لم تكن خسارة إنديرا غاندي الانتخابية تعني خروجها من الحكم فقط، بل أيضاً خروجها من المنزل الحكومي الذي شغلته هي وابناها ثلاثة عشر عاماً. وكانت تعني كذلك خسارة المساعدين وجهاز السكرتارية والخدم. وقد جاء الحل بالنسبة لموضوع السكن في صورة البيت الأصغر الذي قدمه لها صديق مقرب في دلهي. لكن الأمور لم تنته عند ذلك الحد. كان واضحاً أن تحالف جاناتا بمجموعة زعمائه الذين لا يجمع بينهم أي شيء سوى عداوتهم وبغضهم لإنديرا مصرا على الانتقام منها بكل الصور، مركزاً جل اهتمامه على ابتداع ماذا يجب أن يفعلوا بشأن إنديرا، لا بشأن الهند. وهكذا حرمت إنديرا من الحراسة التي يعطيها إياها القانون كرئيس وزراء سابق، وأخضعت هواتفها وهواتف عائلتها جميعها للتنصت، وخصص مخبرون لمتابعة تحركاتها هي وأفراد عائلتها باستمرار. وما لبث رجال الجمارك أن غزوا مزرعة العائلة مسلحين بآلات كشف المعادن وقاموا بتخريب المزرعة خلال تنقيبهم عن المكان الذي اعتقدوا أن سانجاي يخبئ ثروته فيه. وبعدئذ صودرت جوازات سفر الجميع، وألغيت رخصة الطيران. الخاصة بسانجاي خوفاً من أن يقوم بتهريب أمه بطائرته الصغيرة من وجه العدالة التي كانوا يعدون العدة من أجل اختراعها. أما الصحف التي يملك معظمها رجال أعمال وصناعيون بحاجة لدعم حكومي، فإنها لم تتردد في المشاركة فيما أصبح يعرف باسم «إنديراجيت»، ونشر كل أنواع القصص عن ابنة نهرو، دونما أية مسئولية. وشكلت لجنة خاصة لتقصي ما سمي «انتهاكات إنديرا غاندي للدستور والقوانين والأعراف والعادات والتقاليد والمواثيق والإجراءات والممارسات العامة». وكان من الطبيعي أن تعمد اللجنة المكونة من شخص واحد، هو القاضي الذي استثنته إنديرا من الدور عند تعيين رئيس المحكمة العليا قبل سنوات، إلى ما لا يختلف عن المهزلة بشيء في إجراءاتها. كان هناك دوماً حضور من العامة المستعدين للصراخ وتغطية أية شهادة لصالح إنديرا، فيما كانت مكبرات الصوت تخرج على الحياة فجأة لتبدأ بنقل أي شهادة ضدها إلى الجمهور المتجمع في الخارج. وفي نهاية المطاف، طلبت إنديرا للشهادة فيما يتعلق بـ 11 نقطة، فرفضت المثول أمام اللجنة مؤكدة عدم دستوريتها وعدم قانونية إجراءاتها. وفي 3 أكتوبر 1977 قامت قوة صغيرة باعتقالها. وقد رفضت الذهاب مع القوة إذا لم يتم تكبيل يديها. وتمهلت في الأمر كثيراً حتى كان المصورون والأنصار والمحامون قد وصلوا، والتقطت عشرات الصور. وبعد ليلة وحيدة في مركز الشرطة، اقتيدت إلى مكتب نائب عام رفض توقيفها لعدم كفاية الأدلة أو موجبات الاعتقال. وهكذا ارتكب حزب جاناتا وقادته وهم الذين أعلنوا مبتهجين بعد الانتخابات أنهم سيلقون بإنديرا في مزبلة التاريخ غلطة لا تغتفر فتحت لإنديرا باب العودة السياسية المظفرة. وبعد أشهر من إضاعة الوقت في التوافه ومحاولات إساءة السمعة، انتهت اللجنة إلى لا شيء. وقد اختارت إنديرا أن تبدأ العودة متسلقة على سلم أخطاء جاناتا. وكان من أهمها فشل الحكومة في اتخاذ أي إجراء لإيقاف سلسلة من أحداث العنف المذهبي والطبقي. فسارعت هي إلى هناك، على الرغم من الآخطار ونجحت في وضع حد لعمليات العنف التي أودت بحياة الكثيرين. كما أنها استغلت إقدام قوات الأمن على فتح النار على طلبة كلية زراعية متظاهرين، ومقتل 81 شخصا بنيرانها. فذهبت إلى ولاية أوتار براديش حيث الكلية. وأمضت يومين في جولات ميدانية تواسي أهالي الضحايا وتخاطب الجماهير. وقبل عودتها كانت إنديرا قد استعادت شعبيتها في هذه الولاية التي لم ينجح فيها أي من مرشحي حزب المؤتمر في الانتخابات الماضية. المطاردة المحتومة انتهت أعمال اللجنة القضائية من دون نتيجة، وأصدرت الحكومة ما زعمت أنه خلاصة ونتائج الإفادات والشهادات المقدمة بصورة انتقائية تهدف، إن لم يكن لإدانة إنديرا، لإلقاء اللوم عليها في مسببات إعلان حالة الطوارئ والاعتقالات التي صاحبتها. ولم ينتج عن الكتاب الذي صدر في ثلاثة أجزاء أي شيء باستثناء الكشف عن أن أشرطة التسجيل التي حملت شهادات المدافعين عن إنديرا اختفت كلها. ولم يكن ديساي الذي أصبح رئيساً للحكومة على استعداد للمجازفة باعتقال إنديرا ثانية، بعد أن تحولت نتيجة للاعتقال الأول إلى بطلة. لكنه أمر باعتقال ابنها سانجاي وقدمه للمحاكمة بتهم ترهيب الشهود الذين شهدوا ضد أمه، وحكم عليه بالسجن شهراً. مع هدوء حملة المطاردة الموجهة ضدها شخصياً، ضاعفت إنديرا نشاطها ولم تهدر لحظة من وقتها من دون استغلاله للسفر والالتقاء بالجماهير الفقيرة في شتى أصقاع الهند. وفيما كانت تعيد بناء صرح شعبيتها من جديد، كان حزب جاناتا يفقد تدريجياً من شعبيته التي حملته إلى السلطة بعدما اكتشف الناس أن التحالف كله همه الوحيد الانتقام من إنديرا شخصياً. بل إنه يمكن القول ان حزب جاناتا ساعد إنديرا في حملتها عبر أدائه السيئ، بحيث أن الناس أخذوا يتحسرون على أيام إنديرا الذهبية وحتى على النظام المتميز الذي ساد خلال فرض الأحكام العرفية. كما خدمتها أيضاً الزيادات المتلاحقة في الأسعار بعدما أطلق سراح ألوف المهربين وناشطي السوق السوداء الذين كان نشاطهم قد أوقف بالقوة أثناء عهد إنديرا. وما لبث التحالف الواهي الذي وحد صفوف الخصوم أن أخذ يتلاشى نتيجة الخلافات على المناصب والمغانم. وفيما كان حزب جاناتا يدمر نفسه وينتحر سياسياً كانت إنديرا تستعيد تألقها وتستعد للخطوة التالية، وهي خوض الانتخابات المقبلة بقوة. وفي نوفمبر 1978، رشحت إنديرا نفسها في ولاية كارناتاكا، وأوفد حزب جاناتا أحد أقوى شخصياته لتنظيم حملة منافسها, لكن سحر إنديرا وشعار ''ماما إنديرا'' اكتسح الموقف والنتيجة التي حملت إنديرا إلى البرلمان بفارق سبعين ألف صوت. وبعد أربعة أيام من ظهور النتيجة، قامت بزيارة لبريطانيا في أول خطوة لإعادة بناء علاقاتها الدولية. وكانت حكومة جاناتا قد رضخت للضغوط الدولية وأعادت لإنديرا جواز سفرها الدبلوماسي، لكنها ارتكبت خطأً آخر، إذ انه كان يسمح لها بالسفر لبريطانيا فقط. وكان هذا الدليل الذي تعمدت إنديرا إبرازه للصحافيين دليلاً جديداً على مدى الاضطهاد والتآمر اللذين تتعرض لهما. وواصل جاناتا ارتكاب الأخطاء القاتلة، فأقدم خلال زيارتها إلى لندن على نزع عضويتها في البرلمان بذريعة أنها عطلت سير العدالة خلال التحقيق في شركة سيارات ابنها سانجاي. واعتقلت فور عودتها، بعد خطاب هازئ أمام البرلمان لتقضي أسبوعاً في السجن. وبلغ عدد القضايا التي حيكت ضد سانجاي على مدى العامين ونصف العام التي قضاها جاناتا في السلطة 35 قضية لم تثبت صحة واحدة منها.وفي مطلع يونيو 1979، أصبح الخلاف بين زعماء جاناتا علنياً، فاضطر الرئيس لحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. وبهذا يكون حزب جاناتا قد أنهى بنفسه عملية انتحاره التي استغرقت طيلة بقائه في السلطة. عودة مظفرة في حملة الانتخابات التي جرت في يناير 1980، قضت إنديرا 62 يوماً على الطرقات، فقطعت أربعين ألف ميل، واستمع إليها نحو تسعين مليون ناخب، أي ربع عدد ناخبي الهند. وقد نجحت الحملة بصورة مذهلة،إذ أن إنديرا لم تكتف بالنجاح الساحق في دائرتين انتخابيتين (أمر يسمح به القانون الهندي)، بل حملت معها إلى البرلمان 351 نائباً، بينهم ابنها سانجاي، من أصل 542. وكانت أبرز عناوين الصحف يومها: إنديرا تعود في كل مكان. وما لبثت أن عادت لرئاسة الحكومة. لكنها قبل أن تعود لبيتها نفسه الذي أجبرت على تركه قبل أقل من ثلاث سنوات، أرسلت عشرة من رجال الدين الهندوس لتلاوة الصلوات فيه وتطهيره من الدنس الذي خلفه عدوها اللدود ديساي. وعدما سألها صحافي نرويجي كيف تشعر وهي تعود لقيادة الهند من جديد، أجابته غاضبة: لقد كنت قائدة الهند على الدوام. لكن الأقدار كانت تعد العدة لمأساة من نوع جديد. وكان على إنديرا هذه المرة أن تتذوق لوعة الثكل. ففي 23 يونيو 1980، بينما كان سانجاي يقود طائرة جديدة فوق دلهي، فقد السيطرة عليها بينما كان مندفعاً للأسفل، وكانت نهايته. وعندما بلغ الخبر أمه، أسرعت لمكان الحادث، ورفعت البطانية الحمراء التي كانت تغطي وجه سانجاي، تأملته قليلاً، ثم غطت وجهها براحتيها لبعض الوقت، ثم اعتدلت ومضت إلى سيارة الإسعاف التي نقلت جثته وجثة مدربة كانت ترافقه إلى مستشفى قريب. بعد الحادثة بأيام، اشتدت الضغوط من جميع الأطراف على راجيف لدخول معترك السياسة، واضطر للرضوخ مدفوعاً بشعور الواجب. وكان راجيف يعمل طيلة الوقت طياراً لدى الخطوط الجوية الهندية. ولم يلقَ قراره قبولاً لدى مثقفي البلاد. فقد رأى هؤلاء أن راجيف لم يكن يتمتع بأي خبرة سياسية. وأن الشيء الوحيد الذي يجمعه مع والدته هو جيناته. لكن الجماهير التي كان لها رأي مخالف، حملته إلى البرلمان مكان أخيه بفارق وصل إلى ربع مليون صوت. تميز عهد إنديرا الجديد بالقلاقل التي انتشرت في أسام والتي أثارها السيخ. وقد حاول سانجاي إخمادها عبر تنفيذ سياسة فرق تسد. وهكذا عثر على قائد مغمور من السيخ، وانتخب هذا نائباً في الولاية. ثم تمرد على آل نهرو، وما لبث أن غدا بطلاً جماهيرياً لدى السيخ إثر اعتقاله في جريمة قتل، ثم إطلاق سراحه. واندلعت أحداث دينية بين المسلمين والهندوس وذهب ضحيتها الكثيرون. كما أن تحول أعداد كبيرة من المنبوذين إلى الإسلام أو المسيحية، كطريق وحيد للخلاص من عبودية طبقته، أشعل ضدهم حركة تقتيل واسعة التهمت أكثر من ألف قتيل. ولم يخل بيت إنديرا من المشكلات التي اشتدت بين مانيكا، أرملة سانجاي وبقية أفراد العائلة، بعد أن شعرت مانيكا أنها خسرت المنافسة مع سونيا زوجة راجيف اللطيفة المهذبة. فأخذت مانيكا بتسريب معلومات من داخل البيت، عن أدق اليوميات إلى الآخرين، وباعت مجلة كانت قد أصدرتها إلى المتطرفين السيخ. وتصاعد الأمر حتى أن مانيكا أخذت تتحدث في اجتماعات عامة مناهضة لراجيف. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما نشرت بياناً في الصحف تتهم فيه حماتها بإساءة معاملتها جسدياً ونفسياً وتعذيبها بشتى الطرق التي تخطر على البال. وتم طرد مانيكا من البيت على مرأى من عشرات الصحافيين والمصورين. ومرت أحداث عديدة لتضيف المزيد الى المشكلات. وكان من بينها دورة الألعاب الآسيوية التي كلفت البلاد 3 بلايين روبية وأشرف راجيف بنفسه على الإعداد لها. لكن الحدث الذي بدأ صغيراً أخذ يكبر ككرة الثلج. بالسيخ الذين اعتبروا أن الحدث هدر للمال العام، قرروا منع قيام الدورة وأعلنوا أنهم سيتظاهرون يومياً في دلهي لمنع الدورة. واضطرت قوات الأمن لفرض طوق حول ولاية هاريانا لمنع وصول المتظاهرين السيخ إلى دلهي، واعتقل الألوف. وفشلت المفاوضات مع المتشددين السيخ في الوصول إلى حل مرضٍ. الحادثة والثمن بدأت عواقب الخلاف مع السيخ تتكاثر، وأخذت في بادئ الأمر صورة انفضاض الناخبين عن حزب المؤتمر في بعض الولايات، وكان بينها ولاية كشمير التي لقيت إنديرا خلال حملتها الانتخابية التي قادتها بنفسها عداء كبيراً وإذلالاً انتهى بمغادرتها سرينجار غاضبة. ثم لاحت في الأفق مشكلة جديدة في تاميل ناندو بين الأكثرية السنهالية والأقلية التاميلية. وكان للحرب التي يخوضها التاميل في سريلانكا أثر كبير في تغذية ذلك الخلاف الذي سرعان ما تحول إلى صدام ومواجهات. وكانت الحكومة الهندية في واقع الأمر تمد التاميل السريلانكيين بالأسلحة والذخائر. لكنها كانت في الوقت نفسه تدعو إلى تقاسم السلطة في سريلانكا واحدة. ثم جاءت حادثة معبد أمريتسار التي قامت القوات الهندية فيها باقتحام المعبد الذي حوله المتطرفون السيخ إلى قلعة ومركز يهاجمون منه يوميا الهند والهندوس، وتم ذلك في 6 يونيو 1984 وقد ألهب مشاعر السيخ في أرجاء الهند الدمار الشديد الذي ألحقته العملية في المعبد الذي يعدل عندهم كنيسة القديس بولص في روما بالنسبة للكاثوليك. وفيما خسرت القوة المهاجمة أكثر من 500 قتيل، لقي جميع السيخ المدافعين عن المعبد حتفهم وراء أسلحتهم. في الحادي والثلاثين من أكتوبر كان على إنديرا أن تدفع الثمن. ولم يكن السيخ ليقبلوا بأقل من رأسها. وهكذا قام اثنان من حرسها الشخصي بإفراغ 26 رصاصة في جسدها. وكانت تلك نهاية السيدة التي بدأت حياتها وأنهتها في خدمة بلدها، وغدت أسطورة حية في حياتها ومماتها.