دعت دراسة عسكرية الى تشكيل رابطة لدول الجزيرة العربية والخليج كبديل للتحالفات الامنية الحالية. واشارت الدراسة التي قدمها العميد الركن في القوات المسلحة القطرية مبارك بن سعيد عوجان الخيارين في ندوة عقدت اخيراً بجامعة الكويت لبحث سبل دعم الامن والسلام والاستقرار في منطقة الخليج، الى ان قيام كيان جامعي تنتمي اليه دول المنطقة سيبعد تهديد بعضها البعض ويوفر النفقات التي تهدر من اجل تأمين نفسها ضد الاعمال العدائية، الامر الذي سيمكن معه توجيه الثروات والامكانات المتاحة الى التنمية والانجازات التي تدعم استقرار الاوطان ورفاهية المواطنين. واكدت الدراسة في هذا الصدد انه ورغم ما قد يتبادر الى الذهن من صعوبة تحقيق هذه الفكرة، وما يحيط بها من قيود الا ان تذليلها لا يرقى الى درجة الاستحالة، فاختلاف الانظمة والعقائد المذهبية، واختلاف العادات والتقاليد وتراكمات الماضي وغيرها، يمكن تجاوزها اذا خلصت النوايا وسادت روح التفاؤل والاصرار، وتمت الاستفادة من تجارب الدول الاخرى واشارت الدراسة الى ان الحرب ظاهرة تاريخية معقدة تنشأ بين دولتين او اكثر ذات مصالح واهداف متضادة لغرض تحقيق مصالح حيوية، ومن الناحية التاريخية فإن هذه الظاهرة ذات جذور قديمة جداً بدأت مع بدء الحياة البشرية وذلك لارتباطها بالحاجات الاساسية للانسان (المادية منها والمعنوية) والتي يؤدي سعي الانسان لتأمينها الى الاصطدام مع الاخرين الذين يسعون لتحقيق نفس الغاية ومن الملاحظ ان هذه الظاهرة تطورت مع تطور الحياة البشرية، فقد بدأت بشكل نزاعات فردية يستخدم فيها الانسان امكاناته الفردية (والتي لا تتجاوز قوته الجسدية احياناً) الى نزاعات اوسع بين اسرتين ثم قبيلتين واخيراً بين دولتين او اكثر مما يجعلها اكثر تكلفة واوسع تدميراً لاسيما وان دخول الاسلحة ذات القدرة التدميرية الكبيرة قد جعل ضررها يمتد الى السكان المدنيين الموجودين بعيداً عن ساحات القتال، وهذه حقائق مؤكدة تجعلنا نفكر جيداً قبل اللجوء الى العمل العسكري لحل مشاكلنا. وبالرغم من ان دخول السلاح النووي الى ميدان الصراع المسلح قد قلل الى حد كبير من احتمال نشوب حروب واسعة النطاق على غرار الحرب العالمية السابقة (لأنها ستكون انتحاراً كلياً)، الا ان هذا لم يمنع من نشوب عدد كبير من النزاعات المحلية والاقليمية بلغت اكثر من ثلاثين صراعاً بعد الحرب العالمية الثانية، ومن الجدير بالذكر ان قيام ما يسمى بسياسة الوفاق الدولي بين الدولتين العظميين وتحكم ميزان الرعب النووي في علاقات المعسكرين قد سبب شيوع ظاهرة الحرب بالوكالة ومن ثم تحولت اراضي دول العالم الثالث الى ساحات للصراعات الدموية المسلحة. الشيء المؤكد هو ان الحرب كظاهرة ستبقى ملازمة للمجتمعات الانسانية باعتبارها احدى الوسائل التي تضطر الامم الى اللجوء اليها دفاعاً عن كياناتها السياسية وقيم مجتمعاتها ونيل حقوقها وتحقيق اطماعها. واشارت الدراسة الى ان منطقة الخليج ظلت تعاني لأكثر من عقدين من عدم الاستقرار والتهديد المتواصل لامنها بل واحياناً وجودها، مما دفع القائمين على الامر الى اتخاذ اجراءات وقائية عاجلة ذات طبيعة محدودة تهدف الى النظرة الاستراتيجية الشاملة التي تركز دائماً على تحديد اصل المعضلة وتسعى الى مقابلتها بوسائل وآليات فعالة تضمن استمرارية الاجراء وتنسجم مع متطلبات المراحل اللاحقة دون الاستغناء عن العمل العسكري الذي يعتبر الوسيلة الوحيدة للاجراءات العملية للدفاع عن الاوطان، وعليه فسيكون لزاماً علينا ان نسعى دائماً الى اعداد ما نستطيع من قوة ومن رباط الخيل نرهب به اعداءنا ونردهم حتى لا يستهينوا بأمرنا ويطمعوا في مكتسباتنا ـ وعلينا ايضاً ان نتخذ مساراً متوازناً للإعداد والتسليح ونحذر من الانزلاق في سباق تسلح محموم مع الاخرين للوصول الى تعادل مع قواهم التقليدية لأن قوانا البشرية محدودة ومكونات النسبة المئوية التي نستطيع ان ندفع بها باتجاه المجهود الحربي تقل كثيراً عن مكونات ذات النسبة التي يمكن ان يخصصها الاخرون للمجهود الحربي، والدول التي تعدادها بالآلاف تختلف عن الدول التي تعدادها بالملايين ـ وبما انه من المستحيل ان نحتفظ بتوازن قوى تقليدي، وبما ان التوازن مطلوب وحتمي وحيوي علينا ان نبحث عن وسيلة اخرى لتحقيقه تفادياً للهلع والاحساس الدائم بالخطر والتهديد المتواصل الذي يستهدف وجودنا. واوضحت الدراسة الى ان القصد من ذلك هو ايجاد آليات مناسبة لتعزيز الثقة على المستوى العسكري والأمني بين دول الخليج والجزيرة العربية. القدرات الخليجية والتهديد المحتمل واكدت الدراسة انه من الامور المسلم بها ان اغلب دول الخليج محدودة في كثافتها السكانية مما يحد من امكانية اعداد جيوش كبيرة على حساب المتطلبات الوطنية الاخرى، وهي ايضاً (في بعض دولها) محدودة في مساحتها وعمقها مما يعرضها للاجتياح السريع من قبل اي قوى اقليمية معادية، الامر الذي دفع ببعضنا الى تبني نظرية صد الاختراق وكسب الوقت لحين وصول قوى التحالف، وهذا الاجراء يتطلب عمليات حسابية معقدة وتنظمه مخاطر غير محدودة ولا نضمن فعالية آليات تنفيذه بالدقة المطلوبة. واكد على: (احتمال تضارب المصالح القومية لدول التحالف في حرب الخليج الثانية فضلاً عن احتمال تغيير نظرتها للمسائل والقضايا الاقليمية والمصالح الحيوية وسبل حمايتها)، اذن علينا ان نبحث عن وسائل اخرى، لأن وصول الاخرين ـ الذين نعتمد عليهم ـ الى المنطقة قد لا يكون بالسرعة والكيفية والتناغم الذي تم في حرب الخليج الثانية فقد تضاربت المصالح بالفعل وتبدل الرأي العام العربي كثيراً بسبب الاحداث الاخيرة في فلسطين المحتلة واصبحت نظرته سلبية للغاية تجاه كل القوى التي تؤيد اسرائيل (وهي بالطبع نفس القوى المكونة للتحالف). وذكرت الدراسة ان الاستعداد الدائم للقتال والتحفز والاستنفار المتواصل لصد التهديدات المتوقعة يعتبر (بالتجربة) عملية مرهقة مادياًونفسياً مما يستوجب نظرة اكثر موضوعية لأصل التهديد ومعالجته بايجاد حلول سياسية واقتصادية واجتماعية قد تكون اقل تكلفة من رد الفعل العسكري الذي يمكن تفعيله خلال فترة قصيرة تكون فرص النجاح والفشل خلالها متباينة (حسب درجة الاستعداد القتالي والقدرات والتحالفات المتاحة). ولكن الحقيقة الثابتة هي ان الفترات التي تعقب الحروب عادة ما تكون كابوساً يثقل كاهل الامم ويحد من نموها واستقرارها بسبب ما انفقت من اموال باهظة كان من الممكن ادخارها للتنمية لو انتهجنا اساليب اخرى لمواجهة التهديد المحتمل او على الاقل تحييده، وعلينا ان نتذكر دائماً ان الدول المعنية بهذه الدراسة تعتمد في قدرتهاعلى الانفاق العسكري وادامته على برميل النفط الذي يتعرض سعره دوماً للتقلبات صعوداً وهبوطاً، وعليه فسيكون من الترف وفقدان البصيرة ان نخطط لبناء قوة عسكرية معتبرة خلال السنوات المقبلة اعتماداً على ارتفاع وثبات اسعار النفط ـ هذا اذا كنا على استعداد اصلاً للتضحية برفاهية شعوبنا في سبيل الانفاق العسكري. واسباب الامن والاستقرار والتعايش السلمي بين دول المنطقة هي السائدة نظراً لطبيعة الروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة فضلاً عن رابطة العقيدة الاسلامية التي تعتبر الاهم والاقوى بحكم مبادئها الداعية الى السلام والاخاء والمساواة، الا ان الاخرين نجحوا مراراً في اختراق هذه الروابط وابقاء المنطقة بؤرة للصراعات المصطنعة تمهيداً لايجاد منفذ لتسويق منتجات مصانعهم من الآلة العسكرية، فالوعي بمثل هذه السياسات يجنبنا اللجوء الى الخيار العسكري الذي ندفع اليه دفعاً لتحقيق المصالح الاستراتيجية، السياسية والاقتصادية للآخرين. الاحساس بالخطر ولأن الجزيرة العربية والخليج كتلة جغرافية واحدة ذات انتماء ديني واحد، فهي بالتالي اجدر من غيرها بالتقارب والتآلف والبعد عن العداوة والاحتراب، وعلينا ان ننظر بوعي وادراك لوجود العراق كدولة عربية كبرى شمال دول مجلس التعاون الخليجي، واليمن في الحاضرة الجنوبية للجزيرة العربية وايران في شرق الخليج وعلى امتداد ومواجهة جميع دول المجلس، وننتبه لسلوك هذه الدول الذي ينتهج منحى سلبياً يتسم بالتباعد واحياناً بالعداوة لاسباب متعددة من اهمها عدم الاحساس بالانتماء للآخرين وغياب الدافع لمراعاة امن واستقرار جيران لا تربطها بهم اي اتفاقيات او احلاف. ان العامل النفسي والاحساس بالخطر دفع بقوميات لا يوجد بينها اي انتماء او تقارب ديني او سياسي الى الدخول في تحالفات قوية اثناء الحرب العالمية الثانية وانسجمت تماماً مع الحالة التي تطلبتها ظروف الحرب ثم عادت وتقوقعت في تحالفات جديدة (وارسو وناتو) فرضتها عليهم ظروف مرحلة ما بعد الحرب، ثم تلى ذلك حل حلف وارسو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانضمام بعض دوله الى حلف الناتو في دلالة واضحة على انه لا توجد صداقات دائمة او عداوات دائمة ولكن توجد مصالح مشتركة ـ وعلينا نحن ان نبحث عن مصلحتنا ونعمل على تحقيقها ـ من كان يصدق ان تلجأ الطائرات العراقية الى ايران ابان الحرب الاخيرة بعد كل الدماء التي سالت بين الطرفين في حرب الخليج الأولى؟ وهل كان متوقعاً من بعض الدول التي فرضت الحصار الجوي على العراق ـ او ايدته كأضعف الايمان ـ مثل فرنسا وروسيا وتركيا ان تكون اول من قام باختراق هذا الحظر، وبالطبع ليس ذلك من اجل سواد عيون العراق، لكنه تسابق محموم للفوز بأكبر قطعة من (الكيكة) العراقية لدى رفع الحظر الذي بات وشيكاً حسب قرائن الاحوال. ولا يستبعد ـ كما ذكر احد كتاب الاعمدة في الصحافة العربية ـ ان نسمع فجأة عن وصول السفير الامريكي الى بغداد بحجة مراقبة الوضع عن كثب. وأكدت الدراسة ان مفهوم الامن ليس من المفاهيم سهلة التعريف وليس من المفاهيم المتفق عليها بصورة عامة وان كانت المعاجم اللغوية تشير الى ان تعريف الامن يقصد به «التحرر من الخوف والقلق»، كما تعرفه دائرة معارف العلوم الاجتماعية بقدرة الدولة على حماية قيمها من التهديدات الخارجية، ومن منظورنا فإن مفهوم الامن يمتد ليشمل بالضرورة حماية القيم السياسية والاجتماعية للأنظمة وتأمين الوصول الى المواد الخام والاسواق الاستراتيجية، ولا يقتصر على حماية الدولة من التهديدات الخارجية فقط بل يمتد ايضاً الى حمايتها من التهديدات الداخلية التي تحول دون تحقيق الاستقرار الداخلي اللازم كشرط اساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية للدولة، وفيما يلي المصطلحات التي اتفق عليها لتعريف الامن: ـ الأمن الوطني: هو قدرة الوطن على حماية قيمه الداخلية من التهديدات الخارجية. ـ الامن القومي: هو قدرة المجتمع ليس فقط على جميع مواجهة الاحداث او الوقائع الفردية للعنف بل جيمع المظاهر المتعلقة بالطبيعة المركبة والحادة للعنف. الامن الجماعي: هو الضمان الذي تكفل به مجموعة من الدول امن كل دولة منها وسلامة اراضيها وتلجأ في سبيل ذلك الى تنسيق جهودها المشتركة ومنع اي اعتداء على السلام الدولي والاقليمي وتهتم هذه الدراسة بالتركيز على الامن الجماعي والآليات المناسبة لتحقيقه في اطار تقارب محتمل بين دول الخليج والجزيرة العربية. ان أمن الخليج بضفتيه الشرقية والغربية وشماله وجميع الدول الموجودة بالجزيرة العربية يعتبر مفهوماً شاملاً ومنظومة واحدة لا تتجزأ، وتتأثر دائماً يحدث في جميع اتجاهات الاستراتيجية، والمنطقة عموماً تستقطب الاهتمام والتكالب والمطامع الدولية الامرالذي يحوجها لتقارب بصيغة خاصة وآليات مميزة لحل مشاكلها بعيداً عن التدخل الخارجي الذي يتطلب نفقات طائلة ويولد احساساً دائماً بالخطر الى ما لا نهاية. وقد شهدت منطقة الخليج نزاعاً مسلحاً غير مسبوق في حدته خلال حقبتين من الزمان، وانتهت حرب الخليج الاولى بعد ثماني سنوات من القتال الطاحن بدون نتيجة ايجابية للطرفين، وخلفت وراءها اعباء مادية باهظة وتراكمات وترسبات يمكن اعتبارها الى حد كبير من مسببات حرب الخليج الثانية التي مازلنا نعاني من آثارها حتى الان ولم نتمكن من ازالة مسبباتها او نحد من الاحساس بمخاطر تجدد مظاهرها، مما يدل على ان الصراع المسلح لا يحسم قضية وان الحكمة تقتضي البحث عن آليات اخرى ـ باعتبار ان الحرب قد سبق ان جربت عملياً ولم تحقق نتائج ايجابية للجميع. اذا اعتبرنا العمل العسكري وسيلة لا غنى عنها للردع والدفاع فلابد لنا ان نتذكر ان العمل العسكري في حد ذاته احدى وسائل العمل السياسي، وقد اسلفنا في بداية الحديث عن طريق الحل انه بالامكان الاكتفاء بالتلويح باستخدام القوة لردع الخصم ـ اذن فليستمر اعدادنا للقوة في عالم اليوم الذي لا يعترف الا بمنطق القوة ولنستمر ايضاً في البحث عن وسائل اخرى سليمة يتكامل معها هذا العمل العسكري وصولاً لآليات ابقى واقل تكلفة. حتمية التقارب الاقليمي لقد جربت الشعوب التي سبقتنا ـ وبالتحديد الدول الاوروبية ـ الحروب والاقتتال لحل مشاكلها وتحقيق مطامحها، وكانت النتيجة الدمار الشامل وهلاك ملايين البشر والمرارة والبغض ومظاهر الحرب الباردة التي سادت القارة لما يقارب نصف القرن ـ ثم ساد العقل والمنطق والمفاهيم الحضارية وتوصلت الى حلول ناجحة لمشاكلها وبرز الاتحاد الاوروبي الى حيز الوجود كقوة اقتصادية وسياسية واجتماعية راسخة تنعم بالهدوء والاستقرار ولا يدخل مصطلح الحرب في ادبياتها ولا يعتمد كآلية لحل النزاع (ان وجد)ـ وعلينا نحن ان نتعلم من تجارب الاخرين (قال القائد والمفكر العسكري الالماني بسمارك: ان البلهاء يتعلمون من تجاربهم وانا اتعلم من تجارب الاخرين). ان التداخل الجغرافي والديني والعرقي والتواصل الحضاري بين شعوب وامم الخليج والجزيرة العربية يجعل حتمية التقارب والتآلف بين دول المنطقة من المسائل الحيوية التي ينبغي انجازها باسرع ما يمكن حتى نتمكن من تحقيق رابطة اقليمية قوية بآليات فعالة تسهم في تعزيز الثقة وتوفر مناخاً صحياً يساعد على تحقيق الامن والاستقرار ـ وليحمل هذا التقارب اي مسمى وليكن (كمقترح) رابطة الجزيرة العربية والخليج للأمن والتعاون، ولتشمل عضويته دول مجلس التعاون الخليجي الست بالاضافة الى العراق واليمن وايران، وبالتالي سيتولد لدى الدول الثلاث الاخيرة شعور بالانتماء واحساس اكثر بالذات وتقدير متناهي لاعتراف الاخرين بحجمها ودورها في المنطقة مما يدفعها الى التصرف بوعي وحكمة وتقديم تنازلات واسهامات من جانبها لانجاح هذا الانجاز الاقليمي. ومن الامور المسلم بها ان قيام هذه الرابطة لن يكون سهلاً وسيستوجب جهداً جهيداً للتمهيد له بازالة تراكمات الماضي وعقد اتفاقيات اقليمية بعدم الاعتداء واعادة الحقوق التي سبق انتزاعها وتطييب الخواطر وتهدئة النفوس قبل الانطلاق نحو تكوين وحدة اقتصادية وثقافية واجتماعية واعلامية وتأسيس آليات حديثة للمراقبة والانذار وفض النزاعات وادارة الازمات والتحكيم، ولتكن اجتماعات هذه الرابطة سنوياً بالتناوب في كل دولة وبرئاستها لضمان تفعيلها واستمرارية نشاطاتها. هل تكون بديلاً للمجلس؟ ان فكرة رابطة الجزيرة العربية والخليج للأمن والتعاون لا يمكن ان تكون بديلاً لمجلس التعاون الخليجي باعتباره منظمة ناجحة ظلت تعمل منذ فترة طويلة من اجل امن وسلامة واستقرار دول المجلس وتوفر لها مظلة وخصوصية يصعب تجسيدها في اطار اي تجمع اخر، ولذلك لابد ان يستمر المجلس كما هو وان تطرح افكار وتوجهات ورؤى وتطلعات لتحقيق تقارب اخر بين دول الجزيرة والخليج ثم ننظر في تطوير حجم هذا التقارب على ضوء المساعي الأولية، وبالاستعانة بتجارب مجلس التعاون الايجابية خلال مسيرته الطويلة على مدى عقدين من الزمان. هناك عدة عوامل تساعد في تكوين رابطة دول الجزيرة العربية والخليج وهي: دول الخليج والجزيرة العربية تصنف بشكل عام في اطار الدول الغنية مما يجعل العامل الاقتصادي (كأحد اسباب الصراع المسلح) ينتفي تلقائياً اذا التزمنا جانب العقل وابتعدنا عن الطمع والتطلع الى اقتناص مكتسبات جيراننا ـ وفي الواقع ان الثروة بمصادرها المختلفة يمكن ان توظف ايجابياً وبشكل رائع في تكامل اقتصادي غير مسبوق تتطور من خلالها الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والتعليم في المنطقة. المعاناة التي تعرضت لها المنطقة بسبب حرب الخليج الاولى والثانية وما تبعها من تراكمات اثقلت كاهل الجميع ستدفع دول المنطقة الى توخي الحكمة والعقلانية والبحث عن اي حلول بديلة للصراع المسلح توفر عليها الاجراءات الاحترازية المعقدة وما ينتظمها من تحالفات وسباق تسلح يهدر الطاقات والموارد ويعطل التنمية ويجرد الشعوب من الرفاهية والامن والاستقرار. غياب مبررات التهديد بظواهرها المختلفة بين دول المنطقة سيفتح المجال لمستقبل مشرق للأجيال المقبلة ويمهد لها السبيل نحو التنمية والتطور والارتقاء الى مصاف الدول المتقدمة ـ قد تبدو الفرصة لتحقيق هذه الغاية بعيدة ولكني اراها قريبة وموجودة وواردة الى حد كبير اذا نظرنا الى ابعد قليلاً من تحت اقدامنا وتفهمنا مكامن مصلحتنا واقبلنا نحوها ـ فكلما يدبر التهديد تقبل التنمية ـ لأن المسألة في مجملها حسابية في المقام الاول (بوجود التهديد يكون الانفاق من اجل التسلح والخطط الدفاعية وبعدمه يكون الانفاق من اجل التنمية. المنطقة بوضعها الجديد ـ بعد قيام الرابطة المقترحة ـ ستحكم السيطرة التامة على الممرات المائية المحيطة بها (مثل مضيق هرمز وباب المندب) ويعتبر ذلك اضافة معتبرة للأهمية الاستراتيجية للمنطقة ودعماً لاقتصادياتها وتأميناً لخطوط صادرات النفط في جميع الاحوال. امكانية التعاون المتبادل بين دول المنطقة في مجال المياه وما سيوفره على المنطقة من معاناة في الحقب القادمة اذا صدقت الدراسات التي تؤكد ان اغلب دول العالم مقبلة على شح في المياه قد يؤدي بالضرورة الى ما اصطلح على تسميته بحرب المياه ـ وامكانية التعاون في مجال مصادر المياه بالاستفادة من مياه نهري دجلة والفرات بعد ملتقى شط العرب بشق روافد وقنوات لامداد الكويت وشمال السعودية بالمياه العذبة، وكذلك تطوير الدراسات الخاصة بتمديد انابيب المياه تحت الخليج بين ايران وقطر لتشمل الامارات والبحرين وشرق السعودية وسلطنة عمان. صرف النظر عن التحالفات التي تهدف الى حماية دول المنطقة من جيرانها (بعد انتهاء مبررات التهديد) سيبعد المنطقة عن الاستقطاب وحرب الانابة والانفاق المتواصل لتسديد فواتير الاخرين مقابل حمايتنا والدفاع عن اراضينا. احتمال تضارب المصالح القومية لدول التحالف الذي تكون خلال حرب الخليج يدفعنا الى الاعتماد على انفسنا وحل مشاكلنا وبناء آليات لتعزيز الثقة على جميع المستويات حتى لا نكون فريسة لرياح السياسة المتغيرة التي تهب في اتجاه المصالح فقط ودون ادنى اعتبار للمبادئ والقيم والمعاهدات. بما ان القدرات العسكرية لدول الخليج الصغيرة لا تكفي لمواجهة تهديددول المجاورة الكبيرة، وبما ان هذا التهديد يدفع بالدول الصغيرة للبحث عن تحالفات خارجية وبما ان هذه التحالفات ليست في صالح دول المنطقة الكبيرة، فسيكون من مصلحة الجميع ان تكف هذه الدول عن تهديد جيرانها لتبقى منطقة الخليج والجزيرة العربية هادئة وبعيدة عن التحالفات وتوابعها. لدول الثلاث المقترح انضمامها للرابطة اعلى بكثيرـ مما هي عليه وبدول مجلس التعاون،لتدفق العمالة تلقائياً بين دعوة الدول التسع واعتبرت هذه الدول اولى بالرعاية في اسبقية الاستخدام والتوظيف (مقارنة مع الدول الاخرى) لتمكنّا من تجسيدها ترابط وتمازج يزيد من فرص التقارب بالمنطقة ـ بالرغم من محاذير هذه الاجراءات التي تتطلب بدورها اجراءات اخرى للحد من سلبياتها. دعوة الدول الثلاث للانضمام الى صفوف دول المجلس في اطار كيان جامع يضفي على هذه الدول احساساً اكثر بالذات والانتماء وشعوراً بالامتنان والتقدير لجيرانها ـ كما اسلفنا ـ وسيدفعها (اذا خلصت النوايا) نحو ترجمة هذه المشاعر بمبادرات طيبة تزيد من فرص التقارب والتآلف والمحبة بين دول المنطقة، المهم في الموضوع ان يكون هنالك تقدير كاف للمسئوليات والمتطلبات الشاملة. حقيقة ان المنطقة تدين بدين واحد يزيد من فرص التقارب والعدل والمساواة (بالرغم من وجود قيود في هذا الخصوص، المهم ان يبذل اقصى جهد ممكن لتطوير حرية ممارسة العبادات بمختلف المذاهب والمعتقدات وباجراءات متعددة منها حرية التنقل والزيارات لجميع دول المنطقة، (كما هو الحال بالنسبة لدول مجلس التعاون الست)، وذلك بأدنى حد ممكن من الاجراءات وبدون الاخلال بالنواحي الامنية. الكويت ـ زكريا عبدالجواد: