثا. النتيجة من وراء ذلك كله، أن التجربة الحزبية عاشت هذه الحياة (القزمية)، ونظل جميعا ندور في ذات الدائرة التي ذكرتها.. وهي أن الحكم يعيش حالة دعم مايسميه (ليبرالية الإقتصاد) لكنه يرفض وبشدة ليبرالية المجتمع.. ولهذا سيظل هذا المجتمع يتعثر، وبلا أمل في أن الحياة السياسية ستصبح مستقيمة. الثوابت.. والعوارض ـ محمد سيد أحمد: الحقيقة أنا أريد أن أتكلم عن الثوابت، وليس عن العوارض أو المتغيرات.. وأقصد بالعوارض أمورا مثل: شخصية الرئيس السادات، حدوث كامب ديفيد، واندلاع أحداث (17 و18 يناير 1977).. وأقول انه اذا كانت هناك (ثوابت) معادية للديمقراطية في المجتمع، فلأن النظام لا يمثل الشعب ككل.. فقد كان في حاجة الى فئة متميزة، وظيفتها قمع الأغلبية غير الممثلة بصورة أو بأخرى.. وبدرجات متفاوتة، ولخدمة اتجاه تقدمي في ظروف معينة.. وفي ظروف أخرى لخدمة قضية رجعية، وهذه ظاهرة ثابتة فيما يتعلق بالديمقراطية.. وهذا هو الخطير، فالأمور دائما تسير وسط توجهات فوقية. لكن الديمقراطية الحقيقية تعني أن التمثيل يأتي من خلال عملية صادرة من تحت، من الناس نفسها، وهذا لم يحدث أبدا عندنا.. فالانتخابات طيلة السنوات الماضية يجري تزويرها بشكل أو بآخر، بل أن مجلس الشعب نفسه طعن في دستوريته عدة مرات.. وهذا تعبير قانوني عن (الركاكة) فيما يتعلق بالجانب البنيوي، أي أنه حتى الشكل يكشف زيف العملية برمتها.. وهذا كان دائما في نظامنا السياسي. عبدالناصر مثلا، وضع في خدمة قضية تقدمية على المستوى الوطني نظام (علوي).. لم يكن فيه مشاركة، لكن كان فيه افتراض أن الحاكم يمثل الشعب.. ولكن يحجب عنه التفويض لاسباب متعلقة بالمغامرات والمؤامرات المعادية، اذن هو ـ أي الحاكم ـ يفترض ابتداء أنه يمثل شعبه.. وهذا النظام استمر. حتى فكرة نسبة (50% عمال وفلاحين) في مجلس الشعب، التي نص عليها الدستور، عندما نتأملها سنجد أن هؤلاء لم يكونوا عمالا وفلاحين بالمعني الحقيقي والواقعي.. بل كانوا (فئة متميزة) من الطبقة الوسطى، يمثلون نموذجا صحيحا لما قصده (لينين) عندما تحدث عن (ديكتاتورية البرجوازية الصغيرة في ظروف معينة).. اذا شئنا الحديث بتعبيرات ماركسية، هذه الفئة من الطبقة الوسطى تميزت بظرف خاص.. وهذا يأتي من الافتراضات التي ذكرتها، والتي تقول بأن (الثوابت) تتمثل أساسا في أن النظام لا ينبثق من الشعب. ازعم، بناءً على ماسبق، انه ليس لدينا نظام تعدد حزبي.. عندنا نظام (حزب واحد) لكن بصيغة معدلة، تمتص في الوقت نفسه المعارضة. في وقت من الأوقات كان في التنظيم الواحد القدر من التنظيم الضروري ليحول دون ظهور تنظيم آخر، ثم قبلنا بفكرة (التعددية).. وانشئ حزب لليسار بهدف امتصاص اليسار وكشفه، ولفضح من هو يساري واحتوائه.. وتم تأسيس حزب لليمين لأن النظام كان يريد التحول الى اليمين، وكانت مهمة هذاالحزب (الاحرار) استكشاف الطريق.. وتحمل مسئولية تحولات النظام، أى أن الرئيس (السادات) أطلق التعددية بهدف تأمين نفسه ضد أخطار اليسار واليمين معا، فيما يسمى بأحزاب بديلة.. أى أن الحزبين كانا موظفين من حزب الوسط الذي رأسه (السادات) بنفسه، أى انه كان ايضا حزباً (علوياً) ليس له وجود حقيقي في الشارع. نأتي بعد ذلك للتيارات السياسية خارج النظام، أي التي ليس لها أحزاب، وهؤلاء كانوا (الشيوعيين) في فترات معينة، و(الاخوان المسلمين) في كل الفترات. إذن كانت هناك قوى خارج النظام، وهذا خلل في الديمقراطية.. لأنه ممكن أن نختلف مع هذا التيار أو ذاك، لكن الوسيلة الديمقراطية المعالجة لذلك هو الاعتراف به.. وليس الغاءه، وافتراض انه غير موجود.. بينما هو موجود ومؤثر. طالما أن النظام يفترض أن من حقه الحكم على قوة خارجة من المجتمع بانها ليس لها الحق في التواجد الشرعي، اذن فهو خارج مجال الديمقراطية. اذن، التجربة الحزبية في مصر ليست تجربة ديمقراطية.. وهذا من حيث الثوابت وليس العوارض. لعبة فاسدة! ـ عبدالعظيم المغربي: أعتقد أن النقاش يطرح علينا اسئلة، ربما تحتاج منا لأهميتها إلى مزيد من التفكير، حتى خارج نطاق هذه الندوة.. من ضمن هذه الاسئلة أولا: مدى ملاءمة ومواءمة وقبول وضرورة (التعددية الحزبية)، بمفهومها الليبرالي، بالنسبة للمجتمع المصري؟.. في رأيي أن هذا سؤال لم نخضعه للبحث والمناقشة بالقدر الكافي، نحن في أحزابنا وافقنا على أن نلعب (الشوط) بالشروط المفروضة والمعدة سلفا.. انما اللعبة اتضح أنها فاسدة، وأنا أميل هنا الى رأى الاستاذ (محمد سيد أحمد) في عدم الاحتكام الى العوارض.. وانما نعود الى الثوابت، وحينما نفعل ذلك يجب أن نلتفت الى أن فكرة (الثابت) في حد ذاتها هي الغائبة، ماهي (الثوابت) التي يمكن أن تحكم الحياة السياسية الملائمة للمجتمع المصري بالتحديد؟. لا أخفى عليكم، وبعد ماحدث طيلة الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، انني بدأت أفقد ثقتي في ملاءمة (التعددية الحزبية) لمصر.. وهذا يردنا الى الكلام الذي قيل هنا عن (الشمولية) في تقديري أن المجتمع المصري كان يمارس حرياته المتعددة، حتى وان كان يبدو أن أقلها هي الحرية السياسية في الممارسة الحزبية، بشكل أفضل في ظل مايسمى بالشمولية.. أي التنظيم الواحد، كان اليسار أكثر تواجدا وتأثيرا، وكذلك كان اليمين، وكانت القوى الوسطية هي السائدة في المجتمع آنذاك. من ناحية أخرى، فإن مانعاه (محمد سيد أحمد) على الديمقراطية في ظل ثورة (23 يوليو) أو الحزب الواحد الاتحاد الاشتراكي تعليقي عليه أن الثورة لا تتم باستفتاء، وأيا كان الأمر فإنه كانت هناك (قناعة) لدى من آمنوا بالتغيير أن الثورة كانت تعبيرا عن ارادة غالبية المجتمع المصري، كذلك جاءت الشعارات التي رفعتها الثورة هي شعارات المجتمع.. فالثورة إذن لم تأت من فراغ، انما كانت تتويجا للحركة الوطنية المصرية بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد ذلك النشاط والزخم الذي كان موجودا في المجتمع منذ عام (1946).. سواء في حركة الطلبة والعمال، أو المد الشيوعي، ونشاط الإخوان ومصر الفتاة والطليعة الوفدية وغيرها.. كل هذا صنع ارهاصات (ثورة يوليو 1952)، التي اعتبرها محصلة لهذه الحركة بكافة اتجاهاتها. أنا اعتبر اننا لسنا هنا في مجال تقييم ماجرى في مصر، أو على مصر، في ظل فترة حكم عبدالناصر.. ولكن أيا ما كان رأينا فيه، فإنني أرى في عودة الى موضوعنا أن (المشكل الرئيسي) المتعلق بالثوابت في الحياة الحزبية المصرية خلال الربع قرن الماضي، يتمثل في أن هذه التجربة تمت بشكل انقلابي من داخل المجتمع، وبالتحديد من السلطة الحاكمة.. حيث قرر رئيس الدولة (السادات)، الرجل الأول في السلطة التنفيذية والتنظيم السياسي، تأسيس المنابر الثلاثة (اليمين والوسط واليسار).. ورغم كل ماقيل عنها، الا انه هو نفسه لم يتحملها مدة ستة أشهر.. هذه التجربة هي اذن (انقلاب) من داخل النظام ذاته. واذا نظرنا في الحياة السياسية المصرية الراهنة، لوجدنا أن القوى السياسية الأكثر فاعلية في الشارع بخلاف الحكومة وأجهزتها.. بمافيها الحزب الوطني هم (الاخوان المسلمين) لماذا؟.. لأنهم الموجودين أصلا، وليسوا من حضن النظام أو صنعه. كذلك، فإن المنابر الثلاثة التي تحولت الى أحزاب بعد ذلك، لم يكن واردا لديها بمصداقية كاملة فكرة (تداول السلطة).. وأعتقد أن أقصى ماتطالب به هو التمثيل المتناسب، ولكن الطموح الى السلطة مازال بعيدا جدا عن ذهنها ومطالبها. كما أنها تتعامل مع السلطة باعتبارها أحد روادفها: هذا (رادف يساري).. وذاك (رادف يميني)، ولذلك فإن هذا لا يخولها امكانية توفر اساسي حزبي حقيقي.. فهي لا يمكن أن تكون حزبا، ولا يمكن أن تقوم حياة حزبية بهذا المفهوم. نضيف الى ذلك أن الليبرالية تبدأ بالاعتراف بالرأى الآخر، لكن لدينا بدأت (اللعبة) بإدانة الرأي الآخر.. ومازال هذا التوجه يحكمنا حتى الآن، ولا نسمح بتمثيل الرأي الآخر الا بالقدر الذي يقول أن هناك (تعددية) ولذلك كان قسرا وانقلابا من داخل النظام التحول الى الليبرالية الاقتصادية، كما كان قسرا (محاولة) وليس التحول (اصطناع) مايسمى بالليبرالية السياسية، واذا خرجت عن استهدافات النظام.. فإنها (تضرب على أم رأسها!). وأنا لست مع د.رفعت السعيد في أن بداية احساس (السادات) بالخطر كانت بعد أحداث (17 و 18 يناير 1977)، ولكني أعود الى قرار (السادات) - في أكتوبر 1976 بتحويل المنابر الى أحزاب، بعد أن استشعر أن قوة سياسية منظمة، في اطار السلطة.. ومن أحزاب السلطة، نزلت الشارع السياسي في انتخابات برلمانية بحكم قوانين التعددية تطرح برنامجها السياسي، مماأزعجه للغاية.. وكان حزب (التجمع الديمقراطي) هو المستهدف من هذا الانزعاج، فقرر - أي السادات انه لابد من تفتيت الوعاء الذي يضم تلك القوى السياسية، من ناصريين وشيوعيين وقوميين. أيضا، أقول إن غالبية القوى الحاكمة والفاعلة في الأحزاب المصرية الآن، لم تتعلم.. ولم تنشأ في ظل المفهوم الليبرالي للحزبية السياسية، في ظل الاستقلالية.. والرغبة في امتلاك السلطة والنضال من أجل تداولها، لم يحدث هذا الا ربما عند الرعيل القديم الذي يقود الحركة الحزبية الآن، والذي يتقلص دوره يوما بعد يوم. واذا أضفنا الى ذلك انه للأسف الشديد مايجري في مصر، خلال الـ (25) عاما الماضية، ليس ملكا لمصر وحدها.. شأنها شأن العالم كله، والممارسة الحزبية والسياسية في الربع قرن الأخير.. جاءت في الفترة ذاتها التي يدخل فيها العالم مايسمى بناتج (العولمة)، وكذا التحولات الرهيبة التي لحقت بالنظام السياسي العالمي في غياب الاتحاد السوفييتي.. وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة على العالم، وارادتها في أن تصوغ العالم بكلياته وتفاصيله بما يتسق مع رؤيتها، وتتدخل بالتالي في أدق شئون الدول، وتدعم قوى سياسية داخلية.. وتحارب قوى أخرى، ولم يعد الغالب والمغلوب نتيجة توازن قوى داخلية.. وانما هناك أطراف خارجية أخرى فاعلة في ذلك. وأظن أن هذا كان أحد الأسباب الرئيسية في فساد الممارسة الحزبية والسياسية في مصر. الإخوان المسلمون ـ جلال عارف: ننتقل للحديث عن الوضع الراهن للأحزاب والنظام الحزبي، إلى نقطة هامة، لماذا نجحت حركة (الإخوان المسلمين) في التغلب على القيود المفروضة على الحياة السياسية، رغم أنها مازالت غير شرعية أو معترف بها؟! ـ وحيد عبدالمجيد: إذا تحدثنا عن واقع التجربة الحزبية الآن، لابد من الاعتراف أن القيود المفروضة عليها منذ البداية أضعفتها بالفعل، وجعلتها عديمة الفاعلية بين الجماهير.. كذلك فإن الصدام مع السلطة أضاف عوامل ضعف أخرى، فحزب (التجمع) تأثر كثيرا كما قال د.رفعت بصدامه مع السلطة، وكذلك حزب الوفد، وحزب (العمل) صدرت قرارات بتجميد نشاطه.. وهو من الأحزاب الرئيسة على الساحة. الصحافة الحزبية أصبحت بالفعل أكثر حرية، خلال الأعوام الأخيرة، لكنها باتت أقل انتشارا.. وانفض عنها القراء، بسبب أن الأحزاب التي تتحدث بلسانها تلك الصحف لم تهتم ـ كما قلت ـ بالاقتراب من الناس، لأنها لعبت اللعبة من فوق.. وليس من تحت، أعطت الأولوية لتغيير القوانين المقيدة لحركتها، من دون محاولة تغيير وعي الناس.. ولم تدرك أن الناس عندما تنضج سياسيا سيفرضون هم تغيير القوانين.. مثلا: الجهد الذي بذل في محاولة تغيير قانون الطوارئ، لو كان بذل نصفه في الاقتراب من الناس.. لتغير الحال كثيرا. أما حجة أن قانون الطوارئ يمنع الندوات والمؤتمرات الجماهيرية، فمردود عليها بأنه لا يوجد حزب في العالم يتحرك بين الجماهير عبر هذا الأسلوب، حتى في أكثر البلدان ديمقراطية.. هذه حجة (بليدة) العمل الحزبي هو عمل في الشارع، مع الناس.. حتى لو في بيوتها، وهذا مانجح فيه (الإخوان المسلمون) عن بقية الأحزاب التي اكتفت بعقد ندوات داخل مقار أحزابها، يحضرها في كل مرة عدد محدود من الناس.. يتحدثون فيها، من دون فعل، عن القوانين المقيدة للحريات. ـ فؤاد بدراوي: جماعة (الإخوان) صمدت في رأيي لكل الأسباب التي أعاقت حركة الأحزاب الشرعية، فلأنها (جماعة سرية) محظورة ومضطهدة ومحاصرة، استطاعت الاحتفاظ بالقدرة على الصمود امام كافة القيود المفروضة على ممارسة العمل السياسي. إضافة إلى أنها حركة قائمة على فكرة عقائدية، تختلف عن الأفكار الأخرى التي تعتنقها بقية الأحزاب، سواء كانت ليبرالية أو يسارية ودائما نجد أن القوى السياسية غير العلنية او الشرعية، تتميز بالتنظيم الجيد.. والالتزام المنضبط، ولذلك تكون أكثر تأثيرا. رفعت السعيد: هذا (الوله) والولع بالاخوان، وقدرتهم.. وتأثيرهم، أنا معترض عليه.. ولي أسبابي: فهم مثلا كان عندهم (37) مقعدا في البرلمان بعد انتخابات (1987).. الآن أصبحوا بعد الانتخابات الأخيرة (17) فقط، لماذا لا يقول أحد أنهم ضعفوا؟! مقاطعة من وحيد عبدالمجيد: كان يمكن أن يحصلوا على ضعف هذا العدد، لولا التزوير! ـ د.رفعت: هذا غير صحيح.. وحصول (الإخوان) على مقاعد أكثر من أحزاب (التجمع) و(الوفد) و(الناصري)، كان لعدة أسباب، أذكرها بصراحة.. أولا: شعار (الإسلام هو الحل) شعار جذاب جدا للناس. ـ د.وحيد (مقاطعة): هذا الشعار لم يكن مرفوعا في الانتخابات الماضية! ـ د.رفعت: لا.. كان مطروحا. ثانيا: الأموال التي تدفقت من (الإخوان)، أنا أعرف انهم صرفوا عدة مئات من الملايين على مرشحيهم في انتخابات العام الماضي. ـ د.وحيد: هذا رقم غير صحيح، ومبالغ فيه جدا.. د.رفعت: هذه وجهة نظرك، لكن أنا أعرف أن هذه الأرقام صحيحة! ـ وحيد عبدالحميد: لكن هناك وقائع تؤكد عكس ذلك! ـ رفعت السعيد: ماذا تعرف أنت عن الوقائع، أنت لم تدخل الانتخابات.. ولم تشارك فيها! ـ وحيد: كنت متابعا لكل وقائعها وتفاصيلها! ـ رفعت: النقطة الثالثة أن (الإخوان المسلمين) اقتبسوا من الحزب الوطني تصرفا خطيرا جدا، حيث يقومون بتسجيل أقاربهم و جيرانهم وأصدقائهم في أكثر من لجنة انتخابية داخل الدائرة الواحدة، وبالتالي يصوتون أكثر من مرة لصالح مرشحيهم (أي يمتلك كل واحد أكثر من بطاقة).. وهذا تزوير فاضح. ـ د.وحيد: هذا كلام يقال لأول مرة، ولا يوجد سند أو دليل عليه.. ولو كان صحيحا لإدانتهم به الحكومة، التي تحاكم الآن عددا كبيرا منهم بتهم مختلفة.. ليس من بينها هذه التهمة. ـ د.رفعت السعيد: أنا أؤكد أنه صحيح.. وهم، بهذا التصرف غير المشروع، يضاعفون قوتهم التصويتية عدة مرات.. وهذه نفس اللعبة التي يقوم بها (الحزب الوطني) أيضا، لكن بكفاءة أقل. وأنا لا أعني بذلك أن (الإخوان المسلمين) غير موجودين على الساحة، لا.. بل هم قوة سياسية موجودة في المجتمع، لكن هل هذه القوة هي المستقبل لمصر.. إن حدث هذا فهي (كارثة) على الديمقراطية، لأنهم ينفون الآخر ويرفضونه.. والمرشد العام للإخوان (مصطفى مشهور) له تصريح منشور، قال فيه: (نحن نقبل التعددية الآن!).. وأنا سألت الأخ (مأمون الهضيبي) نائب المرشد العام قلت له: ماذا ستفعلون بنا إذا وصلتم الى الحكم؟! فأجابني: سنعرض أمرك على أهل الشرع!). وعلى أية حال، فالديمقراطية الاخوانية موجودة في أفغانستان.. وفي طهران التي بكى فيها (خاتمي) بالدموع، عندما توجه لترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة، من قهر المحافظين، فالاخوان المسلمون لم يدينوا الإرهاب حتى اليوم. ـ محمد سيد أحمد: لكن هل أنت من أنصار عدم إعطاء حرية تأسيس حزب سياسي ديني؟! ـ رفعت: وهل أنت من أنصار إعطاء حزب فاشي، أو نازي الترخيص؟!.. الديمقراطية الغربية تمنع قيام الأحزاب النازية، لماذا.. حتى لا يتمكن أحد من استخدام آليات الديمقراطية لبناء حزب ينقلب على هذه الديمقراطية. مستقبل مضطرب! ـ جلال عارف: إذن.. إذا كان هذا هو واقع التجربة الحزبية، فماذا عن مستقبلها.. هل هناك أمل في أن تصبح أكثر فاعلية في المجتمع، وتأثيرا بين الناس؟ ـ محمد سيد أحمد: نحن في مأزق حقيقي.. أنا أفترض أن المستقبل سيتوقف أكثر، ليس على الجهود الذاتية.. أو تطوير الحزب، إنما الجوهر هو اننا بصدد (أمر واقع جديد) في المواجهة مع إسرائيل.. فبعد (10) سنوات على انطلاق عملية السلام، هناك تسليم مع كل الأطراف المعنية إن هذه العملية فشلت.. وانتهت دون رجعة إليها على نفس الأسس التي قامت عليها، صحيح ان المساعي سوف تستمر.. لكن التجربة السابقة انتهت بالفشل، وهذا أمر بالغ الأهمية.. لأنه سيؤثر بالتأكيد على الأوضاع الداخلية، فالمستقبل لن يكون مطلقا امتدادا لما نحن عليه.. وأتوقع أن يكون (انقلابيا) وبصورة يصعب على أي منا التنبؤ بها، الشيء الوحيد المؤكد أننا أمام مستقبل (مضطرب).. حتى إذا كانت الأحزاب تتفكك أو تتراخى حاليا، فإن المستقبل سيفرض آليات نوعية جديدة من المقاومة. بالنسبة لمصر، فإن الصراع الذي يدور الآن بينها وبين إسرائيل، هو: من يكون (رقم واحد) في المنطقة.. وهذه قضية حياة أو موت بالنسبة لكليهما، وهذه نوعية جديدة من المواجهات وهذا النوع من التحدي يفرض أسلوبا مختلفا لإدارة الصراع، وسيكون مفروضا على الحياة الحزبية في المرحلة المقبلة أن تبحث في كيفية الانتقال من الوضع الراهن.. الذي هو ـ في جوهره ـ نظام شمولي يدعي التعددية، إلى نظام آخر يتجاوز هذه الحالة.. إذا أراد أن يصمد أمام خطر يتجدد، أو ستفرز الساحة من يستطيع أن يصمد. ـ عبدالعظيم المغربي: مانريده، ونحن نتحدث عن التعددية ومستقبلها، هو إدارة الحوار داخل المجتمع.. بهدف الوصول سلميا إلى حال أفضل ممانحن عليه، وهذا هو الدور المفروض أن تلعبه الأحزاب والصراعات الحزبية.. لكن للأسف هذا غير مسموح به، واذا كان هناك قصور في اداء الأحزاب وأنا اعترف بهذا لكن المؤكد ان هذا انعكاس للظروف المحيطة بها. نحن في مشكل يتفاقم، لذلك فإن المستقبل مليء بالاضطرابات والاحتمالات.. ولا يستبعد الانقلابات. واذا كان النظام يتصور أنه قادر على حماية نفسه بإضعاف أحزاب المعارضة الموجودة حاليا، فإنه في حقيقة الأمر يضعف النظام بأكمله. صحيح أن هناك محاولات حالية لتحسين الممارسة الديمقراطية والحزبية في مصر، بدأت بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، لكنها مازالت محاولات (عرجاء).. كما انها تأتي للأسف الشديد ربما بحكم تأثير الرأى العام العالمي، وقوة منظمات المجتمع المدني الدولية، وكذلك تأثير الصحافة ووسائل الاتصال العالمية الحديثة.. هذا من ناحية كذلك فإن هذه المحاولات ربما تأتي لاحساس الحاكم الذكي بحاجته إلى مسايرة مقتضيات العصر والا ستكون الأمور ليست في صالحه، وايضا بحكم اعتبارات اقليمية أخرى.. تتعلق ـ كما قال محمد ـ بدور مصر المحوري والقيادي في المنطقة. وأظن أن مصر أحوج ماتكون الآن إلى (حركة وطنية جديدة)، فالاحزاب القائمة الآن عاجزة سواء بحكم نشأتها في حضن السلطة.. أو بسبب ظروفها الداخلية عن تلبية احتياجات المواطن، وحل مشاكله، والاجابة عن اسئلته» نحن بالفعل امام (مجهول) نخشى من مخاطره، وليس أمامنا سوى مخرج واحد.. وهو كيف نكون نواة لهذه الحركة الوطنية المصرية الجديدة. ـ د. رفعت السعيد: أنا متفائل بمستقبل الحياة الحزبية في مصر، وأقول أن مايتحقق تاريخيا لا يتغير الا تاريخيا.. من هنا فلا يجب أن نتصور أن التغيير سيحدث بين عشية وضحاها، هذه مسألة مجتمعية.. بمعنى أنه إذا كانت هناك حياة حزبية غير سوية استمرت سنوات طويلة، منذ أن عرفت مصر الأحزاب عام (1907) وحتى قيام ثورة (يوليو 1952) التي ألغت الأحزاب.. ثم عودتها عام (1976)، فلا أعتقد أن فترة الـ (25) عاما الماضية كافية لاصلاح مافسد.. ويجب أن نعطى التجربة فرصتها التاريخية والزمنية الكافية. وأتصور أن مهمتنا كسياسيين أن (نطعم) الحاكم والمحكوم بقيمة التعددية والرأي الآخر، وتدريجيا تتغير الأمور إلى الأفضل. يجب أن نطور الفعل الديمقراطي (خطوة.. خطوة) بأمل أن يتحسن، ليس لدينا طريق آخر.. فأما أن نحمل السلاح لنغير هذا المجتمع، وإما أن نلتزم بالحياة التعددية الحزبية.. لكي نطمح إلى تغيير بطئ، قد يراه ابناؤنا. أما فيما يخص الصراع مع إسرائيل، فأنا مع الرأى القائل بأن فشل عملية التسوية، أو تغير منهجها وآلياتها، سيؤثر بالقطع على الوضع السياسي الداخلي.. حتى لو من قبيل اعادة ترتيب البيت. اصلاح.. أو قطيعة! ـ وحيد عبدالمجيد: الصراع مع إسرائيل مؤثر.. وسيؤثر بالتأكيد، فهو صراع ممتد.. ويأخذ أشكالا عدة، لكن لا أعتقد انه سيصبح (المؤثر الوحيد) في مستقبل الحياة السياسية الداخلية في مصر.. رغم انه من الضرورة اشراك الناس، واطلاق مبادراتهم، لتصبح أكثر قوة في مواجهة العدو الخارجي. لكن احتمالات المستقبل تنحصر في سيناريوهين: أما يحدث تطور للوضع الحالي، واما تحدث قطيعة معه.. ويأتي وضع آخر مختلف تماما. ورأيي أن الاحتمالين مطروحين، ومن الصعب ترجيح أي منهما.. هذا سيتوقف على ماسيفعله النظام القائم في مواجهة الأزمات المختلفة، وفي مقدمتها الأزمة المتفاقمة في المجتمع.. وكل من السيناريوهين له انعكاساته على الوضع الحزبي، وعلى التطور الديمقراطي بشكل عام. والتطور انطلاقا من الوضع الراهن يتوقف على قدرة النظام خلال مدى زمني قصير على اجراء اصلاحات، جزء منها سياسي.. يؤدي إلى توسيع نطاق المشاركة، لكن هذا لا يضمن أن يكون لدينا وضع حزبي أفضل مماهو عليه الآن.. إذا حدث تعديل لقانون الأحزاب السياسية، بمايسمح بمشاركة كل القوى السياسية الموجودة في المجتمع.. بما فيها التيار الديني. واذا حصل هذا التطور، فانه سيجعل مصر أكثر قدرة على مواجهة إسرائيل.. لانه ببساطة يزيد من نطاق المشاركة في هذا الصراع، خاصة وأن احتمال الحرب غير وارد.. وبالتالي فإننا سنخوض صراعا حضاريا، أي على كل المستويات: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وهذا النوع من الصراع يحتاج أوسع مشاركة ممكنة. اما إذا لم يستطع النظام ان يحدث هذا الاصلاح في الخريطة السياسية، اظن انه يصبح غير قادر ايضا على الاصلاحات الأخرى اللازمة لمنع تفاقم أزمة المجتمع.. التي ينبئ عنها هذا التوتر والعنف الكامن في المجتمع، والذي تفصح عنه صور كثيرة من الخطأ تجاهلها. ومع الوقت، واذا لم يحدث الاصلاحات فإن هذا (الغليان) سيصعد على سطح المجتمع، وسيفرض (قطيعة) مع الوضع الحالي.. من الصعب تحديد ماذا سيكون شكلها، واحتمالاتها قد تكون شديدة الخطورة.. وهنا أيضا، فإن موضوع الصراع مع إسرائيل سوف يكون مؤثرا.. لان استمرار الأوضاع المتردية حاليا دون اصلاح، سيجعل الشعوب - في مصر وعدة دول عربية تدرك أن الأنظمة عاجزة عن مواجهة (إسرائيل).. وهنا قد يكون واردا، أن يحدث (تغيير) على النمط الذي حدث بعد (حرب 1948) في المنطقة. ـ محمد سيد أحمد: أنا لا أريد أن أقيد الاحتمالات في سيناريو أو اثنين، فأنا أرى أن الوضع احتمالاته مفتوحة. لكن أعود فأؤكد أن (المرجعية) تغيرت، فكل ماكان يتعلق بالتعامل مع إسرائيل كان تحت عنوان (التسوية).. اليوم نحن بصدد مرجع آخر، بعد فشل هذه التسوية، وهذا يطبع كل الأمور بطابع آخر.. مختلف بالتأكيد عن ذي قبل. ـ فؤاد بدراوي: قناعتي الشخصية أن النظام السي