لأول مرة منذ نحو ثلاثة عقود تتحدث سوريا عن امكانية ولادة مقاومة في هضبة الجولان، هذا اذا لم تكن ولدت بالفعل في شهر مايو المنصرم حين حصلت عملية تفجير عبوة في مقهى هناك يرتاده الجنود الاسرائيليون. لم تكن تلك العملية على ما يبدو ردا على الغارة الاسرائيلية التي استهدفت رادارا سوريا في لبنان بقدر ما كانت ايذانا ببدء نشاط مقاوم في هضبة الجولان، ومن الطبيعي ان تتأثر سوريا بالتجربة اللبنانية كما سبق وتأثر الفلسطينيون بها وانضجت انتفاضة مستمرة منذ ثمانية اشهر ونيف. ولا تخفي دمشق اعجابها بتجربة المقاومة اللبنانية ودعمها لها، كما لا يخفي الفلسطينيون تأثرهم بالتجربة نفسها، وان دل هذا الامر على شيء، فهو يدل على ان التسوية السلمية بلغت افقا مسدودا تراجع معه منطق المفاوضات وتقدم محله منطق المواجهات. في العشرين عاما الماضية وقع السوريون والفلسطينيون تحت تأثير التجربة المصرية التي قامت على امكانية استرداد الارض بالمفاوضات وتوقيع اتفاقات السلام برعاية امريكية، لكنهم اكتشفوا بعد انقضاء عقدين من الزمن ان ما صح على المسار المصري قد لا يصح على المسار السوري ولا على المسار الفلسطيني. وقد تابع السوريون والفلسطينيون عن كثب التجربة اللبنانية التي طرحت خيار المقاومة وسيلة من وسائل استرجاع الارض، والسوريون والفلسطينيون منجذبون بالسليقة إلى هذه التجربة الفريدة من نوعها، ولكن ما صح على المستوى اللبناني قد لا يصح على المستويين السوري والفلسطيني. وكما حاول السوريون والفلسطينيون في الامس الاستفادة من التجربة المصرية وفشلت محاولتهم، فهم يحاولون في الوقت الراهن الاستفادة من التجربة اللبنانية وقد تنجح محاولتهم، ونتمنى لو تنجح، فيحرر الفلسطينيون الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس وتحرر سوريا الجولان بالطريقة التي تحرر بها جنوب لبنان وبقاعه الغربي. لم تكن التجربة اللبنانية بسيطة ولن يكون تكرارها في سوريا وفلسطين بسيطا هو الاخر، ويتعين على السوريين والفلسطينيين ان يقودوا تجربة خاصة بهم، الفلسطينيون يعرفون ظروفهم والسوريون يعرفون ظروفهم، وهي ظروف تختلف بعضها عن بعض وعن الظروف اللبنانية، وقد غامر الفلسطينيون بخيار الانتفاضة بعد ان اغلقت اسرائيل في وجههم ابواب الخيارات الاخرى، اما سوريا فلديها من الوقت ما يكفي للتفكير مليا قبل اعتماد خيار المقاومة في الجولان. لقد شكلت سوريا العمق الاستراتيجي للمقاومة اللبنانية والانتفاضة الفلسطينية، وكان لها دورها الفاعل في انجاح التجربة الاولى، ودورها الفاعل في استمرار التجربة الثانية، فهي في صلب المقاومة ضد اسرائيل ولو بالواسطة، وكل نقلة من المقاومة بالواسطة إلى المقاومة المباشرة من شأنها ان تبدل الكثير في طبيعة دور دمشق في الشرق الاوسط ولابد من الاشارة إلى ان جوانب عديدة من هذه النقلة، في حال حصولها، عرضة لحسابات خاطئة أو لحالات غير محسوبة. لا أرى ان تستعجل سوريا العمل المقاوم في الجولان استجابة لنداء عربي عاطفي أو انجذابا باتجاه ما يجري من اعمال مقاومة في لبنان وفلسطين، وقد لا يفيد العمل المقاوم سوريا ولا لبنان ولا فلسطين في حال ردت اسرائيل على العمليات في الجولان بغارات على دمشق بدلا من غارات على مواقع سورية في لبنان. ولا يفيد سوريا ولا مشروعها ان تقدم لارييل شارون الذريعة السهلة لاشعال حرب كلاسيكية في المنطقة، بدلا من ان يبقى جيشه منهكا في مواجهة «حرب عصابات» في كل من لبنان وفلسطين، وهو يدرك سلفا انه غير قادر على الحسم فيها. القرار في نهاية الامر يعود للقيادة السورية وفي طليعتها بشار الاسد الذي يدرك كل الادراك مصالح وطنه، ومصالح الامة العربية. واذا ما اتخذ القرار بولادة المقاومة في الجولان، فجل ما اتمناه أن تأتي الولادة طبيعية وشبيهة بولادة المقاومة اللبنانية والانتفاضة الفلسطينية. بقلم: كريم بقرادوني