غاصت الكويت، في الاسبوع الماضي، في احزان خيمت على حياتها السياسية والاعلامية بوفاة المغفور له فيصل الحسيني، عضو اللجنة التنفيذية، لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمسئول عن ملف القدس وابن القائد الفلسطيني الشهيد عبدالقادر، وابرز الوجوه السياسية الفلسطينية،وانقاها واعقلها، وقد جاء الى الكويت من اجل المشاركة في المهرجان ضد التطبيع مع اسرائيل الذي نظمته اللجنة الدائمة الخليجية، ودعت اليه، المغفور له فيصل الحسيني، وخالد مشعل عن حماس، وآخرين من ضمنهم الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الاسبق. جاء الحسيني بنواياه الصادقة، حاملاً معه الوقار المتوارث، والعقلانية التي ارتبطت باسمه، والذهنية الايجابية في التعاطي مع القضايا السياسية، ولأنه اول فلسطيني مسئول يزور الكويت، بعد القطيعة والتأزم الذي عاشته العلاقات الكويتية ـ الفلسطينية، فمن غير المستغرب ان يستغل الاعلام الكويتي، المعروف بغرامه للإثارة، هذه الزيارة ليحاصر المرحوم فيصل الحسيني بأسئلة لا علاقة لها بالمؤتمر، وانما تدور حول العلاقات الكويتية ـ الفلسطينية، وحول مواقف منظمة التحرير من الغزو، وحول عرفات نفسه، واسئلة غير مهمة وغير لائقة، ولا يستفيد منها احد. كما اثارت زيارته الى الكويت اعضاء مجلس الامة، بعضهم استقبله ممثلاً للشعب الفلسطيني الذي يكافح في هذه الظروف، من اجل حقوقه، في بيئة عدوانية شارونية قاسية، معتبراً ان الزيارة لا علاقة لها بمواقف فلسطينية مسجلة، وبعضهم زايد في انتقاداته، واعتبر فيصل الحسيني جزءاً من رحم المنظمة، وهاجم الزيارة التي لا يهضمها الشعب الكويتي، واخرون عارفون بتاريخ فيصل الحسيني وكياسته وبعده عن الغوغائية. توفي فيصل الحسيني في اليوم الثاني من زيارته دون ان يشارك في المهرجان، وقد اختاره الخالق سبحانه وتعالى الى جواره في مدينة الكويت، وهو نائم على فراشه، بعد ان التقى مع اهل الاسرى، وتأثر بمحنتهم، وبعد ان جلس في الخارجية الكويتية، واستمع الى الموقف الرسمي، وبعد ان تحاور مع لجنة شئون الخارجية فاستمع ايضاً الى الموقف الشعبي. نحن نؤمن بقضاء الله ومشيئته، ولا راد لقضائه وكلمته، ونودع شخصية بارزة وعاقلة، اثرت الفكر الفلسطيني السياسي وزينته بالعقل والحكمة، وصار الحسيني الرمز للالتزام بالقدس، كمدينة فلسطينية، عربية اسلامية، فتحت له ممرات السياسة العالمية، ورحبت به عواصم الكون، لأنه رجل جدي وعملي، مهتم بالانجازات اكثر من التصريحات. وقد حزنت الكويت، وخسرت فلسطين، وفجعت الامة الاسلامية، ومع ذلك فلم يتوقف المهرجان، واستمر بأجواء حزينة، استمراره تكريم للمرحوم، بدلاً من الغائه. وبمعزل من وفاة الدكتور الحسيني، اثار تنظيم المهرجان في الكويت، تساؤلات وانتقادات من مجموعة سياسية ترى بأن الدعوة الى تنظيم المهرجان هي ممارسات سياسية داخلية بحثاً عن مكاسب ، لكن موضوع الكويت شيء اخر. فلا مصلحة للكويت في التفرد بمبادرات لا تلتقي مع اهدافها الاستراتيجية، خاصة وان الظرف السياسي الكويتي دقيق ومحرج. يقول الدكتور احمد بشارة الامين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، (ان الكويت ليست معنية بموضوع التطبيع مع اسرائيل، وليس هناك اي مؤشر على ذلك، فبالتالي يعتبر عقد مؤتمر مقاومة التطبيع في الكويت امراً لا مسوغ له، وهو حالة افتراضية فالكويت ليست معنية بالتطبيع والدول التي تمارس التطبيع هي المكان الطبيعي والمنطقي لمثل هذا المؤتمر). وترد الجهات المنظمة للمؤتمر رداً عنيفاً على هذا الموقف، خاصة الجهات الاسلامية السياسية، «الحركة الدستورية» و«المجموعة السلفية»، قائلة بأن القدس شأن اسلامي عربي، لا يمكن التفريط فيه، وانها مسرى الرسول واول القبلتين وثالث الحرمين، وترى في المهرجان تأكيد موقف شعبي كويتي. ويبدو لي ان هناك خلطاً بين فكرة مقاومة التطبيع وبين فكرة دعم الانتفاضة، وهو خلط مقصود من قبل مجموعات لها مرئياتها السياسية والاعلامية، واود، ان احدد في نقاط الحالة الكويتية كما اراها، وهي حالة تختلف عن مثيلاتها في الخليج. اولاً: جرت اتصالات المشرفين على المهرجان مع السلطات الكويتية من اجل تنظيم مهرجان لمقاومة التطبيع وليس من اجل دعم الانتفاضة، وقد سمحت السلطات الكويتية للمنظمين بالاعداد للمؤتمر ضد التطبيع، وعلى هذا الاساس وجهت الدعوات الى مجموعة معينة من المشاركين تربطهم بالقوى المنظمة علاقات استراتيجية واهداف مشتركة. ثانياً: تسيدت الحركة الدستورية الاسلامية، الاشراف على المؤتمر، وهي حركة سياسية لها حضور واسع في الكويت وممثلة في البرلمان، واختارت الحركة ممثلاً لحماس هو خالد المشعل، القريب من الحركة ورفيقها في المسيرة، ليشارك في المهرجان. وقام الناشطون في الحركة بترتيبات استقبال ممثل حماس في المطار، وتنظيم زياراته الميدانية في الكويت من اجل تحقيق انتشار واسع له في الساحة الكويتية، وذلك بتنظيم مهرجانات جماهيرية، في مقر جمعية الاصلاح الاجتماعي، وفي جمعية المعلمين، فضلاً عن لقاءات اعلامية واسعة. ثالثاً: من الواضح ان خطة حماس هي الوصول الى الساحة الكويتية بأية طريقة، بعد الزيارة التي تمت منذ سنوات التي قام بها احمد ياسين، زعيم حماس، وخالد مشعل، وانقطعت الصلة منذ ذلك الوقت رسمياً، مع محاولات كثيرة قام بها خالد مشعل لزيارة الكويت، لم تكتمل بالنجاح. وتعرف حماس اهمية الساحة الكويتية سياسياً واعلامية، وهي المعبر الى منطقة الخليج، وفيها جمعيات اهلية بحريات واسعة، وحركة اعلامية تمارس الاستصراح، بشكل يومي، وتوفر مساحات اخبارية لوجهات النظر والبيانات التي تريدها حماس. رابعاً: ليس خافياً بأن الساحة الكويتية غير متحمسة للمهرجانات على غرار ما تفعله حماس في الاردن، وفي عدد من العواصم، بسبب اختلاف الاولويات وتباين الهموم، هناك اجندة كويتية صارمة تفرم الاعصاب الكويتية يومياً وتسحب من جهودها وذكائها، ولا يوجد في الفكر الكوسي فائض يمكن استثماره لقضايا خارج دوائر الهموم الكويتية مهما كانت خطورتها وحجمها. خامساً: ليس للكويت مصلحة في فرش الارض الكويتية لخطابات نارية ملتهبة من جماعة حماس او غيرها، وليس الفضاء الكويتي المقر المناسب لهذه الاناشيد الوطنية، ومن مصلحة الكويت الملحة استباب الامن وسيطرة الهدوء والدفع نحو التوصل الى آليات لمعاودة المفاوضات. سادساً: قبلت الكويت، مثل غيرها من دول الاعتدال، ومثل السلطة الفلسطينية تقرير لجنة ميتشل وتدعم المبادرة الاردنية ـ المصرية، دون انتقائية، وهو موقف يتقاطع مع نهج حماس والحركة الدستورية وجماعات التطرف التي لا مكان لها في الاردن او في مصر. سابعاً: تعاونت مجموعات الحركة الدستورية لأهداف استراتيجية، ومجموعة المنبر الديمقراطي لأهداف محلية كويتية، مستفيدين من سماحة السلطة التي تتحاشى الاصطدام وتسعى لتجاوز المأزق باللين واللطافة. ثامناً: لا تلتقي مخططات المهرجانات والتنديد مع الخصوصيات الكويتية التي يلتزم الجميع بمراعاتها والمحافظة عليها، وهناك الكثير من الدول التي توفر مساحات كبيرة لموائد الكلام والبلاغة اكثر مما تقدر عليه الكويت، ولا ينبغي مزاحمة الكويت في خصوصياتها ولا زجها في عواصف وادبيات التنديدات العربية. تاسعاً: لا يوجد في الكويت تطبيع ولا اتصال ولا سلام ولا كلام مع اسرائيل، والزفة المهرجانية لا تساير منطق المواقف الكويتية، ولن تقضي على فكرة التطبيع ـ ان وجدت ـ في مهدها، ولا على مرسوم حول التطبيع في طور التحضير. وهي زفة لم تأت في وقتها، وانتصر لها اصحاب الحسابات المحلية الكويتية لقضايا لا علاقة لها بالتطبيع ولا بالانتفاضة. قرأت الكثير في وداع المرحوم فيصل الحسيني، لكن صحيفة «معاريف» الاسرائيلية استوقفتني في ثرائها. تقول «فيصل الحسيني كان اميراً فلسطينياً، ابن عائلة عريقة بالمفاهيم المحلية، كونه ابن الشهيد عبدالقادر الحسيني وحفيد شقيق المفتي حاج امين الحسيني، منحه احتراماً خاصاً لدى الجمهور الفلسطيني وبالمقدار نفسه اثار ذكريات لدى الكثير من الاسرائيليين، لكن قدراته الكبرى تمثلت في انه رغم كونه ابرز قادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني في القدس، تمكن من بناء الجسور والوصول الى الكثير من الاسرائيليين، ومحاورتهم واقناع قسم منهم بمواقفها دون ان يتخلى قيد انملة عن اصراره على اقامة دولة فلسطينية. مات فيصل الحسيني شامخاً، مجللاً بالاحترام مكللاً بغار القدس كما يقول الكاتب سمير عطاالله، ومن الرثاء الرزين الذي جاء من العالم، تتضح عظمة الاحترام الذي فرضه المرحوم على خصومه واعدائه واهله معاً، وهذا النوع الفائق من احترام الذات والشفافية والاعتزاز القومي، هو بالتحديد الذي يفقده افتقاداً كلياً صغار السياسيين وكبار المزعقين، ادعياء الشأن العام وعراة الادبيات الرفيعة. رحم الله الشامخ فيصل الحسيني. بقلم: عبدالله بشارة