خلفت الحقبة الاستعمارية وراءها عدة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، تلتف حول حدود العالم العربي من الأكراد على البوابة الشرقية لهذا العالم إلى البربر على بوابته الغربية مرورا بالجنوب السوداني الذي يخوض حربا أهلية مع شماله منذ عقدين. ولا ينحصر الأمر في هذه الحالات الثلاث التي نحاول إلقاء الضوء عليها اليوم، وإنما لم تأل هذه القوى جهدا في زرع بذور فتن طائفية أو إثنية تكاد لا تخلو منها دولة عربية، بل أن الأطماع الخارجية لا تعدم وسيلة لخلق هذه الفتن خلقا، وابتداعها إذا لم تكن قائمة على النحو الذي يحقق مصالحها في استمرار سيطرتها على المنطقة وعرقلة أي فرصة لتكوين تكتل مستقل لها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. وقد حرصت القوى الاستعمارية على الإبقاء على هذه القنابل الحية لاستخدامها وقت الحاجة، وهو دائما الوقت الذي تبدو فيه بوادر أو نوايا التحرك للقيام بعمل مشترك يتصدى لهذه الأطماع. غير أن هذه المؤامرات الخارجية ما كان لها أن تنجح حتى الآن لولا أنها وجدت عوامل داخلية تحقق لها هذه الاطماع، سواء كانت هذه العوامل عملاء صرحاء تتفق مصالحهم مع مصالح القوى الاستعمارية، أو سياسات خاطئة تكرس الأوضاع الطائفية وتغذيها، أو صراعات داخلية تقتات على هذه الأوضاع وتستغلها. جاء مقتل الشاب الأمازيغي في ابريل الماضي على أيدي الشرطة الجزائرية ليرفع غطاء المرجل في مناطق القبائل الجزائرية، وسرعان ما التهبت تلك المناطق وامسك الشرر بتلابيب المجتمع الجزائري الذي يعاني بالفعل من أحداث عنف مسلح لم تنقطع منذ نحو العقد، أودت خلاله بأرواح أكثر من مئة ألف شخص. كما شهدت المملكة المغربية أيضا تظاهرات احتجاجية واكبت الاحتفالات بعيد العمال للتنديد بقانون منع تداول أسماء أمازيغية والمطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية لغة للتعليم في البلاد إلى جانب العربية. وكانت المملكة تعتبر الأمازيغية لهجة وليست لغة مما أسفر عن تسرب الأطفال الذين لا يتكلمون سوى الأمازيغية من المدارس وبالتالي زيادة نسبة الأمية في البلاد. والملاحظ أن الاضطرابات التي اندلعت في ولايتي بجاية وتيزي أوزو تركزت أساسا على مطالب اقتصادية واجتماعية، رغم أنها واكبت احتفالات أهل القبائل من البربر بذكرى ما أسموه ربيع الأمازيغ عام 1980 الذي وافق اندلاع اضطرابات مماثلة في ذلك العام تطالب بمنح أهالي القبائل مكاسب خاصة تتعلق باعتماد الأمازيغية لغة ثانية للبلاد إلى جانب العربية. وتشير وكالات الأنباء إلى أن اضطرابات ابريل من العام الحالي التي أسفرت حسب إحصاءات رسمية عن سقوط 16 قتيلا وأكثر من 300 جريح بينما أشارت مصادر صحفية الى مقتل 20 شخصا وإصابة مثلي العدد الذي أعلنته الحكومة تقريبا تركزت على المطالب الاقتصادية والاجتماعية. ويبدو أن المشاركة الساحقة للشباب دون العشرين في هذه الاضطرابات كانت سببا في التركيز على المطالب الاقتصادية والاجتماعية لأهالي مناطق القبائل الفقيرة والمحرومة من الخدمات بينما تتفشى فيها البطالة خاصة بين صفوف الشباب. ويؤكد ذلك أن المتظاهرين عمدوا إلى مهاجمة المباني الحكومية رمز الدولة وإحراق منازل المسئولين المحليين والتنديد بالفساد والظلم والمحاباة. تعاطف جماهيري وتشير تقارير محللين إلى أن التغيير في طبيعة مطالب المحتجين هذا العام واصطباغها بالصبغة الاجتماعية أثار تعاطف المواطنين معهم في جميع أنحاء الجزائر بعد ما كان ينظر إليهم في السابق باعتبارهم فئة تسعى إلى تحقيق مكاسب فردية أنانية. حتى أن بعض المحللين تساءل: «إن المعاناة شاملة لكل المواطنين، فلماذا إذن تريد جهة من الوطن أن تتميز عن باقي الجهات؟». بيد أن التركيز على المطالب الاقتصادية والاجتماعية هذا العام، لا يجب أن يدفعنا إلى دفن الرؤوس في الرمال كالعادة وتناسي وجود مشكلة حقيقية اسمها المشكلة البربرية أو الأمازيغية. فتجاهل وجود المشكلة لا يلغيها، كما أن محاولة قمع أصحابها لن يخمد أصواتهم، ربما يسكتها إلى حين ولكنه لن يخمدها. ولما كان تشخيص الداء هو في الحقيقة نصف العلاج، كان على الجميع أن يبادروا بالتعرف على المشكلة ودراسة أسبابها بدقة واتخاذ التدابير الصادقة لمعالجتها. فرغم تصدي العديد من المحللين والباحثين إلى التأكيد على عروبة البربر أو الأمازيغ، إلا أن أصحاب الشأن بينهم قطاعات كبيرة تنفي عن نفسها تلك العروبة وتصر على نظريات معينة تثبت لها أصولا غير عربية. ومن بين هؤلاء كتاب ومثقفون وفنانون لهم وزنهم وتأثيرهم في المجتمع المغاربي. ورغم أن كتب التاريخ تشير إلى أن الأمازيغ هم سكان المغرب الأوائل قبل الفتح العربي،وأنهم يمثلون غالبية عدد سكان المغرب حاليا البالغ 30 مليون نسمة، إلا أن البعض ذهب إلى أن أصولهم ترجع إلى إما سلالة سام أو سلالة حام. وربطهم آخرون بجالوت ملك البربر في فلسطين وهناك من يرى أنهم خليط من أقوام شرقية مختلفة، والبعض يربط بينهم وبين «أفريقش» اليمني. وأكد مؤرخون على أن اول منازل البربر وجدت بفلسطين وما جاورها، ويجزم البعض بأن الأمازيغ فرع من الشعوب العربية التي انتقلت إلى المغرب على مراحل، وهو الأمر الذي يرفضه العديد من أبناء هذه القبائل الذين يفضل أبناؤها تسميتهم بالأمازيغ التي تعني في قاموسهم الإنسان الحر أو الإنسان النبيل بدلا من تسمية البربر التي أطلقها عليهم اليونان وتعني المتوحش. وتشير التقارير إلى أن المتحدثين بالأمازيغية ينتشرون على رقعة جغرافية تزيد مساحتها على خمسة ملايين كيلومتر مربع حيث تمتد من الحدود المصرية الليبية إلى مالي والنيجر بأفريقيا بينما تتركز أكبر مجموعة سكانية ناطقة بها في المغرب. لغة أم لهجة. ورغم أن الأمازيغ تعلموا اللغة العربية منذ دخولهم الإسلام إلا أنهم يسعون دائما إلى إحياء الأمازيغية واعتبارها لغة ثانية إلى جانب العربية الأمر الذي يرفضه معارضوهم الذين يعتبرون الأمازيغية لهجة وليست لغة. غير أن هناك إرادة سياسية لإحياء الأمازيغية عن طريق الإذاعة والتليفزيون والصحف والغناء والمسرح والسينما. ويقود الكاتب المغربي محمد أكنار تجربة الكتابة للطفل بالأمازيغية، باعتباره المجال الوحيد في رأيه الذي لم تتطرق إليه هذه اللغة. ومع تسليمنا بكافة التخوفات المرتبطة بتكريس الطائفية والإثنية، وإيماننا بأهمية تحقيق الوحدة الوطنية، إلا أنه لا ينبغي لأحد أن يتجاهل مطالب مجموعة من البشر تؤكد تمايزها العرقي أو الثقافي عن البيئة المحيطة بها. وفرض هذه الوحدة الوطنية عليها قسرا وبتدابير فوقية. وقد عرف المغرب تأسيس أول جمعية أمازيغية سنة 1929 بمدينة «أرزو» ومنذ السبعينيات من القرن الماضي تضاعف عدد الجمعيات الثقافية الأمازيغية. وفي 1991 وقعت ست جمعيات أمازيغية على ميثاق أغادير الذي اعتبر بمثابة إطار نظري يوضح تصور المهتمين بالقضية ويتضمن مطالب مستعجلة، أهمها: تدريس الأمازيغية في مؤسسات التعليم العمومي ـ فتح المجال أمامها في المعاهد والمؤسسات العلمية ـ توسيع دائرة النشاط الثقافي والأدبي والاعلامي للأمازيغية. مسئولية الانتلجنسيا ورغم وجود التيارين المتطرفين في كل من الجزائر والمغرب اللذين يعتبر أولهما الأمازيغ جزءا من نسيج الأمة العربية يتعين عليه الانصياع والذوبان في محيطه اختيارا أم جبرا، بينما يغالي التيار الآخر في التركيز على إثبات التمايز الأمازيغي عن العرب ووضع الحدود الفاصلة بينهما، إلا أنه يوجد على الجانبين أيضا لفيف من المثقفين المعتدلين المهمومين بالفعل بقضية الوحدة الوطنية في كل من الجزائر والمغرب الذين يؤمنون بأن الشخصية المغاربية تتمتع بثقافة غنية ومتنوعة، ومبنية على إرث عربي وإرث أمازيغي وثقافة إسلامية. ومن هنا تقع على مسئولية الانتلجنسيا الوطنية في كل من الدولتين إعداد العدة لبدء حوار وطني هادئ يخدم في النهاية مصلحة الوحدة الوطنية ويفوت الفرصة على الجهات الأجنبية الرامية إلى تحقيق مطامعها في المغرب عن طريق سياسة فرق تسد. ولا شك أن المعارضين للتوجه العرقي للحركة الأمازيغية لديهم شكوكهم المشروعة، فهم يخشون من أن تتحول المسألة إلى خلق إثنية متعددة الأطراف في كل من الجزائر والمغرب، تبدأ باللغة وتنتهي بالعرق والجنس، على نحو يثير عنصرية منغلقة ضد العرب واللغة العربية، وهو ما تسعى إليه بالفعل قوى خارجية «فرنسية أساسا» تحت غطاء البحث العلمي أحيانا، وغطاء حقوق الإنسان في أحيان أخرى. ولعل هذا هو السبب في الدعم السخي الذي تقدمه مؤسسات ثقافية وجامعات فرنسية لدعم دراسة اللغة الأمازيغية وآدابها. وهو ما يؤيد في النهاية وجهة النظر القائلة بأن فرنسا تسعى بدأب إلى دعم اتجاهات تقسيم كل من الجزائر والمغرب إلى شعبين أحدهما يتكلم الأمازيغية والآخر العربية حتى تضمن أن تظل اللغة الفرنسية لغة التواصل المشتركة بين الشعبين على نحو يساهم في تأبيد نفوذها في مستعمرتيها القديمتين. أصابع خارجية وتقضي دروس التاريخ باحترام التمايزات العرقية والإثنية وعدم تجاهلها أو محاولة تذويبها بالقوة لأن ذلك هو بالتحديد ما يعمقها، بل ويتيح الفرصة لتدخل أصابع خارجية من مصلحتها توسيع شقة الخلاف. ودائما الأصابع الخارجية على أهبة الاستعداد للتدخل في مثل هذه الاضطرابات. ودائما ما تجد هذه القوى الخارجية عناصر من الداخل تمهد لها الطريق للتدخل، إما بدعوى الوساطة أو حماية الأقليات. وتؤكد دروس التاريخ أيضا أنه ما من مرة تدخلت قوى أجنبية في صراع داخلي، ثم انسحبت طائعة بعد تحقيق تسوية. ومن ناحية أخرى فمن المعروف أن عناصر مؤثرة في المعارضة الجزائرية دعت إلى تدويل القضية الأمازيغية، كما دعا هوبير فيدرين وزير خارجية فرنساالحكومة الجزائرية إلى فتح حوار سياسي مع الأمازيغ وقال فيدرين «إن الحكومة الفرنسية لا يمكنها أن تسكت عن العنف الذي استخدمته السلطات الجزائرية في قمع احتجاجات الأمازيغ في منطقة القبائل شمالي الجزائر.»! تحالف مع السلفيين ومما يلفت النظر أيضا أن الساحة الجزائرية شهدت خلال الأحداث الأخيرة تطورا نوعيا يخشى أن يهدد وحدة البلاد؛ حيث ظهر لأول مرة نوع من توافق المصالح بين بعض السكان البربر و«الجماعة السلفية للدعوة» التي تقاتل الحكومة الجزائرية انطلاقا من الجبال، وذلك رغم التنافر الشديد بين أفكار الطرفين. وأظهرت المظاهرات التي نظمها الشباب البربري أواخر ابريل بمنطقة القبائل هذا التوافق بين الطرفين بعدما هتف هؤلاء الشباب بهتافات مع الجماعة السلفية، وأدت لاشتباكات مع قوات الأمن أسفرت عن مقتل عشرين شخصا. وقالت مصادر مطلعة إنه تم تسجيل عدد كبير من الجرحى بين قوات الأمن، ولا يعلم إلى الآن الحصيلة النهائية بدقة، وسط أنباء عن إصرار سلطات الأمن الجزائرية على فرض سياسة صارمة لوضع حد لأعمال العنف. وذكرت وكالات أنباء أن عشرات البلديات أدرجت ضمن مناطق منكوبة؛ بسبب حرق مقرات أجهزة الدولة مثلما هو الحال في بلدية «أوزلاغن» بولاية بجاية التي أصبحت في عداد المناطق المنكوبة. فقد قام الشباب البربري بتسيير مظاهرات وترديد شعارات مؤيدة لأمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال «حسان حطاب»، وكشفت هذه الشعارات أن فصيلا منشقا من الحركة الثقافية البربرية «الأمسيبي» يعتزم التحالف مع هذه الجماعة لتحرير هذه المنطقة من نفوذ الدولة. وساعد على تأزم الوضع تأييد سكان البربر بولاية وهران للمظاهرات التي يقوم بها الشباب البربر في منطقة القبائل، وكان شباب من المتظاهرين قد فقئوا، عين ابنة مسئول فرقة الدرك الوطني لولاية بجاية؛ مما أسفر عن أعمال انتقامية قامت بها عناصر قوات الأمن، وتشير التقارير الإخبارية إلى أن عائلات قوات الأمن تعيش في عزلة تامة بسبب مخاوف من ملاحقتهم وقتلهم.ويثير المراقبون في الجزائر مخاوف من أن تؤدي هذه التطورات إلى تردي الوضع العام وتهديد الوحدة الوطنية التي تعرضت للخطر في مناسبات عديدة، سواء باسم المطالب الثقافية مثلما حدث خلال أحداث ما سمي بالربيع الأمازيغي في 1980 عندما منع والي تيزي أوزو الكاتب مولود معمري المعروف بولائه الفرنسي من إلقاء محاضرة بالمركز الجامعي لتيزي أوزو، فانطلقت المظاهرات احتجاجا على قرار المنع ثم تطورت إلى إشعال الحرائق وتمزيق علم الدولة، أو في عام 1998 بعد مقتل «معطوب الوناس» الذي يعرف باسم رائد الأغنية الأمازيغية و لم يكن يخفي علاقته بالفرنسيين. صراعات السلطة ولعله مما يدعو للتأمل ما نقلته تقارير صحفية من أن أوساط مطلعة لا تستبعد أن يكون وراء الأحداث هذه المرة مسئولون في الدولة دخلوا في خلافات شديدة مع الرئيس عبد العزيز بوتفليفة، الذي كان قد شرع فعلا في تحضير سلسلة من القرارات التي تحسم موازين القوى في الحكم والتي ظلت محل تجاذب بينه وبين بعض العسكريين ذوي النفوذ، وتقول هذه الأوساط إن الرئيس الجزائري شكا من تعرضه لضغوط من بعض دوائر الحكم، لكنه لم يحددها بالاسم،وقال: «إن الدولة التي تترك الإرهابيين (عناصر الجماعات الإسلامية المسلحة) يعشعشون في الجبال ليست دولة»، وألمح كثيرا إلى الضغوط التي يمارسها ضده العسكريون واكتفى بالقول في حديث له إبان اشتعال الأزمة الأخيرة: «قد يكون هذا آخر خطاباتي لكم، وقد أموت وأكون بذلك مرتاح الضمير». وتظهر هذه التطورات كيف تطورت القضية بعدما تشابكت مجرد دعوة للحفاظ على هوية ثقافية ، مع مطالب اقتصادية واجتماعية وعوامل سخط شعبي، واكبتها أطماع خارجية تحرص على اللعب بالتناقضات الداخلية لتكريس نفوذها، خاصة مع ما يتمتع به المغرب العربي من ثروات طبيعية في مقدمتها النفط والغاز والمعادن، واستغلتها قوى داخلية في صراع لا يهدأ على السلطة سواء داخل أروقة الحكم أو بين النظام الحاكم وعناصر التمرد الإرهابي. وتفرض هذه التطورات وهذا التشابك، على التيارات الوطنية والمؤمنة حقا بضرورة تحقيق الوحدة الوطنية وضمان الاستقرار في المغرب العربي، الالتفات بجدية إلى هذه القضية، وعدم الاكتفاء بوصف المسكنات لترحيل الأزمة من فترة لأخرى كلما تفجرت. كما تفرض تكاتف كافة الأطراف التي يهمها تحقيق مصالح الشعب المغاربي لوضع سبل العلاج الناجعة والتي لن تتأتى إلا باحترام التمايزات الثقافية وتشجيع التزاوج بينها في ظل وحدة وطنية حقيقية لا تقوم على تذويب الآخر بالقوة. وذلك وحده هو ما يقطع الطريق على جميع الطامعين سواء من الخارج أو الداخل في نهب مقدرات البلاد. بقلم: إكرام يوسف :