دأب الأكراد منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية على السعي لإقامة دولتهم الموحدة وحلمهم القومي «كردستان» وشهدت مساعيهم لتحقيق هذا الحلم بعدما توزعت قوميتهم بين حدود تركيا والعراق وايران وسوريا، تغيرا في الولاءات والتحالفات، مثلما حرصوا على اللعب بكل ما يصادفهم من كروت، والاستفادة من التناقضات بين شعوب المنطقة لتحقيق أقصى ما يستطيعون من مكاسب تضمن لهم الحفاظ على تميزهم القومي وتراثهم وطقوسهم ولغتهم. ومثلوا في نفس الوقت كارتا يلعب به الفاعلون في المنطقة لتسوية الحسابات فيما بينهم. وظلوا طوال الوقت عنصر اضطراب وقلق في كل من البلدان التي توزعوا عليها. وكان قدرهم أن تكون مناطقهم في هذه البلدان غنية بالثروات والموارد الطبيعية على نحو لا يسمح لأي من هذه البلدان بالتفريط في هذه الأراضي لمجرد تحقيق حلم لقومية ما. كما استخدمتهم في فترات متعددة قوى أجنبية من مصلحتها استمرار الاضطراب في هذه المنطقة من العالم بحيث لا تنعم شعوبها بالاستقرار الذي يمكنها من الانفراد بثرواتها وإدارتها بشكل مستقل بعيدا عن هيمنة هذه القوى الخارجية. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية سارعت شعوب المنطقة إلى المطالبة بالاستقلال ومن بينها الشعب الكردي. وجاءت معاهدة «سيفر» في عام 1920 مشجعة لآمال الأكراد، إذ نصت على:« وفي مدة عام من هذه المعاهدة ، إذا طلب الأكراد في المناطق المذكورة في المادة62 من مجلس العصبة الاستقلال ، وأثبتوا أن أكثرية الأكراد تريد ذلك، ووافق مجلس العصبة على أهلية الأكراد للاستقلال وأوصى بذلك، فإن تركيا تتعهد منذ الآن بتنفيذ هذه التوصيات ولا تتمسك بأي حق في هذه الأقاليم. ويتفق على تفاصيل هذا التنازل ما بين تركيا وقوى الحلفاء الأساسية. وإذا وقع هذا التنازل، لاتعترض قوى الحلفاء على دخول سكان كردستان من الأكراد التابعين حتى الآن لولاية الموصل في هذه الدولة الكردية». اكتشاف النفط وكانت منطقة كردستان العراق تقع برمتها ضمن حدود ولاية الموصل. ثم اكتشفت كميات هائلة من النفط قد اكتشفت في حقول باباكركر بكركوك، التي تدفق الخام منها لأول مرة في منتصف اكتوبر 1927، مما زاد من قيمة المنطقة وعمق الصراع عليها بين بريطانيا وتركيا. وعندما أصر الأتراك على مطالبتهم بولاية الموصل واعتبارها جزءا من الأراضي التركية لجأت بريطانيا إلى استخدام القضية الكردية كعامل ضغط على تركيا. وفي معاهدة لوزان 1923 تنكر الحلفاء لمعاهدة سيفر فضاع أمل الأكراد بنيل حقوقهم التي وعدتهم بها عصبة الأمم وتطورت الأمور بين شد وجذب حتى توقيع المعاهدة الثلاثية بين العراق وبريطانيا وتركيا التي كرست تقسيم كردستان فيما عرف باسم خط بروكسل. وعلى صعيد آخر كانت الأحزاب الكردية التي تدعمها ايران، تنادي بأهداف أبعد من القومية وتدعو إلى التعاون بين «الأمم الآرية والتي كانت بالنسبة لهم تتألف من الأكراد والأفغانيين والفرس والأذربيجان والهنود والبلوخيين والباكستانيين والأرمن والطاجيكيين. وكانت هذه الأحزاب تدعو إلى قيام كونفيدرالية بين هذه الأمم وذلك بعد إنشاء كردستان مستقلة لكي «توقف المخططات العدائية لأولئك الذين يريدون، باسم الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، أن يستعمروا كردستان وضم جزر الخليج وخوزستان الغنية بالنفط وأقسام أخرى من الوطن الآري». خطر الوحدة العربية ومن هنا يتضح حرص الأقلية الكردية في العراق بالذات على أن تميز نفسها عن العرب، والاستماتة في الإصرار على أن لها هويتها المتفردة التي لا تقبل الذوبان وسط الشعب العربي. ولعل ذلك يفسر اشتداد حدة الحركات الانفصالية الكردية كلما تعالت شعارات الوحدة العربية. ولما كان الهم العراقي الأول يتمثل كما نعرف منذ الثلاثينيات في القرن الماضي فرض نفوذ بغداد كقوة إقليمية في المنطقة، فقد مثلت طهران التحدي الرئيسي لهذا النفوذ في أول الأمر ومن هنا لجأت كل من الدولتين إلى اللعب بالورقة الكردية لهز استقرار الأخرى، فلجأ العراق إلى استقطاب عناصر موالية له من الأكراد الإيرانيين، ولم تتوان إيران عن المسارعة بدورها إلى دعم فصائل انفصالية ضمن أكراد العراق. وفي كثير من الأحيان كان الأكراد في الجبهتين يحققون بعض المكاسب من جراء رغبة كل من الدولتين المتصارعتين في كسب ودهم. بيد أن هذه المكاسب لم ترق أبدا إلى حد حصول الأكراد على ما يطمحون إليه. وبين الحين والآخر كانت تثور حركات تمرد كردية في العراق لتحقيق مكاسب أساسية تتمثل في الاعتراف بلغتهم الكردية لغة تعليم في المدارس والجامعات والسماح لهم بإقامة احتفالاتهم وإحياء فولكلورهم القومي. وبعد معارك عديدة سالت فيها دماء كثيرة توصل الطرفان في مارس 1970 إلى اتفاقية منحت الأكراد حكما ذاتيا واسعا ضمن الجمهورية العراقية كما ضمنت تعيين الأكراد في عدد من المناصب الوزارية والعليا. وأصبحت اللغة الكردية لغة التعليم الأولى في المناطق ذات الأغلبية الكردية وأنشئت جامعة السليمانية وجعلت لغة الدراسة بها هي الكردية بينما تقرر أن تصبح الكردية اللغة الثانية في التعليم الرسمي بمعظم مناطق العراق. وجاءت الاتفاقية مفاجأة للعالم الخارجي الذي لم يتوقع تسوية للنزاع الطويل بين الحكومة والأكراد الذي عمقه الاتهامات المتبادلة بين الطرفين وإصرار كل منهما على مواقفه، خاصة بعد اتهام رسميين عراقيين للأكراد بتلقي «دعم فعلي من إيران وإسرائيل» ووصفهم التحركات الكردية بأنها تهدف لقيام «إسرائيل أخرى في المنطقة». كركوك والسكان غير أن مسألتين بقيتا دون حل: الأولى هي الصراع حول مدينة كركوك الغنية بالنفط، والتي يدعي الأكراد أنها مدينة كردية، إذ تنص الاتفاقية على أنه حيثما توجد أغلبية كردية فإن المنطقة يجب أن تخضع للسيطرة الكردية. ومع ذلك قالت بعض المصادر إن المدينة تنقسم بالتساوي من حيث العدد بين العرب والأكراد، والتركمان. وأعلن ممثلون رسميون للعراق أن الحكومة طلبت من «التركمان» أن يسجلوا أنفسهم إما أكرادا أو عربا. وبما أن التركمان لا يكنون أية محبة للأكراد، فقد كانت النتيجة أن أصبح الأكراد أقلية بعد ذلك فخضعت المدينة للسيطرة العربية. ووصف صدام حسين الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية في ذلك الوقت تلك التسوية التي تم التوصل إليها في مارس 1971، بأنها «تسوية كاملة وحقيقية، وثابتة، وسياسية، ودستورية، تؤكد الأخوة الدائمة بين العرب والأكراد». بين المهادنة والقمع ورغم تفاوت موقف القيادات العراقية من الأكراد بين مهادنتهم وتقديم المكاسب لهم ، وبين قمع حركاتهم بشدة وقسوة كما في عهد أحمد حسن البكر وصدام، إلا أن الثابت أن القيادات العراقية التي كانت مؤمنة بشعارات الوحدة العربية كانت تسارع إلى طمأنة الأكراد بأنهم سيحصلون على الحكم الذاتي الفوري بمجرد الاتفاق على دخول العراق ضمن وحدة عربية. ومع تراخي قبضة النظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية، وجد أكراد العراق أن الوقت ربما كان موات لضرب ضربتهم وسط مشاعر العداء التي بات المجتمع الدولي يكنها للنظام العراقي، فقاموا بتمردهم في 1991 الذي واجهته قوى الدولة بالقمع الواجب. وتزايدت جهود بغداد لبسط سيطرتها على المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الأكراد بزعامة الحزبين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. واستغلت حكومة بغداد الصراع بين الحزبين الرئيسيين على السلطة في المناطق الكردية وحق تمثيل الاكراد لتأميم موالين لها داخل هذه المناطق وذلك فضلا عن لجوئها إلى استخدام أساليب القوة فيما سمي بمساعي تعريب المناطق وتعديل الجنسية. ورغم أن جميع الوظائف الحكومية في شمال العراق بات يشغلها إداريون محليون معظمهم من الأكراد لأن الحكومة سحبت قواتها العسكرية وموظفيها الإداريين المدنيين من المنطقة بعد تمرد الأكراد عام 1991؛ إلا أن ماكس فان ستول المقرر الخاص المكلف بشئون العراق في لجنة الأم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان أكد في تقريرين أعدهما العام الماضي أن الحكم العراقي يحاول تقليص نسبة المواطنين، من أصل غير عربي، القاطنين في منطقة كركوك الغنية بالفعل لضمان السيطرة الديموجرافية للعرب على المنطقة ، وذلك عن طريق نقل الأكراد من معلمي المدارس الابتدائية وصغار الموظفين المدنيين في الدوائر الحكومية للعمل خارج محافظة كركوك، التي أعيد تسميتها بمحافظة التأميم. كما فرض مجلس قيادة الثورة بناء مساكن جديدة وتأمين عمل لأكثر من 300 ألف مواطن عربي نقلوا للعيش في كركوك في حين تفيد تقارير أن قيام الأكراد ببناء مساكن جديدة أو تجديد مساكن يملكونها أمر ممنوع. ولا يسمح لغير العرب ببيع مساكنهم إلا لعرب، كما لا يسمح لهم بتسجيل ممتلكات أو الحصول عليها عن طريق الإرث. وتقدر السلطات الكردية أنه منذ عام 1991 جرى تهجير نحو خمسة عشر ألفا و650 عائلة كردية من أماكن تواجدها (يبلغ عدد أفرادها 92 ألفا و740 شخصا) بينما أفادت تقارير أنه يفرض على الذين يتم تهجيرهم توقيع طلب يتضمن العبارة التالية «لقد وقعت هذه الاستمارة بإرادتي الحرة» وتشمل عمليات الطرد مصادرة جميع ممتلكات العائلة وبطاقات الإعاشة الصادرة بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء. وتؤكد التقارير أيضا تنفيذ الحكومة لما يسمى بحملة «تصحيح الجنسية» كجزء من عملية التعريب يسمح لبعض المطلوب تهجيرهم بالبقاء في منازلهم إذا تنازلوا عن هويتهم الكردية أو التركمانية وسجلوا أنفسهم في سجلات النفوس العرب. معضلة متشعبة الأطراف وفي واقع الأمر فإن القضية الكردية تمثل معضلة يصعب التصدي لحلها في الوقت الحالي بسهولة. فمن ناحية تدعو جميع اعتبارات حقوق الإنسان وحق الأمم في تقرير مصيرها إلى النظر بعين الاعتبار إلى مطالب شعب يشعر بتميزه العرقي واللغوي والتاريخي ويرفض الذوبان ضمن قومية أخرى هي القومية العربية في العراق. ومن ثم باءت بالفشل جميع محاولات تذويبه بالقوة ضمن نسيج البلدان التي تقاسمت أراضي الأكراد. إلا أن اعتبارات الأمن القومي تكاد تجعل من المستحيل على أي حكم في العراق السماح بانفصال المناطق الشمالية التي يسكنها الأكراد، ناهيك عن الثروة النفطية والمعدنية التي تحتوي عليها الأراضي ذات الأغلبية الكردية، الأمر الذي يحرم العراق من مصادر دخل هائلة، فضلا عما يمثله احتمالات مد قوى خارجية لنفوذها أو تحالفاتهاـ في أكثر التعبيرات تبسيطا ـ إلى المناطق التركية المتاخمة لقلب العراق. ويبدو أنه تأكيدا للرأي القائل بأننا نحيا في منطقة لم يكن الاعتراف بالآخر ضمن خصائصها يوما، فإن الأكراد أنفسهم الذين يناضلون منذ عقود لتحقيق استقلالهم أو على الأقل الحكم الذاتي لأراضيهم، لا يتورعون عن المسارعة بقمع القرى الآشورية أو الكلدانية الواقعة ضمن الأراضي التي يسيطرون عليها في الشمال والتي تعتبر نفسها أقليات متميزة هي الأخرى، فأبناؤها من المسيحيين ويرغبون في الاعتراف بلغتهم السريانية لغة للتعليم في مدارسهم ويطالبون هم أيضا باحترام فولكلورهم وتراثهم. غير أن تقارير لجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سجلت حالات عديدة من القمع والسحل تعرض لها سكان القرى الآشورية والكلدانية كما نقلت وكالة الأنباء الآشورية أنباء عمليات القمع هذه التي حدث بعضها بسبب الصراع بين الحزبين الكرديين الرئيسيين على بسط النفوذ. و تفيد تقارير متعددة قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني بالإغارة على قرى آشورية وتعذيب أبنائها بدعوى وجود علاقة بينهم وبين الاتحاد الوطني الكردستاني الذي حاربه الحزب مرارا. ورغم نفي الحزب لهذه الأنباء إلا أن مصادر الصليب الأحمر الدولي أكدت أنها تدخلت لدى قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني بعدما تلقت طلبا من الآشوريين يدعوها للتدخل. ولعل ذلك بالتحديد هو ما يذكرنا بقول الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو عندما انتقد قمع مصطفى كمال أتاتورك للأكراد في خطاب له إلى ابنته أندير ا غاندي: «هكذا نرى الأتراك الذين حاربوا مؤخرا للحصول على حريتهم سحقوا الأكراد لمطالبتهم بحريتهم، فما أغرب تحول القومية من دفاع عن الوطن إلى هجوم لسلب حرية الغير». وهكذا نرى الأكراد الذين حاربوا طويلا لنيل حقهم في تقرير المصير ينكرون هذا الحق ذاته على غيرهم من الأقليات. ومما سبق يتضح صعوبة المأزق الذي يجد فيه العراق نفسه فيما يتعلق بالقضية الكردية، التي تفرقت دماؤها بين القبائل إن جاز التعبير. فمن المؤكد أن هذه القضية لن تحل حتى وأن تم وضع تسوية لها بين العراق والأكراد القاطنين ضمن حدوده السياسية، ولن يتم تسويتها إلا باتفاق بين كل من العراق وتركيا وايران وسوريا. وبصرف النظر عن أنه ربما كان اتفاق هذه الأطراف مجتمعة على أمر ما ضرب من الخيال في الوقت الحالي. فإن التفكير الجاد في وضع حل جذري لها لابد أن يستند على نحو متوازن إلى اعتبارات حق تقرير المصير إلى جانب اعتبارات الأمن القومي لجميع الأطراف المعنية فضلا عن توزيع الثروات الطبيعية في هذه المناطق على أمر يرضي جميع الأطراف. ومن ثم، فلا يتوقع أن تشهد هذه المناطق استقرارا حقيقيا لفترة طويلة قادمة، وستظل القضية الكردية إلى أمد بعيد عامل تهديد وعنصرا يسهل استخدامه من القوى الخارجية عن المنطقة على نحو يزعزع الإحساس بالأمن كما يشكل خطرا ماثلا لكل الأطراف. بقلم: إكرام يوسف