يبقى د. حسن عبدالله الترابي زعيم حزب المؤتمر الوطني الشعبي المنشق على الحكومة اكثر الشخصيات السودانية اثارة للعواصف والزوابع داخل ملاعب السياسة بالبلاد، وتظل شخصيته المحورية تسبب قلقاً لاتباعه بذات القدر الذي تسببه لخصومه. خطى الرجل على السطح السياسي منذ زمن ليس بالبعيد ولكنه مليء بالاثارة والعنف، القانوني منه وغير القانوني. حامت حوله الكثير من الاشاعات وتداولت المنتديات السياسية والناس العاديون العديد من الاقوال والقصص عنه، بعضها له من الاساس والاخر من نسج خيال الخصوم والاتباع في آن. دفع بنا كل ذلك في «البيان» الى الجلوس لشخصيات عاصرته وعملت معه بعضها لايزال يرافقه واخرون شقوا عصا الطاعة عليه. منافسه على زعامة الجماعة في مؤتمر 1969م الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد زعيم جماعة الاخوان المسلمين قال عنه انه «طموح برجماتي يفعل كل شيء ليصل الى هدفه، لا يتوانى عن دهس من يخالفه الرأي وهو يبتسم. علي عبدالله يعقوب، وهو من قدمه ليتزعم الجماعة، متنازع بين حب قديم يكنه «لشيخه» السابق وموقف جديد حتمته لعبة السياسة والمصالح فتجده تارة مادحاً واخرى قادحاً. كشف يعقوب فصولاً مثيرة في صراع البشير الترابي وكيف كان الاخير يخطط ليكون رئيساً للجمهورية. محمد الحسن الامين تحدث فقط عن الايام الاخيرة التي امضاها مع الترابي في المعتقل وقال انها تكفي لنرى عظمة الرجل. وصال المهدي زوجته كانت احدى المحطات وكشفت الجوانب الخاصة في حياة اكثر الرجال، اثارة للجدل في السودان. وبغض النظر عن الشهادات التي نعرضها في هذه السطور فلابد من الاقرار بأن هذه الشخصية مثيرة للجدل بكل ما تحمل الكلمة من معنى وتحتمل من تأويلات. وانه ظل رقماً لا يستهان به في السودان منذ ان ظهر فجأة في العام 1964م على المسرح السياسي وبدأ جولته التي هي اقرب ما تكون الى «رقصة الانفعال» التي انتهت به في الرابع من رمضان قبل الماضي. الى ان ينقلب عليه تلامذته ويطردونه من الحكم الذي ظل متنفذاً فيه قرابة الاحد عشر عاماً. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل زج به في السجن في الثاني والعشرين من فبراير الماضي، وبقي د. حسن عبدالله الترابي هناك حتى يومنا هذا في ثاني اطول مدة اعتقال يمضيها الرجل حيث كان الاعتقال الاول ابان حكم المشير جعفر النميري. ورغم انه لم يكن يستبعد ان يعود اليه الا انه بالتأكيد لم يكن يخطر بباله ان يكون سجنه الثاني على ايدي تلاميذه الذين «نسق» لهم الصفوف وابعد الكبار عن طريقهم. عنده اسئلة حائرة يبحث فيها عن اجابة تدور في اذهان الكثيرين لماذا؟ كيف؟ وغيرها من الاسئلة التي تدور حول الرجل وما آل اليه حاله. «البيان» طافت على عدد من زملائه وتلاميذه وزوجته لنعرف المزيد عن شخصيته وهل له دور في الذي حدث؟ ـ علي عبدالله يعقوب الرجل الذي قدم الترابي (عندما كان حينها استاذاً بجامعة الخرطوم كلية القانون) ليعتلي عرش حركة الاخوان المسلمين مقدماً اياه على العديد ممن سبقوه، بدأ حديثه مع «بيان الاربعاء» بعد ان اخذ نفساً عميقاً، ليقول: اولاً يجب ان نقر بأن اسم الحركة الاسلامية جديد ومستمر لأن الاسم في الاساس كان هو «الاخوان المسلمين» وهذه الحركة وفدت من مصر، حيث انشأها كما هو معروف الامام حسن البنا، والسودان بما انه مجاور لمصر يتأثر بما يدور فيها. ومعروف دائماً ان القوي يؤثر في الضعيف مثلما يؤثر الاب في ابنه. وكان طبيعياً ان تنتقل حركة الاخوان المسلمين الى السودان. وكما حدث في مصر نشأة الحركة في الجامعات، ولكن لماذا سميت بالحركة الاسلامية هذا ما سيرد لاحقاً، وبما ان الحديث هنا محصور عن د. الترابي وعني اقول في عام 1964 م عندما قامت ثورة اكتوبر كان الترابي وقتها قدم من فرنسا يحمل الدكتوراة في القانون من جامعة (السربون) وتبوأ مقعد استاذ القانون في جامعة الخرطوم. وكان هذا منصباً اكاديمياً رفيعاً اهله له ما يحمله من شهادات. حتى ذلك الوقت لم يكن الترابي ظاهراً على سطح الحركة. وكان هناك من سبقوه امثال صادق عبدالله عبدالماجد وعلي طالب الله وعمر الامام والرشيد الطاهر بكر، واستمر الترابي في الحركة كعضو واستاذ في جامعة الخرطوم. ـ كيف ظهر؟ ـ انا لا اقول اني عاصرت الترابي فقط بل انا من تولى ترئيسه لقيادة الحركة. فعندما قامت ثورة اكتوبر ضد نظام عبود في اعقاب سقوط الشهيد القرشي، كان الترابي استاذاً في جامعة الخرطوم وخاطب ندوة الاربعاء الشهيرة التي اقتحم البوليس فيها الحرم الجامعي وداخليات الطلاب وضرب القرشي. وبعد ان توفي القرشي، ونقل الى مشرحة الخرطوم حدث توتر كبير في الساحة السياسية السودانية. تصاعد ضد التوتر عندما تجمهر الطلاب وبشكل كبير جداً امام المستشفى. وكان من قادة هؤلاء الطلاب رئيس القضاء الحالي حافظ الشيخ. وطلبت الحكومة ان يشغل ينقل جثمان القرشي الى قريته «القراصة» مباشرة لكن الطلاب كانوا يصرون على اداء الصلاة عليه داخل جامعة الخطوم. وعندما منعت السلطات ذلك دخل زعماء الاحزاب مثل السيد الصديق المهدي الى المستشفى وزاروا الجماعة ثم خرجوا. ولما كانت الشرطة تحكم حصارها على المستشفى بشكل كامل فقد دخل الاساتذة وبعض الوطنيين في حيرة بين اصرار الطلاب واصرار الحكومة على موقفين متناقضين. وهنا دخل الشيخ حسن الترابي واقدم على النعش وامر بحمله لتقوم مظاهرة حتى ميدان المولد وتمت الصلاة في الميدان ومن هناك انتقلت المظاهرة الى القصر الجمهوري وانتهى الامر الى تفاوض الرئيس عبود مع الاحزاب والهيئات وتنازله المعروف عن السلطة. حتى تلك اللحظة كان الترابي لم يزل عميداً لكلية الحقوق عندما عادت الحريات وسمح للاحزاب ان تزاول نشاطها اجتمعنا. نحن في حركة الاخوان المسلمين لكي نختار رئيساً للحركة. وكان هناك ثلاثة مرشحين هم الرشيد الطاهر بكر وصادق عبدالله عبدالماجد ود. حسن الترابي. وانا الذي رشحت حسن الترابي. وكانت مسبباتي تركز على انه كان معروفاً ان ثورة اكتوبر زعيمها حسن الترابي وينبغي ان يكون زعيماً للحركة الاسلامية. وفعلاً تم انتخاب الترابي زعيماً للاخوان المسلمين وكانت هذه هي البداية والتففنا حوله ودعمناه. ساعد الترابي في اعتلائه هذا المركز ثقافته القانونية والاسلامية اذ كان يتمتع بثروة ضخمة من الثقافة الاسلامية ويحفظ كتاب الله فضلاً عن ذكائه وثقافته القانونية. وبزعامته للاخوان المسلمين بدأ يخاطب الجماهير واكسبته هذه الخطابة مقدرة على اللمعان وظللنا ندعمه لمدة 37 عاما. كان الاخوان المسلمين حركة صغيرة وضعيفة فكتب لها الانتشار وسط المتعلمين والمثقفين وكانت صغيرة الى ان ظهر بنك فيصل الذي قمت بانشائه وساعد الاسلاميين في المجال الاقتصادي بالاستثمارات فامتلك افراد الحركة قدراً من المال ومكانة اجتماعية. لم نجلس ونفكر ونحلل شخصية الترابي قبل الثورة. وقبل الثورة الحاكمة الان حقق الترابي نجاحات ساعدناه فيها واهمها حل الحزب الشيوعي الذي مكن للحركة ان تسمو على حساب الاحزاب التقليدية. ووصل النواب في الديمقراطية الثالثة الى الستين نائباً، فكان واضحاً ان المستقبل السياسي بيد الحركة. لاسباب موضوعية ومنطقية فكرنا في انقلاب الانقاذ. وتمت لقاءات مع الاخوة في الجيش في اماكن عديدة والانقلاب لم يدبره الترابي وانما هو اتفاق جماعي للاخوان عسكريين ومدنيين. وتم الاتفاق على الا يظهر اسم الترابي خوفاً من اجهاض التجربة بواسطة مصر والتي لها عداء مع الاخوان. فظهر البشير فيما ذهب الترابي الى السجن في حركة تكتيكية مضللة، حتى تمكنت الثورة وظهرت الحقيقة بعد عام تقريباً وهي ان الترابي هو مفكر الانقلاب. كل ذلك تم ونحن نحلل شخصية الترابي. واتضح فيما بعد ان ذكاء الترابي ومقدراته واحساسه بأن دوره الذي قام به في هذ الانقلاب كان كبيراً جداً جعله وبعض الاخوان يفكرون في ان يكون هو رئيس الجمهورية خاصة بعد ان اكمل البشير عشرة اعوام. واصبح هاجس السلطة مستحوذاً على فكر بعض الاخوان الملتفين حول الشيخ الترابي ويريدونه رئيساً للجمهورية. هنا ساد الخلاف.. بعض الاخوان طلبوا صراحة ان يترشح الترابي لرئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة واعترضت انا واخرين على هذا الاتجاه ولاسباب موضوعية في مقدمتها ان الترابي اذا جاء رئيساً للجمهورية في ذلك الوقت لن يرضى الجيش به وكذلك ماذا سيكون موقف الحكومات التي لها عداء اصلاً مع الجبهة الاسلامية القومية مثل الامريكان، فقلت لهم يا اخوة الترابي لا يصلح لأن يكون رئيساً للجمهورية لانه غير مقبول. ـ عفواً هل طرح هذا المقترح في اجتماع رسمي؟ ـ نعم طرح وجاءني خمسة من الاخوان لا اريد ذكر اسمائهم وطلبوا مني ان ارشح الترابي، خلال المؤتمرالعام للمؤتمر الوطني قبل الانشقاق، رئيساً للجمهورية وقلت لهم اني ارفض هذا الاتجاه. وذكرت لهم ان الترابي هو اكثر علماً بين ابناء الحركة الاسلامية لكنه لا يصلح لأن يكون رئيساً للجمهورية لأنه «مكروه» من ثلاثة معسكرات الاول هو المعسكر الغربي وتقوده امريكا ثم المعسكر الشرقي (ان صح التصنيف) ويضم مصر ومعسكر دول الخليج ولا يمكن ان نقود دولة برئيس مكروه. هذا الترشيح لرئاسة الجمهورية لم يتم عشوائياً ولكنه خطط له ورتب له بشكل جيد خاصة بعد ان اكمل البشير عشرة اعوام. هناك منطق للترشيح منشأه ان الترابي هو الزعيم الفكري للانقلاب وهو زعيم الاخوان المسلمين الذين حملوا الانقلاب ودعموه وكذلك الترابي هو الامين العام للمؤتمر الوطني ومعروف بالطبع ماذا تعني كلمة الامين العام لدى الاحزاب العقائدية. عندما جاء مؤتمرالعشرة آلاف عضو حدث ما حدث فيه من تجاذب واحتكاك وارتضى الترابي ظاهراً ترشيح البشير لرئاسة الجمهورية فرشح البشير وفاز. وازداد التوتر، كل هذا سبقه توتر كبير بين البشير والترابي والنائب الاول الحالي علي عثمان محمد طه وذلك عندما سقطت طائرة المشير الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية. ونحن في المقابر دعيت كبار الاخوان لاجتماع عاجل في ذات المساء. ورشحت الترابي نائباً اول لرئيس الجمهورية وقلنا ان الزبير وعمر كانا عسكريين وحتى يكون هناك تكامل بين العسكريين والمدنيين فليصبح الترابي نائباً اول لرئيس الجمهورية. ولم يرد اي اسم غيره اطلاقاً لهذا المنصب. وذهبنا الى الترابي في منزله واخبرناه بذلك ووافق فوراً. وكان حينها رئيساً للمجلس الوطني وذهب هو للبشير ليحدثه عن رغبتنا في ان يكون نائباً اول له فرد عليه البشير بقوله بعد ان وافق على مبدأ ان يكون نائبه مدنياً: «انت يا حسن اكبر مني في التنظيم واكبر مني سناً لهذا لا يمكن ان تكون نائباً لي انت تكون الرئيس وانا نائبك»، رفض الاخ حسن ذلك فطلب منه البشير ان يرشح له نائباً. وقام الشيخ حسن بترشيح علي الحاج (نائباً حالياً) ولم يرشح علي عثمان (نائب البشير حالياً) رغم أن الاخير كان نائبه في التنظيم. هذه العملية خلقت توتراً نفسياً بين علي عثمان والبشير والترابي او قل انها خلقت عدم ارتياح (ان كانت كلمة توتر هذه كبيرة شوية)، وعندما تم حل المجلس الوطني (البرلمان) وجهرت الامانة العامة التي يرأسها الترابي شعر الترابي انه مقصود بالابعاد فابعد من ترشيح رئاسة الجمهورية ومن ثم البرلمان وبعدها الحزب الحاكم، فهذا خلق موقفاً نفسياً وعدائياً بين البشير وحسن الترابي وعلي عثمان، فسارع الاخ حسن الى انشاء حزب جديد اسماه المؤتمر الشعبي لكي يتعامل الحزب الجديد بأفكاره بعد ان فقد المؤتمر الوطني والحكومي. وازدادت المرارات والتوترات فعمر البشير هو الرئيس المنتخب والترابي هو الرئيس الذي كان يجب ان ينتخب ولك من كل ذلك ان تصل الى تقييم شخصية الترابي. الى جانب ذلك فهو عنيد وحاد الذكاء ولا يعرف الاستسلام ولا يقبل الذل والمهانة.. وهذا كان واضحاً في المساعي الاخيرة التي بذلها الاسلاميون العرب. فإن كان الترابي خارج السجن لوقع ما طلبه منه الزنداني ولكن بقاءه داخل السجن هو الذي جعله لا يوقع. نعم هو عنيد ـ وصال الصديق المهدي زوجة الترابي وشقيقة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي زعيم حزب الامة بدأت حديثها لـ «بيان الاربعاء» قائلة، د. حسن عبدالله الترابي منذ ان عرفته ظل همه واحداً وهو نشر وتطوير العمل الاسلامي. وبلا شك هو مجدد القرن الحالي، إذ جاء في الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله يبعث على رأس كل مئة عام للامة من يجدد لها دينها» واعتقد جازمة ان الترابي هو مجدد المئة هذه. وتستمر وصال متحدثة عن زوجها لتقول.. الترابي لم يخطئ ابداً عندما حاول ابعاد البشير ورفاقه عن السلطة لانهم بعدوا بها عن اهدافها الاساسية وحاولوا ان يجعلوها سلطة من اجل السلطة وهذا ما لا يمكن ان يسمح به الترابي. لهذا بدأت الصراعات والتململ والتذمر من بعض الاخوان والذي آل الى ما آل اليه من تداعيات يعلمها الجميع. وتستمر وصال قائلة: اما عن حياته الخاصة فصدقني ان قلت لك ان الرجل ليس له حياة خاصة بالمعنى الذي يفهمه الناس. فهو اما ان يكون في اجتماعات او داخل غرفته التي لا يحب ان يخرج منها كثيراً يطالع ويقرأ او في استقبال الضيوف. واردفت ضاحكة: او في المعتقل. لهذا لا يهتم او قل لا نشغله نحن كثيراً بالامور الاعتيادية واقوم بها انا في معظمها. شيخ حسن الان له بعض احفاده متعلقون به لدرجة كبيرة فهو يداعبهم ويضاحكهم متى ما وجد لذلك سبيلاً خاصة في الايام الاخيرة عقب الانشقاق وبعد ان تحول مكتبه الى منزله، ولا اتوقع ان يكون السجن قد اثر عليه من حيث هو سجن ولكن قد يكون من باب «ظلم ذي القربى اقوى واشد». والحكومة اخطأت تماماً في تقديرها عندما ظنت ان السجن يمكن ان يثني الدكتور عما اراده لأنه عنيد جداً. نعم الترابي عنيد حتى مع نفسه ولا يحتمل في العمل على الاضرار بالحركة الاسلامية أبداً، فيمكن ان يسامحك إن اخطأت في حقه ولكنه لن يسامحك اذا اخطأت في حق الحركة. وهؤلاء اخطأوا في حق الحركة. وتواصل الحديث لتقول: ان الترابي عندما سطع نجمه في العالم كله لم يسطع الا لأنه كان مؤهلاً ويحمل افكاراً جديدة كل الذين «يتبجحون» الان ويصفونه ببعض الصفات هم من صنع يديه، اوجدهم واوجد لهم قيمة في المجتمع. ـ سألناها ان كان الترابي راغباً في رئاسة الجمهورية فردت: ـ الترابي هو احق الناس بها واكثرهم تأهيلاً لاعتلاء مناصبها ولكن اقول لك ان الترابي هو ازهد الناس فيها ولا يريدها ولا يسعى من اجلها ولو ارادها لفعل ذلك منذ زمن بعيد ولا احد يستطيع ان يمنعه او يقف في طريقه. ولكن الترابي لا يريدها وقال ذلك مراراً وتكراراً واكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة. داخل السجن ـ اما تلميذه المخلص المحامي محمد الحسن الامين الذي لايزال في صفه مدافعاً عنه ويواجه في ذلك الكثير من المضايقات فقال: عندما دخل الدكتور حسن الترابي سجن كوبر للمرة الثانية في مساء الثاني والعشرين من فبراير الماضي تلفت يمنة ويسرة ولم يتفوه بكلمة واحدة وفتح له السجان زنزانته ودخل الترابي ليجد بداخلها بطانيتين واحدة ليستخدمها كغطاء والاخرى كفراش. واغلقت الزنزانة عليه ليبقى على ذلك الحال عشرين يوماً لا تفتح له الزنزانة الا لقضاء حاجياته الضرورية. واطلق الترابي في اول زيارة لاسرته عبارته «السجن لم يتغير كثيراً». بعد ذلك يسمح له ان يصلي الفجر في جماعة، مساعديه الذين اعتقلوا معه وهم محمد الحسن الامين امين دائرة الدستورية والقانونية ومحمد الامين خليفة امين قطاع الاعلام وخليفة الشيخ مكاوي امين القطاع الاقتصادي اضافة لعمر عبدالمعروف وزير الدولة للدفاع السابق على الا يتبادلوا اي حديث ويتفرق جمعهم بمجرد الانتهاء من الصلاة. واستمر الحال لفترة، الى ان سمح لنا بأداء الصلوات الخمس جماعة وبعد ذلك تركت الزنازين الخمس مفتوحة دون اغلاق واصبحنا نتبادل الحديث ونمضي معظم الوقت في مراجعة بعض الدروس في الفقه والسيرة ونتناول الطعام معاً خاصة عندما يكون الطعام قد جاء من خارج السجن. وبعد ان سمح بدخول الورق والقلم بدأ الترابي في الكتابة. واعتقد انه يعكف على التأليف ولكني لم اطلع على ما يكتب وهذه المرة الاولى التي امكث انا والشيخ الترابي في المعتقل معاً. ووجدته في السجن يختلف تماماً عن الخارج فهذا الرجل «صبور بشكل غير طبيعي» ويتجلى وتظهر كل مواهبه، ولا يمكن ان احدد بشكل قاطع ما اذا كان تأثر صحياً ام لا ولكن الامر الظاهر لي انه في صحة جيدة ولم اره ابداً طيلة مدة الاعتقال عابساً او ضجراً الى ان خرجت بل كان كثيراً ما يخفف عنا نحن. وحول المعاملة داخل السجن قال الامين في الايام الاولى كان السجن انفرادياً والزنازين مغلقة علينا بالاقفال ولكن بعد فترة تم فتح الزنازين ومنحنا اسرّة بعد ان كنا ننام على الارض. انفعالي ومتسلط ـ الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد زعيم جماعة الاخوان المسلمين التي انشقت قبل الترابي في تاريخ مبكر من قيادته للحركة الاسلامية بدأ حديثه لـ«البيان» بقوله: لا اذكر بالضبط متى وكيف التقينا ولكن ارجح ان ذلك تم بواسطة الاخ المرحوم الرشيد الطاهر بكر وكان ذلك ما بعد العام 1954م. ولا تتضح في ذاكرتي تفاصيل تلك الفترة بشكل كامل ولكن استطيع ان اقول انها كانت فترة عادية لم يكن له فيها من النشاط الظاهر. ولكن عقب تولي الترابي قيادة الحركة والشكل الذي تم به انتخابه للقيادة كانت كافية جداً ان تعطي الشخص انطباعاً اولياً عن شخصيته التي تتسم بسرعة الغضب والانفعالية وحب التسلط اذ لا يقبل أي رأي معارض، وكنت المح من خلال مداومتي على كل اجتماعات الاخوان المسلمين مدى الجهد الذي يبذله الترابي لكيما يحفظ نفسه من الانفجار لان موقعه كان يتطلب ان يظهر بذلك المظهر. المهم اني خرجت بأن هذا الرجل يصطنع كل شيء حتى خفة الروح والدعابة واصراره على الابتسام لأن الاصل في شخصيته هو الجفاف والعناد. ـ تحدثت بشكل عام عن اختيار الترابي زعيماً للحركة الاسلامية وكأن هناك مؤامرة او ما يشابه ذلك وضعته في هذا المنصب؟ ـ هي ليست كذلك ولكن تم بشكل منظم اطلاق اشاعة قوية تقول ان مجموعة كبيرة من الاخوان ستخرج من الجماعة في حال عدم اختيار الترابي زعيماً لها. وكان ذلك خلال المؤتمر العام الذي عقد في العام 1964م وتشكل «لوبي» مجموعة من الاخوان يروجون لهذا الحديث، اذكر تماماً ان من بينهم كان الاخ عبدالرحيم حمدي وزير المالية الحالي. ازاء تلك الاشاعة انسحبت من الترشيح لقيادة الجماعة. وكنت اعلم تماماً اني لو تقدمت لنلت ثقة الاخوة ولكنني كنت متيقناً ان الترابي لن يقبل ان يكون رقم اثنين ابداً. ولي شاهد اخر في هذه الناحية: اذكر تماماً ونحن في جبهة الميثاق الاسلامي ان قمنا بزيارة لورش السكة الحديد بمدينة عطبرة. واثناء التفقد وبالصدفة سبقته في التوجه الى احدى الماكينات فإذا به يغضب غضباً حتى ظهر على ملامحه وهذه رغم عدم اهميتها لكنها تكشف عن شخصية هذا الرجل وبوضوح. ـ اذن كيف تم ابعادكم من التنظيم؟؟ ـ كنت في تلك الفترة خارج السودان وفي دولة الكويت تحديداً وعندما عدت وجدت ان الترابي قد دخل في مصالحة مع نظام نميري بشكل غريب جداً حيث جمع مجموعة من الاخوان بأن بعث الى المناطق المختلفة في السودان بأن تأتي كل منطقة بممثل واحد لأن الظروف الامنية لا تسمح وعندما اجتمعوا قال لهم ان نميري طلب منا ان نشاركه الحكم نحن والحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة وهو ينتظر الرد منا، ودخلت الجماعة في شد وجذب ودخل الترابي الى المصالحة مع نميري بشكل ادهش الجميع. عندما وصلت وجدت الجماعة على تلك الحالة فطلب مني بعض الاخوان ان املأ مكاني الشاغر في مجلس الشورى والمكتب التنفيذي والجمعية العمومية للاخوان المسلمين فرفضت ذلك لأني كنت بعيداً. وقلت لهم لا استطيع المشاركة الا بعد ان اعرف كل الملابسات التي تمت في غيابي. واظن انه «الترابي» قد غضب اشد الغضب ومن هنا بدأت المضايقات حيث جاءني من يخطرني بأن الجماعة اتخذت قراراً بأن لا اتحدث في المنابر العامة فقلت لهم لا يستطيع احد ان يمنعني من ذلك. تزامن ذلك بصدور قرار بفصل سبعة من الاخوان المسلمين بينهم الأخوان د. الحبر يوسف نور الدائم ود. عصام احمد البشير وجاء مع قرار الفصل ان تتم مقاطعتهم بأن لا يبادئون بالسلام!!، بعد هذا القرار اقمنا انا والاخ عصام البشير ندوة فجاءني اثنان من الاخوان هما صديق عبد الكريم والاخ علي عبدالرحمن وكان ذلك في شهر سبتمبر 1979 يحملان قرار فصلى من الجماعة. وكان نصه «تلاحظ انك تعقد اجتماعات تنتقد فيها التنظيم وسياسته ولما كان التنظيم قد اتخذ قراراً بفصل بعض اعضائه وامر بمقاطعتهم فقد تلاحظ انك لم تمتثل وتعقد معهم الندوات فعليه فإن التنظيم يرى فصلك منه على ان يراعى العلاقة العامة ما راعيتها». ـ كيف تنظر لقيادة الترابي للحركة الاسلامية خلال كل تلك الفترة؟ ـ الترابي ادار الحركة وفقاً لمخططه هو لهذا تدرج بها وله مقولة احفظها «بعد ان استشهد الاخوان المسلمين قامت جبهة الميثاق الاسلامي وستشهد جبهة الميثاق الاسلامي اذا وجدنا وعاء اكبر» وفعلاً استشهدت جبهة الميثاق الاسلامي بقيام الجبهة الاسلامية وهذه الاخرى استشهدت بقيام المؤتمر الوطني وفي كل هذه كانت درجة الاصولية الاسلامية تقل وتتناقص وهذه كلها مراحل درسها الترابي بعناية ويهدف منها الوصول الى رئاسة الجمهورية واقول ذلك بكل ثقة واطمئنان ولك ان تذهب لآخرين يعلمون اسباب خلافه الاخير مع عمر البشير رئيس الجمهورية. اعداد: عثمان فضل الله