الملف السياسي: يكتفي القادة في عالمنا العربي والاسلامي، حتى الآن، بتزوير الانتخابات والاستفتاءات والتاريخ احيانا فهو يجب ان يبدأ دائما منهم، اما في الغرب فانهم بدأوا بتزوير العلم والشعر وصورة الانسان في المستقبل، ومع ذلك فان العالم مازال بخير، لان تزوير ارادة الشعوب، كما عندنا، وينابيع الحياة، كما عندهم، مازال في الحالتين، مهمة مستحيلة. كان «البحار القديم» يلمح الصواري المتداعية للسفن الغارقة تلفظها الامواج على الشواطيء فيصرخ: ليست الاعماق هي ما يخيفنا بل الشواطيء الضحلة، تجذب البحارة المتعبين الى سريرها الرملي.. وتجعله مقبرة. الشاعر البريطاني كولردج صاغ من ملح الصواري وعواصف الحلم وصرخات اليم «اغنية البحار القديم» وصار البحر سيرة حياة وانشودة ومغامرة تشغل خيال الاجيال. ومع طيور النورس البيضاء تعانق مناقيرها البحر في سانتياجو، التقطت انامل الروائي ارنست هيمنجواي الصدى فاختزنته عشقا وأطلقته تحديا في مواجهة قوى القدر العاتية، قال الصياد الشيخ: «ايتها السمكة انت لا تستطعين قهري لان الانسان لم يخلق كي يقهر»، والصرخة مازالت ترددها الخلجان. البحار الوحيد ولكن البحر ما عاد بطل الرواية وقرصان الشعر صار واجهة ورفوفا وصالة عرض، شركة «تيير وير» البريطانية للصناعات البلاستيكية اخترعت بطلا، اسمته «البحار الوحيد» البريطاني دونالد كراون هيرست كان يملك شركة للمعدات البحرية الالكترونية، وكان على شفير الافلاس، الشركة عرضت عليه تمويل رحلة يطوف فيها بقاربه وحيدا حول العالم، ومحطة بي.بي.سي التلفزيونية منحته كاميرا لتصوير مراحل الملحمة، وهكذا في يوم 31 اكتوبر من عام 1968 انطلق دونالد بقاربه من بحر الشمال بعد ان حشد امام المصورين وعدسات التلفزيون كل مخزونه من الاطعمة والمعدات داخل علب «تيبروير» البلاستيكية الانيقة والى جانب العلب كانت شبكة من الاسلاك الكهربائية تغطي القارب وتنتهي تحت مقعد مريح جلس فوقه دونالد وهو يقول لرجال الاعلام: تحت هذا المقعد يختفي «صندوق الحيل» وهو من اختراع شركتي، انه جهاز قادر على كشف الاتجاه وحالات الطقس ومدى العمق، والرؤية عن بعد وجميع التفاصيل في مكائن القارب، بحيث استطيع تحديد مكان اي عطل في لحظات وبعد انتهاء سيرك الاعلان والدعاية ابحر دونالد وهو يبتسم وعندما ازاح المقعد اتسعت ابتسامته اذ لم يكن تحته شيء، وصندوق الحيل كان من اختراعه، ولكنه كان حيلة اخرى. «البحار الوحيد» لعب دوره كاملا، كان بارعا في الرياضيات وفي تحديد المواقع والمسارات البحرية، كان يرسل الى الشركة الراعية تفاصيل رحلته وكيف ان سرعته تمكنه ان يقطع ما يزيد على 300 ميل في اليوم، بينما هو في الواقع يقاتل في اصلاح اعطال المحرك، بعد ان تساقطت منه البراغي والعزقات وضاعت في اعماق المركب فيما نسي ان يحضر معه صندوق المعدات. وكان دونالد يراسل صحيفة «التايمز» البريطانية التي خصصت مبلغ خمسة آلاف جنيه استرليني ما يعادل 50 ألفا اليوم، للفائز ونجح في ان يحتل مناشيتات الصحيفة في عدة مناسبات، وكان البحار الوحيد يتحول الى اسطورة وهو يدور حول رأس الرجاء الصالح في زمن قياسي بينما هو في الواقع يطوف على شواطيء امريكا اللاتينية ويرسو خطأ على شواطيء الارجنتين. وعندما بلغته الانباء بأن قارب منافسه قد غرق، قرر ان يعود ليحصد الجوائز من تيبروير والبي.بي.سي ومن جريدة التايمز بينما كان وكيله يناقش عروضا عن بطولة افلام وكتابة مذكرات. ولكن دونالد لم يعد، وعندما عثروا على قاربه بعد 243 يوما من بداية الرحلة كان خاليا ولكنه كان حافلا بدفاتر اليوميات في ايامه الاخيرة، كما تكشف اليوميات جلس 150 ساعة متواصلة كتب خلالها 25 ألف كلمة، والى جانب دفاتر اليوميات عثروا على كلمات محفورة عند قمرة القيادة تقول: «انتهى كل شيء انتهى كل شيء انها الرحمة» لقد اراد دونالد تطويع الشعر للارقام والبحر للبلاستيك و.. لكن البحار القديم فيه انتصر وتحول الى رواية وأغنية وكتاب ضرب ارقاما قياسية في المبيعات بعد صدوره في بريطانيا مؤخرا. العلماء في خدمة الشركات ومن محاولة حصار البحر في وعاء من البلاستيك وتعليب المغامرة الانسانية الى محاولة تسخير العلوم البشرية لتتحول الى سمسار في سوق الاستهلاك وعلى ايدي شركات هي اقرب الى الشواطيء الرملية الضحلة تجذب اليها اساطيل المستهلكين وتصير لهم مقبرة. مجلة «الايكو نوميست» البريطانية حذرت مؤخرا في تعليق مدعوم بتحقيق من «لهاث الشركات الكبرى خلف الذهب». واستباحتها جميع الوسائل بما فيها المختبرات العلمية لترويج بضاعتها واقناع المستهلك بأن منتوجاتها تفيض بالصحة والعافية مع ان العكس قد يكون هو الصحيح، وتبدأ المجلة تعليقها بالعبارة التالية: ان العلماء في مركز ماكدونالد لأبحاث السمنة أثبتوا ان تناول وجبة من الهامبورجر في كل يوم يؤدي بالفعل إلى خفض مستوى الكوليسترول لدى المستهلك، وتعترف المجلة: حسنا، هذا ليس صحيحا، فقد اخترعنا هذه القصة، بعد ان أصبحت الأبحاث العلمية الممولة من الشركات الكبرى لهدف محدد واسعة الانتشار. وفي التحقيق تطرح المجلة قضية الأبحاث العلمية التي تقوم بها مختبرات الأبحاث بتمويل من شركات التبغ بمحاولة البرهنة علميا على فوائد النيكوتين للقلب والدورة الدموية، وموقف المجلات العلمية من هذه الأبحاث التي يقوم بها علماء كبار في مراكز أبحاث رصينة بحيث يصعب رفض نشرها. حروب ومعسكرات وما تقوله المجلة يفتح مخازن الذاكرة على فيض من هذه الأبحاث التي تتحول في وسائل الإعلام إلى حروب وجبهات من نوع الحرب بين القهوة والشاي حيث يحاول معسكر القهوة وبإمكانات تصل إلى ملايين الدولارات سنويا التأكيد للمستهلك ان فنجانا من القوة كل يوم يجعل من دماغه شعلة من الحيوية والذكاء، بينما يتصدى معسكر الشاي بحملة مضادة يؤكد فيها ان كوباً من الشاي في كل يوم يغنيك عن طبيب القلب، ومثله الصراع على جبهات زيت الزيتون والزيوت النباتية، وكذلك خطوط التماس الساخنة حاليا حول لحوم البقر والدجاج والسمك. وفي هذه المعارك وهي طاحنة إعلاميا يلجأ كل معسكر إلى مراكز الأبحاث الكبرى يدفع لها بسخاء كي تكتشف ولو عنصراً واحدا ايجابيا في انتاجه يستطيع ان يطلق استنادا عليه، حملته الدعائية وبالتالي يصير مفهوما كيف اننا كمستهلكين لم نعد نعرف ماذا نأكل أو نشرب، وصرنا حائرين ما إذا كان «شرش الزلوع» مقويا جنسيا أم يؤدي إلى العقم كما يقول معسكر الفياجرا! ومع ذلك مازلنا نمارس متعة الأكل والشرب لأن تجفيف ينابيع الحياة، كما تزوير إرادات الشعوب تبقى مهمة مستحيلة.