يحرص البعض على إدراج أقباط مصر ضمن تصنيف الأقليات المضطهدة في العالم العربي. وتحرص قوى خارجية تتحين أي فرصة للتدخل في الشئون الداخلية المصرية على تدعيم هذه الرؤية متوسلة في ذلك ببعض حوادث التطرف التي شهدتها أرض الكنانة في العقود الثلاثة السابقة، فضلا عن بعض الشكاوى ـ التي لا يستطيع منصف في الواقع أن يشكك في مصداقية معظمها ـ للأقباط من سلبيات إدارية بالأساس تمس بمصالحهم وتعتمد على لوائح بقيت قائمة منذ الحكم العثماني. غير أن الواقع الحقيقي وطبيعة العلاقة المصرية بين المسلمين والأقباط ضمن النسيج الواحد للأمة المصرية تنفي هذه الادعاءات. النظرة الموضوعية المنصفة للمجتمع المصري تؤكد على أن الأقباط لا يمثلون أقلية عرقية أو ثقافية في مصر، فهم لايتركزون في مناطق سكنية خاصة بهم مثلما هو حال الأكراد في شمال العراق مثلا أو البربر في مناطق القبائل في المغرب العربي أو قبائل الجنوب السوداني. ولعل الانبا شنوده بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية والزعيم الروحي لأقباط مصر لم يكن سوى مقرا بحقيقة جلية عندما كرر في مناسبات عديدة أن من يتأمل ملامح المصريين لن يستطيع مثلا أن يفرق بين ملامح المصري المسلم أو المصري المسيحي، كما يتجاور الجميع في السكن وأماكن العمل، وربما تمضي فترة طويلة على علاقة أحدهما بالآخر قبل أن يكتشف اختلافه عنه في الدين. وبالطبع لا يستطيع مراقب موضوعي أن ينكر أن أحداث العنف التي شنها متطرفون تركت في بعض النفوس بعض الأثر في فترة ما إلا أن هذه السلبيات تلاشى معظمها الآن بعدما انكشفت مؤامرات المتطرفين التي كان لها أثرها السلبي على مصالح المسلمين قبل المسيحيين. وربما لا نقدم جديدا عندما نذكر باعترافات بعض المسئولين الأمنيين في فترة السبعينيات من القرن الماضي، الذين أقروا في أكثر من مناسبة أنهم لجأوا إلى رعاية جماعات ترفع شعارات دينية إسلامية لاستخدامها في ضرب الجماعات اليسارية التي كان نفوذها يتسع في ذلك الوقت في المجتمعات الطلابية والعمالية بالذات مع بداية ظهور المساوئ الاجتماعية والاقتصادية لما سمي وقتها بسياسة الانفتاح التي تسببت في ظهور فجوات طبقية واسعة بين شرائح المجتمع، وظهور العديد من الرموز التي كونت ثروات من مصادر مشبوهة وغير مشروعة فيما سمي وقتها بظاهرة «القطط السمان» وفقا للتوصيف الذي أطلقه وقتها الدكتور رفعت المحجوب الامين العام للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ـ التنظيم السياسي المصري الوحيد آنذاك. وظهرت عناصر المعارضة اليسارية التي اكتسبت شعبيتها من معارضة تلك السياسة التي مازال المجتمع المصري يعاني من آثارها حتى الآن. ومما لفت أنظار العديد من المحللين أن أعمال العنف التي اتخذت في بدايات السبعينيات اسما لم يكن يعرفه المجتمع المصري قبل ذلك هو «الفتنة الطائفية» لم تكن تقع إلا مواكبة لحدث سياسي أو قرار سياسي يتوقع أن يلقى معارضة شعبية، فيما اعتبره الكثير من المحللين محاولات لإلهاء الرأي العام عن معارضة هذه القرارات أو الأحداث التي كان مطلوبا تمريرها في ذلك الوقت. وبمرور الوقت قويت شوكة هذه الجماعات التي اتخذت لنفسها تسمية الجماعات الإسلامية، واستطاعت بالفعل اجتذاب العديد من الشباب الذي وجد في الدين مخرجا له من مشاعر الإحباط الاجتماعي مع تضاؤل فرص الحصول على عمل أو سكن أو زواج مع استشراء ظاهرة الثراء السريع على الجانب الآخر من المجتمع الذي استطاع ركوب موجة الانفتاح. وسرعان ما قويت شوكة هذه الجماعات وزادت عضويتها فانقلبت على الحكومة التي رعت قيامها وبدأت في رسم مخططات لها تتعارض مع ما كان مرسوما لها عند بدايات تأسيسها. وبطبيعة الحال ، فقد واكب دخول العديد من العناصر صغيرة السن وقليلة الوعي والخبرة بل والثقافة الدينية، محاولات التميز والتأكيد على الذات التي نتج عنها مشاعر نفور من الآخر وهو هنا الحكومة، وأمريكا التي تساندها، ولما كانت الديانة المسيحية ـ وفق مفهومهم السطحي ـ مرتبطة في أذهانهم بالاستعمار أساسا فقد اصبح المسيحيون بالتالي رمزا لهذا الاستعمار الذي يتعين تكفيره وكراهيته، ولقيت هذه الدعاوى استجابة بالفعل لدى بعض بسطاء الثقافة والتفكير وهم للأسف المورد الأساسي الجاهز للتجنيد من قبل هذه الجماعات. ولم يكن هناك بد من أن تنتقل هذه المشاعر السلبية إلى قطاعات بين المسيحيين، خاصة مع تكرر أعمال السلب المسلح لمحلات المجوهرات بالتحديد التي قام بها بعض أعضاء هذه الجماعات لتدبير التمويل الكافي لأنشطتهم ولما كان أصحاب المحلات غالبيتهم العظمى في مصر من المسيحيين فقد كانت اجواء التطرف ميسرة لاقناع الشباب المضللين باستحلال أموالهم لأنهم كفار. ولم يكن هناك بد من أن ترتفع شكاوى من حين لآخر في ظل هذا الجو من اضطهاد تعرض له موظف مسيحي على يد رئيس مسلم، وأحيانا كانت تتردد شكاوى عكسية في الأماكن التي كان يرأسها مسيحيون، مع توتر المشاعر التي خلفت توجسا على الجانبين. ولعل اعتماد الدولة في فترة ما على الأساليب الأمنية وحدها التي بالغت في قمع هذه الجماعات والمنتمين إليها، بل وأقاربهم وأصدقائهم، دون تفرقة بين المغرر بهم والمغررين كان له أسوأ الأثر في أن بعض هؤلاء بات يؤمن في قرارة نفسه بأنه مجاهد في سبيل العقيدة وعليه أن يواصل جهاده حتى ينال إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة. وبالطبع ليس هناك من هو أقوى عزما وإصرارا من إنسان نذر نفسه للدفاع عن العقيدة، فواصل هؤلاء الإيمان بصحة موقفهم إلى أن أثبتت الأحداث للصادقين منهم زيف ما دعاهم إليه بعض قادتهم ورخص الغايات التي كانوا يدفعونهم للاستشهاد في سبيلها، فبدأت عضوية هذه الجماعات تتقلص خاصة منذ بداية التسعينيات وتراجع التأييد الذي كانت تحظى به بين بعض القطاعات الشعبية خصوصا مع تكرار عمليات الإرهاب التي راح ضحيتها أبرياء معظمهم من المسلمين. بيد أن هذه الأحداث كان لها أثرها في دفع بعض المثقفين من المسلمين والمسيحيين إلى بحث حقيقة العلاقة بين الجانبين في المجتمع المصري، وكان مثقفون مسلمون هم أول الأصوات المنادية بإلغاء بعض اللوائح القائمة في القانون المصري منذ العصر العثماني أو ما يعرف باسم الخط الهمايوني والذي يضع قيودا على حرية المسيحيين في بناء الكنائس الجديدة أو ترميم القديم منها. بل أن بعض المثقفين المسلمين تلقى تهديدات من الجماعات المتطرفة بسبب وقوفه إلى جانب الأقباط ومنهم من دفع حياته ثمنا لذلك. ومن هنا يتضح تهافت الدعاوى التي تظهر من حين لآخر لتلبس مسوح الدفاع عن الأقباط المصريين باعتبارهم أقلية مضطهدة، وغالبا ما تجد هذه الدعاوى من يناصرها بين قلة من أقباط المهجر التي تجنست بجنسيات أخرى بات ولاؤها لها أقوى ـ ربما ـ من ولائها لبلدها الأم، بل وربما للمسيح نفسه. ولعله مما يلفت النظر أن دعاوى الدفاع عن حقوق الأقباط في مصر لا ترتفع إلا كلما أقدمت القيادات المصرية على اتخاذ موقف مستقل لا يسير وفق هوى القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تسارع إلى التباكي على حقوق المسيحيين في مصر، ولا تعدم بالطبع بعض الموالين لها ممن ينتمون اسما لمصر غير أن حياتهم ومصالحهم كلها في بلاد العم سام. ويؤكد هذا الرأي موقف الغالبية من أقباط مصر الذين رفضوا مؤخرا مقابلة لجنة الحريات الدينية بالكونجرس الأمريكي التي زارت مصر مؤخرا بدعوى التعرف على أوضاع الأقباط في مصر، وإصرار الأقباط الوطنيين على أن ما يقع من أحداث تطال أي منهم في مصر إنما يتعين تسويته داخل جدران البيت المصري، ولا يحق لأي من خارج هذا البيت التدخل في شئونه. أقباط مصر الذين كانوا ضمن جنود صلاح الدين الذين دحروا الصليبيين، والذين استشهدوا تحت راية عاش الهلال مع الصليب خلال فترة النضال ضد الاستعمار البريطاني، والذين روت دماؤهم الطاهرة أرض سيناء دفاعا عن حرية الوطن، والذين راعيهم الروحي البابا شنوده أنهم لن يدخلوا القدس للحج إلا في صحبة إخوانهم المسلمين؛ يؤمنون تماما بمقولة الزعيم القبطي الراحل فكري مكرم عبيد«أنا مسلم وطنا ومسيحي ديانة»، ويدركون تماما أنهم جزء لا يمكن فصله من النسيج المصري الواحد الذي التأمت تماما عبر قرون طويلة لحمته وسدته. بقلم: إكرام يوسف