يتميز الاصلاح الاقتصادي الذي شرعت به الحكومة السورية منذ عام 1986 بأنه قد تم تحت وطأة الازمة الاقتصادية الخانقة في النصف الاول من الثمانينيات وليس تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين)، بحكم ان سوريا استطاعت على طريقتها الخاصة ان تحل مشكلة المديونية من دون ان ترضخ للبرنامج النمطي لتلك المؤسسات الذي يتكثف كما هو معروف ببرنامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي. الا ان جملة الخطوات الاصلاحية المتسارعة التي اخذتها الحكومة كانت تتسق اتساقاً ملحوظاً مع ذلك البرنامج. وقد اثارت هذه الخطوات الاصلاحية في سيرها الوئيد من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق اول استقطاب من نوعه في اوساط النخب البيروقراطية الحزبية والحكومية والنقابية العليا منذ عام 1970 على الاقل، ويمكننا وصف الاستقطاب ما بين هذين الطرفين في غياب مفهوم مكثف متفق عليه، بأنه كان استقطاباً بين من يمكن تسميتهم بـ «التحريريين» الذين يدعون الى مزيد من تحرير او «لبرلة» الاقتصاد وبين من يمكن تسميتهم بـ «التصحيحيين» الذين اعترفوا بأزمة الاقتصاد السوري الا انهم تمسكوا بالدور القيادي والرائد للقطاع العام. ورغم انخراط بعض الاطراف الحزبية الجبهوية، مثل الحزب الشيوعي السوري في هذا الاستقطاب، فانه كان مضبوطاً في النهاية بآليات مفهوم النقابية السياسية الذي يحول دون تحوله الى صراع يهدد استقرار النظام السياسي القائم. ومن هنا رميت سياسات الحكومة التحريرية من قبل المتأثرين بالليبرالية الجديدة بأنها نجحت في مجال التثبيت الاقتصادي على حساب الانفاق العام في حين فشلت في مجال اعادة الهيكلة او التكييف الهيكلي، في حين رميت من قبل التصحيحيين بأنها ليست الا سياسات تسترشد ضمناً بتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين، وانها تستهدف فتح الباب امام الاجهاز على القطاع العام وخصخصته. وادى هذا الاستقطاب الى تباطؤ الحكومة بخطواتها التحريرية في ظل استثمار عائدات النفط الجديدة في تشغيل القطاع العام، وعاد الركود الاقتصادي من جديد لتصل معدلات النمو في عام 2000 الى درجة الصفر او الى 1% في احسن التقديرات المتفائلة للتقرير الاقتصادي لعام 2000. فقد توقفت الاستثمارات الحكومية والخاصة والاجنبية، كما ان القطاع الخاص غدا اكثر ضعفاً واحجاماً عن الاستثمار بعد ان انتعش في ظل قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، وبرزت مشكلة البطالة التي يقول الرقم الرسمي انها حوالي 479 الف عاطل عن العمل (هي اكثر من ذلك بكثير)، فضلاً عن 250 ـ 300 الف طالب للعمل سنوياً، يهدد الركود الاقتصادي بضمهم الى طوابير العاطلين او الى ما يسمى بالقطاع غير المنظم، في الوقت الذي تمكنت فيه الحكومة السورية بحكم سياستها المالية الانكماشية، وتدني استثماراتها، وخفض الانفاق العام من «توفير» ما يقترب من 315 مليار ليرة سورية و 6 مليارات دولار امريكي. وبهدف تطويق البطالة والحد من نموها «الخطر» اتخذت القيادة السورية قراراً سياسياً بأن تتم عملية اعادة الهيكلة دون خصخصة، ودون تسريح اي عامل قائم على رأس عمله حتى ولو كان في عداد العمالة الفائضة. ويتسق هذا القرار اتساقاً كاملاً مع اطروحات التصحيحيين، في الوقت نفسه الذي صدرت فيه قوانين متتالية بتسريع عملية «اللبرلة الاقتصادية» او التحرير وهو ما يتسق اتساقاً كاملاً مع اطروحات التحريريين. وقد ترجمت استراتيجية الحكومة السورية في اعادة هيكلة القطاع العام تلك القوانين التي يستند قسم منها الى مبادئ اقتصاد التخطيط المركزي الشامل وقسم اخر الى مبادئ اقتصاد السوق، ما سماه احد الخبراء الاقتصاديين بـ «فكر حائر بين التخطيط ونظام السوق» في حين ان المواجهة ما بين الخطة والسوق، وربط قيام قطاع خاص ديناميكي بخصخصة القطاع العام هو ايضاً من «بنات افكار» الايديولوجيا الليبرالية الجديدة. واذا ما تفحصنا برنامج ما سمي بـ «لجنة الـ 35» (عملياً لجنة الـ 34 بسبب عدم مشاركة هيئة تخطيط الدولة فيها) في اعادة هيكلة القطاع الصناعي، وبرنامج «حول اصلاح القطاع العام الاقتصادي، الذي قامت به هيئة تخطيط الدولة مع كوادر تجربة «الادارة بالأهداف» السابقة، وبينهما «لجنة الـ 18» خبيراً التي قدمت مشروعها «حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، الى رئيس الجمهورية، فاننا نجد داخل الحكومة السورية تجدداً في الاستقطاب ما بين التحريريين والتصحيحيين، الذين يفضلون تعبير التصحيح الاقتصادي على الاصلاح الاقتصادي كي يبرزوا تميزهم واستقلالهم عن البرنامج الاصلاحي الدولي ويعني ذلك ان الانتقال من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق لايزال بطيئاً. الا ان استراتيجية «لجنة الـ 35» التي تعكس رأي الحكومة رفضت الخصخصة المباشرة اي الخصخصة بالبيع، غير انها فتحت باباً موارباً لها تحت اسم فصل الملكية عن الادارة لخصخصة الادارة والشروع بوضع بعض مؤسسات القطاع العام الصناعي في اطار قانون الاستثمار والتعاقد مع مستثمرين محليين او اجانب لاستثمارها، وهو ما تم فعلياً في منح استثمار معمل الورقة لشركة فيمبكس النمساوية التي ستتولى عملية اعادة هيكلته وتأهيله، الا انها ستتخلص من عمالة فائضة تقدر بـ 170 عاملاً، وهذا يعني ان الحكومة السورية قد اختارت هنا من اشكال فصل الملكية عن الادارة ما يتسق اكثر مع سياسات الخصخصة، وضمناً مع الايديولوجيا الليبرالية الجديدة التي يتذوق الناس ثمارها «المرة» في كل مكان. وقد تكون الحكومة ذاهبة الى هناك غير ان الكلفة الاجتماعية كما بينت تجارب امثالنا، ستكون باهظة وربما وخيمة النتائج. بقلم: محمد جمال باروت