ماذا يعنى نقل السلطات السودانية للدكتور حسن الترابى من محبسه فى سجن كوبر العتيق الى منزل حكومى على شاطئ النيل الأزرق بمدينة الخرطوم بحرى؟ قد يظن البعض أنها معاملة كريمة من حوارى الشيخ السابقين الذين علمهم ألف باء السياسة وأوصلهم الى سدة السلطة فى يونيو 1989، وقد تعنى انفراجا وشيكا فى علاقات النظام بعرابه السابق. وما أبعد هذا الظن من الحقيقة! فقد عبر الشيخ نفسه للنيابة العامة رفضه لهذا الاجراء وانه يتم على غير رضى منه، واعتبرته الأسرة خطوة تعسفية اضافية بحق الشيخ، أما حزب المؤتمر الشعبى الذى يتزعمه الترابى فقد شطح به الخيال أن يقول انه يشم رائحة مؤامرة تحاك فى الظلام يدعى فيها محاولة جهة ما تحرير الشيخ من سجنه ومن ثم يحدث تبادل لاطلاق النار مع الحرس الحكومى تمهيدا لتصفية الشيخ أثناء المعركة الوهمية! ومهما كان سوء ظننا بعدالة الحكومة العرجاء الا أنه لا يبلغ ذلك المدى فليس من مصلحتها العاجلة أن تفعل ذلك، ولأن مثل هذه الحبكة الدرامية ليس من طبائع أهل السودان. ولكن ما هو السبب اذن؟ لقد قبضت الحكومة على الدكتور الترابى اثر المؤتمر الصحافى الذى أعلن فيه مذكرة التفاهم التى وقعت فى جنيف بين حزبه وحركة التمرد (20/2/2001) والتى تضمنت اتفاق الجانبين على أن المشاريع الأحادية الرؤى للحكم وغياب المشروع الوطنى المجمع عليه يشكلان أساس الأزمة الوطنية التى تعمقت فى ظل النهج الشمولى السلطوى، ونصت المذكرة على ضرورة تصعيد وسائل المقاومة الشعبية السلمية ضد الحكومة للتخلى عن النهج الشمولى واتاحة الفرصة للبديل الوطنى الذى يقره الشعب السودانى وصولا لاتفاق سلام عادل وبناء ديمقراطية حقيقية. فقد كان سبب القبض هو ضيق صدر الحكومة بنقد الترابى وهجومه اللاذع على أركان النظام وسياساته مما بدأ يهز من هيبة السلطة ثم خشيتها من أن يتطور هذا التحالف الى حقيقة سياسية بين المؤتمر الشعبى والمتعاطفين مع الحركة الشعبية من أبناء الجنوب فى العاصمة المثلثة وما قد ينضم اليهم من أحزاب المعارضة الأخرى، الأمر الذى يهدد استقرار النظام وبقاءه. وتبع ذلك اجراءات قمعية ضد المؤتمر الشعبى أدت الى حظر نشاطه فعليا دون قرار من محكمة أو من مسجل الأحزاب والتنظيمات السياسية، وبما أن الحكومة تدعى الامتثال لحكم الدستور والقانون فلا بد من مخرج قانونى يبرر كل هذه الاجراءات القمعية لذلك أوكلت الحكومة لوزير العدل أن يتحرى فى القضية بقصد تقديم الترابى وبعض معاونيه الى المحاكمة. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من التحرى لم يتمكن النائب العام من تحديد تهم واضحة يقدم الترابى بموجبها للمحاكمة، وبدأ القضاء يتلكأ فى تجديد أمر الحبس تحت ضغط هيئة الدفاع، والحقيقة ليس هناك ما يتحرى فيه فمذكرة التفاهم منشورة معلنة والترابى معترف بمسئوليته عنها ومتمسك بانفاذها فان كان عقد المذكرة يشكل أى قدر من الخروج على القانون فماذا تنتظر النيابة لتقديمه الى المحاكمة؟ وبعد أكثر من شهرين من المماحكة القانونية قامت النيابة العامة بفتح بلاغ ضد عمر الترابى والمحبوب عبد السلام اللذين وقعا مذكرة التفاهم نيابة عن المؤتمر الشعبى وذكرت الأنباء أن النيابة طلبتهما رسميا عبر الانتربول ولكنها لم تفعل ذات الشيء بالنسبة لياسر عرمان وباقان أموم اللذان وقعا ذات المذكرة نيابة عن حركة التمرد وهما سودانيان ينطبق عليهما قانونا ما ينطبق على غيرهم من السودانيين! ويبدو أن النيابة العامة استعجلت الحكومة لاتخاذ قرار سياسى بشأن الشيخ الترابى وأوضحت لها بأن الناحية القانونية مهما حاولت «طبخها» ليست قوية ولا مضمونة النتائج، ومن ناحية أخرى فان عناصر كثيرة من عضوية الحركة الاسلامية التى تعتمد عليها السلطة لم تكن راضية عن اعتقال الشيخ الترابى فمهما قيل عن خلافه مع الحكومة «الاسلامية» فهو شيخ الحركة الأصيل وصانع مجدها بلا منازع . لذلك فان نقل الشيخ الى اقامة جبرية خارج السجن يعنى فشل الحكومة فى ادانته قانونيا وفى ذات الوقت اصرارها على عزله من الحركة السياسية فهى لا تأمن على نفسها من لسانه اللاذع ومبادراته الجريئة، وتريد أن تسكت الأصوات الناقدة من أبناء الحركة الاسلامية بأنها تعمل على راحة الشيخ من مهانة المعتقل. وقد اعترف الدكتور ابراهيم أحمد عمر، الأمين العام للمؤتمر الوطنى، بحسن نية لوسائل الاعلام: ان هذا الاجراء يتماشى والروح العامة التى يتبناها حزبه لارضاء قواعد الحركة الاسلامية. قد يقول بعض محترفى السياسة من أهل الحكم بأن تفسير الأمين العام ساذج من الناحية السياسية والأفضل منه أن يقدم تدليسا قانونيا، ولكن الرجل غلب عليه طبع الصدق الذى عرف به رغم حفرة السياسة التى وقع فيها! وستلجأ الحكومة فيما بعد الى التبرير الوحيد المتاح أمامها وهو أن قانون الطوارئ يبيح لها الاعتقال التحفظى ضد العناصر التى تمثل تهديدا للأمن القومى، وتحاول أن تحل مشكلتها بصورة أو أخرى مع جمعيات حقوق الانسان التى تثير قضايا الاعتقال التحفظى وعلى كل معظمها ليس من محبى الشيخ الترابى.