في خريف 1962 اندلعت الحرب الصينية الهندية دونما سابق إنذار. كانت هناك تحرشات صينية ومناوشات هنا وهناك واحتلال للتيبت، لكن وزير الدفاع الهندي آنذاك كريشنا مينون لم يلق بالاً للتحذيرات والمعلومات الاستخبارية. وخلال أيام اندفعت القوات الصينية لتحتل قرابة مئة ألف كيلومتر مربع من أراضي الهند، ثم انسحبت بعد أن أدت مهمتها، وهي إفهام دلهي بأن لا تجازف بإغضاب بكين ثانية. وأدت العملية لإذلال لم يسبق له مثيل، وتصاعدت الأصوات المطالبة بتحميل مينون المسئولية وباستقالته. وعلى الرغم من مكانته الرفيعة لديها، فإن إنديرا ضمت صوتها لتلك الأصوات، وما لبث نهرو أن استسلم للدعوة، فأقال مينون. وفي هذا الإطار، أبلغت إنديرا أحد أصدقائها: كل من لا يؤدي ما عليه يجب أ ن يرحل، مهما علت مكانته. يجب أن يكون واضحاً أنه لا يوجد هناك شخص لا يمكن الاستغناء عنه. وتبين هذه الملاحظة كم كانت إنديرا أكثر حزماً في مثل هذه الأمور. أخذت إنديرا تفكر جدياً في مستقبلها، وماذا تنوي عمله في المراحل الآتية من حياتها. كانت أرملة في السادسة والأربعين من العمر، وأماً لصبيين مراهقين. وكانت مواردها المالية محدودة، فهبت صديقتها دوروثي لمساعدتها. وكانت إنديرا قد أبلغت صديقتها أنها تود أن تغادر الهند مع ابنيها وتسكن في بريطانيا. لكن الغزو الصيني وما أعقبه من تراجع مكانة نهرو قلبا خططها رأساً على عقب. لقد أصبح واضحاً أن أيام نهرو في السلطة باتت معدودة. وأخذ التساؤل من سيخلفه يتردد بصوت أعلى، بعد أن كان مقتصراً على الهمس الخفي. وكان اسمها من الأسماء التي أخذت تطرح علناً، مع أسماء موراجي ديساي، زعيم الجناح اليميني في الحزب، وكريشنا مينون، ولال بهادور شاستري زعيم الجناح التقدمي وشافان، ونارايان، وباتيل، وموهان كاول. ثم برزت إلى العلن خطة اقترحها رئيس وزراء مدراس كاماراج لإحياء الحزب عن طريق تقديم كبار المسئولين في الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات استقالات جماعية والتفرغ للعمل الحزبي. وأثارت الخطة سخط ديساي الذي اتهم نهرو بأنه وراءها، وأنه يهدف لتمكين ابنته من خلافته عبر إبعاد المنافسين الأقوياء. لكن نهرو نفى ذلك بشدة، مشيراً إلى أن الديمقراطية البرلمانية تلغي آلياً الوراثة السياسية. وفي أغسطس 1963، تبنى نهرو الخطة، واختار ستة وزراء فيدراليين ليستقيلوا (بمن فيهم ديساي وشاستري) وستة رؤساء حكومات ولايات (بمن فيهم كاماراج نفسه الذي سيختار قريباً رئيساً للحزب). والحقيقة أن كاماراج كان يعمل بالتنسيق مع عدد من مسئولي الحزب الذين يتمتعون بدعم شعبي كاسح في ولايات مهمة. وفي أكتوبر 1963 التقت تلك المجموعة وقررت أن قيادة جماعية يرأسها شاستري هي التي يجب أن تخلف نهرو. كما قررت السعي لتقليص نفوذ اليمين بقيادة ديساي. وأخذت الأحداث بالتسارع. وفي 8 يناير 1964 أصيب نهرو بذبحة قلبية بينما كان يهم ببدء خطاب في الاجتماع السنوي لقيادة الحزب. وتركته الذبحة مصاباً بشلل جزئي عطله عن العمل أسابيع عديدة. وخلال ذلك تقدم عدد من قادة الحزب بطلب لإنديرا بأن تتولى إدارة الأمور بصفة نائب رئيس الوزراء، لكنها رفضت ذلك لأنها لم تكن عضواً في الحكومة أصلاً، ولا تشغل منصباً بالانتخاب الشعبي. وتكاثرت الشائعات آنذاك بأنها كانت تدير الشئون العامة من خلف الستار. لكنها نفت ذلك بشدة رغم أن بعض المقربين يقولون أنها كانت سعيدة بسبب تلك الشائعات. وما لبثت الشائعات على أي حال أن خمدت بعد إعادة شاستري للحكومة وزيراً بدون حقيبة، حيث كان يشرف على سير الأمور. ثم قامت إنديرا في منتصف إبريل بزيارة خاطفة لنيويورك. وهناك حاصرها الصحفيون بسؤال: هل ترغبين أن تصبحي رئيسة وزراء الهند المقبلة؟ فكانت تجيب بدون تردد: لا أريد. موت نهرو إلا أن الأحداث لم تسمح لإنديرا أبداً بتنفيذ خططها السرية الخاصة بالعيش خارج الهند. فبعد أيام من عودتها مات نهرو بنوبة قلبية شديدة. وكانت الصدمة كبيرة جداً على إنديرا. صحيح أن علاقتها بأبيها كانت قد فقدت الكثير من حيويتها بعد إصرارها على الزواج من فيروز، لكنها كانت في الحقيقة الظل الذي لم يفارق نهرو أبداً. ولا شك أن ذلك القائد الكبير كان كثيراً ما يبحث عن النصيحة لدى ابنته الوحيدة. بدأت معركة خلافة نهرو فور وفاته. وبعد ثلاثة أيام فقط زارها شاستري ليرجوها حرفياً: يجب أن تتولي مسئولية البلاد. لكنها رفضت. وأبلغته بان حزنها أعظم من أن يسمح لها بخوض انتخابات أو تولي مسئولية. ثم ما لبث ديساي أن انسحب كارهاً من المنافسة لصالح شاستري الذي كان يحظى بشعبية كبرى على الرغم من حجمه الضئيل (كان طوله أقل من 150 سنتمتراً). وفجأة تحول الرفض إلى قبول بمنصب وزيرة الإعلام التي عرضها عليها شاستري، بعد خطاب ملتهب أمام البرلمان أعلن فيه أن وجود شخص من آل نهرو في حكومته ضروري لاستقرار البلاد. كما قرر البرلمان تحويل المنزل الحكومي المخصص لوالدها الراحل إلى متحف خاص به ومكتبة تحمل اسمه. لماذا قبلت إنديرا فجأة بهذا المنصب الوزاري بعد رفضها تولي أمور البلاد. التفسير الوحيد المقنع الذي تطرحه هي في رسائلها لدوروثي هو الحاجة المادية. وقد يكون ذلك حقيقياً فهي لم ترث من أبيها أي شيء يدر دخلاً ثابتاً. ولم تكن تمتلك بيتاً في دلهي. وهذا المنصب يوفر لها راتباً ومنزلاً. وتم تجاوز العقبات القانونية التي تحتم على الوزير أن يكون عضواً في البرلمان بتعيينها عضواً في المجلس الأعلى بمرسوم من رئيس الهند. لكن إنديرا كما يتبين من رسائلها وشهادات المقربين لم تكن مرتاحة للعمل تحت قيادة شاستري رغم أنه اعتبرها في المركز الرابع في ترتيب الأهمية بين وزرائه. ويبدو أن ذلك الشعور بدأ عندما اختار شاستري سواران سينغ لمنصب وزير الخارجية، لأنها كانت ترى أنه كان يجب أن يستشيرها في هذا الاختيار خصيصاً لأنها سبق لها أن رفضت هذا المنصب بسبب ما سيتطلبه من تكريس كامل. كان أول نشاط لإنديرا بعد توليها منصبها قيامها بجولة واسعة شملت لندن وبلجراد (حيث اجتمعت بالرئيس تيتو) وموسكو (اجتمعت مع ألكسي كوسيجين). وقبل مرور وقت طويل قامت بزيارات لفرنسا فالولايات المتحدة، ثم يوغوسلافيا فكندا، وأتبعتها بمنغوليا وبورما وموسكو ثانية. وكان واضحاً أن الدور الذي قررت أن تلعبه كان يتعدى حدود وزارة الإعلام. بل إنها في حالات عدة تدخلت في أمور خارج اختصاصها، مثلما حدث في اضطرابات مدراس في مارس 1965، عندما نزلت إلى الشارع وأوقفت الأحداث. وفي أغسطس اندلعت اشتباكات حدودية في كشمير بين الهند وباكستان وصادف ذلك وصولها لسرينغار عاصمة الولاية. ورغم طلبات شاستري الملحة لها بالعودة لتخوفه من سقوط المدينة بيد الباكستانيين، لكنها رفضت وزارت الجبهة أثناء المعارك، مما أثار تأييداً واسعا لها في الصحف التي قالت عنها «إنها الرجل الوحيد في حكومة من النساء!» ومقابل ذلك تحول شاستري بعد أيام عندما هزمت قواته الباكستان إلى بطل قومي. وقد ضايق ذلك إنديرا التي بدأت بحشد المحازبين فيما أخذ هو يخطط للخلاص منها وإرسالها بصفة مندوب سامٍ للهند لدى بريطانيا. ولم تكن إنديرا لتقبل بالانسحاب دون معركة. زوال العقبة لكن القدر كان له رأي آخر. فبعد أشهر من المناوشات والغمز واللمز، توجه شاستري في 3 يناير 1966 إلى طشقند للاجتماع بالرئيس الباكستاني أيوب خان بوساطة سوفييتية. وفي العاشر من يناير توصل الاثنان لاتفاق ينهي العداوات. وفي فجر اليوم التالي أصيب شاستري بنوبة قلبية مفاجئة قضت عليه بعد أن مكث في السلطة 19 شهراً فقط. وبموته تكون العقبة الثالثة بين إنديرا والمجد قد زالت. الأول كان زوجها فيروز، والثاني أبيها نهرو، والثالث شاستري. الآن أصبح الطريق مفتوحاً والباب مشرعاً. وكل ما بقي عليها انتظار اللحظة الحاسمة التي سترفعها إلى القمة. بعد أيام قليلة من وفاة شاستري وصل عدد المتنافسين على منصبه إلى سبعة. وكان أهمهم ديساي. لكن كفة إنديرا ما لبثت أن رجحت عندما خدمتها ظروف كثيرة. كان ديساي على عكسها هندوسياً متطرفاً يكرهه المسلمون والأقليات الأخرى، وكان كاراماج الأقوى حزبياً ولكن الأضعف انتخابياً بسبب جهله للغتين الإنجليزية والهندية، فقرر دعمها. كما أن اقتناع بقية القادة أنها امرأة ضعيفة جعلتهم يميلون صوبها اعتقاداً منهم أنها ستكون أداة طيِّعة في أيديهم عند الحاجة. إضافة إلى ذلك، نجحت إنديرا قبيل وفاة شاستري في حشد تأييد ثمانية من أقوى رؤساء وزراء الولايات، وهو ما غفل عنه ديساي. ويمكن القول ان ما جعل إنديرا تبرز كمرشح إجماع هو عيوب المرشحين الآخرين أكثر مما هو نتيجة لمزاياها هي. وبعد أربع ساعات ونصف من المداولة في اللجنة الانتخابية العليا للحزب تم اختيار إنديرا لرئاسة الحكومة بأغلبية 355 صوتاً ضد 169 صوتا لديساي. وفي 24 يناير حلفت اليمين لذلك المنصب. وكانت تلك بدايتها الحقيقية. لم تكن البداية سهلة، وذلك أمر متوقع. فالذين دعموا ترشيح إنديرا كانوا إما من الأنصار القدماء أو من الباحثين عن الغنائم. وكان هؤلاء يشكلون الأكثرية. وقد تبين لإنديرا منذ أيامها الأولى في السلطة أنه لزام عليها أن تتعاون معهم وأن تعمل تدريجياً في الوقت نفسه على سحب البساط من تحت أقدامهم. وإذا كانت قد سلمت بعدد من مطالبهم أثناء تشكيلها الحكومة، مجسدة بضرورة الإبقاء على بعض الرموز الشاسترية التي لم تكن تود بقاءها، فإنها أثبتت بعد أقل من ستة أشهر، عندما اتخذت قراراً بتخفيض الروبية بنسبة 5ر57%، أمرين، أولهما قدرتها على اتخاذ قرار لا يحظى بالشعبية، وثانيهما أنها ليست ألعوبة بيد أحد. وقد أدت خطوة تخفيض العملة لردود فعل سيئة أودت بالكثير من التأييد الذي كان يلتف حولها. وزاد الطين بلة أن تعهدات واشنطن بتقديم شحنات القمح للهند ودفع البنك الدولي لإعادة تقديم الدعم للاقتصاد الهندي كانت تتحقق ببطء السلحفاة. وعندها أقدمت إنديرا على خطوة مفاجئة، هي الانتقال إلى أقصى اليسار. ذهبت إلى موسكو ووقعت بياناً مشتركاً هناك يدين بشدة القصف الأمريكي لفيتنام. ثم أمرت قوات الأمن بقمع مسيرة شارك فيها آلاف الهندوس المتطرفين المطالبين بتحريم ذبح الأبقار المقدسة في عموم الهند. وقد أمسكت قوات الأمن بزمام الموقف بقوة وعنف أديا لسقوط قتلى وجرحى. وسرعان ما أدى ذلك لارتفاع حاد في شعبيتها بين أوساط الهندوس العلمانيين والمسلمين والمسيحيين عموماً، وبصورة خاصة عندما أعلنت «لن أتراجع أمام حفنة من المدافعين عن البقرة». وعندما ازدادت ثقتها بنفسها، وكانت الانتخابات النيابية قد صارت على الأبواب، أعلنت: «السؤال هو من يريده الحزب ومن يريده الشعب. إن أحداً لا يستطيع منافستي في مكانتي لدى الشعب». وكان هذا أول تصريح لها يحدد سياستها للسنوات المقبلة: العلاقة بينها وبين القاعدة الانتخابية تتجاوز كل قواعد وتقاليد الحزب. ماما انديرا وفي انتخابات 1967، قررت إنديرا ترشيح نفسها في الدائرة التي كان زوجها الراحل يمثلها. كانت الدائرة تعرفها جيداً وكانت تأمل أن تبدو بصورتها الجديدة وكأنها وريثة حكمة نهرو واندفاع فيروز المتطرف ضد الفساد. وفيما تم انتخابها بأغلبية ساحقة، بعد أن أصيبت بحجر كسر أنفها بينما كانت تلقي خطاباً، فإن الكثيرين من الذين كانوا يخططون للإطاحة بها فقدوا مقاعدهم النيابية. لكن خصمها اللدود ديساي لم يكن منهم. وقد أدت خسارة الحزب 95 مقعداً وعودته بأغلبية هزيلة لا تزيد عن 44 مقعداً سبباً دفع قيادة الحزب للوساطة بينها وبين ديساي. واضطرت إنديرا للقبول بتعيين ديساي نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للمالية. وعندما حاولت أن تتنصل من قبولها، كان الوقت قد فات، وهي عالمة تماماً أنها ارتكبت خطيئة كبرى. أثبتت إنديرا على مدى السنوات الثلاث اللاحقة قدرة ممتازة على قيادة سياسة الهند الخارجية. وقامت بصفتها رئيسة للحكومة ووزيرة للخارجية بزيارة عشرات الدول، حيث أكدت مرة بعد مرة قدرتها اللامتناهية على التباحث بكفاءة مع رؤساء الدول والتخاطب مع وسائل الإعلام. وغدا اسمها على ألسنة الكثيرين في الدول التي زارتها في شتى بقاع الأرض. كما أنها طورت مهارة خاصة في التعامل مع الجماهير حتى أصبحت تعرف في الأوساط الفقيرة في الهند باسم «ماما إنديرا». في فبراير 1968 تزوج ابنها راجيف من الحسناء الإيطالية سونيا ماينو. وقد إنشغلت إنديرا بعض الوقت في الإعداد للزواج وغفلت بذلك عن التحالف الذي تم إبرامه خفية بين ديساي وحليفها بالأمس، كاراماج، الذي عاد للبرلمان في انتخابات فرعية. وقد تشجع الاثنان على ذلك في أعقاب خطوات اشتراكية واسعة اتخذتها إنديرا، وشملت التضييق على شركات التأمين، الإصلاح الزراعي، إلغاء مزايا الإقطاعيين. كما زادهما تصميماً ما أعلنته عن عزمها تأميم البنوك، وهي الخطوة التي نفذتها في 20 يوليو 1969، عندما قامت بتأميم 14 بنكا ًتجارياً. وكان الاختبار الحقيقي للقوة بين الجناحين على وشك أن يبدأ مجسداً في انتخابات رئيس البلاد الجديد. وكانت إنديرا قد كشفت تحالفات الخصوم، فأقدمت على إبرام حلف غير رسمي بين أنصارها في الحزب والشيوعيين والسيخ وغيرهم لتفشل مرشح خصومها. وعندما تحقق لها ذلك، اجتمع الخصوم وقرروا محاكمتها حزبياً، وأعقبوا ذلك بطردها من الحزب. إلا أن إنديرا لم تكتف برفض القرار، بل دعت جماهير الحزب لطرد «هذه الحفنة من المتآمرين على زعيم البلاد المنتخب ديمقراطياً». وأدت تلك الخطوة وما أعقبها من خطوات متبادلة لانقسام الحزب عملياً إلى قسمين: أولهما يضم الغالبية العظمى من القواعد والنواب، والثاني يضم بقايا الخصوم. وكان هذا يعني فقدانها لأغلبيتها النيابية. لكنها تمكنت اعتماداً على تحالفاتها التي أبرمتها بمهارة مع الشيوعيين وغيرهم من ممثلي الأحزاب الإقليمية الصغيرة من مواجهة وإفشال محاولات حجب الثقة عن حكومتها التي أقدم عليها خصومها.