الملف السياسي: لم تبث وكالات الانباء العالمية عن اندونيسيا خلال العامين الماضيين سوى الاخبار السيئة وقد تكاثف دفق تلك النوعية من الاخبار خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة، التي تصاعد فيها النزاع السياسي الى قمته بين الفرقاء السياسيين الذين كانوا متآلفين واولئك الذين ظلوا على الدوام متشاكسين. من مأزق الى مأزق واذا كان عبدالرحمن واحد قد اختير لرئاسة الجمهورية كمحاولة لحل المأزق الذي نجم عن اندحار حزب «جولكار» برئاسة يوسف حبيبي، وفوز حزب (نضال الشعب) بزعامة ميجاواتي، فان واحد قد اصبح اساسا ومحورا للازمة وبطلاً لمسلسل فضائح متجددة لا تنتهي، انه لم يقدر ابدا ان أُتي به ليكون صمام امان، لا فتيلة تفجير، فراح يتصرف وكأنه زعيم مطلق يفعل ما يشاء فيحاصر نائبته ميجاواتي، ويبتزها بالتلميح ببعض فضائحها وينتقد كبار ضباط الجيش، ممن لايدينون له بكامل الولاء، وينذر اعضاء البرلمان بامكانية قيامه بحله اذا ما تطاول عليه مرة اخرى او شرع في اجراءات عزله. ابرز واحد عضلاته كثيرا وهو يصادم لكنه لم يبرز ادنى قدرات تذكر وهو يدير شئون الحكم، وبدا في صورة شبيهة بصورة نواز شريف الذي انطلق بمجرد فوزه في الانتخابات يقصقص اجنحة كل من يجد فيه جنوحا للمعارضة او الاستقلال بدءا برئيس الجمهورية ثم كبار جنرالات الجيش ثم قضاه المحكمة العليا واستمر في تنفيذ ذلك المسلسل الى ان اطاح به الجيش، نفس الطريق الذي خطا فيه واحد ليجد نفسه اخيرا في مواجهة سافرة مع نائبته ميجاواتي وحزبها ومع البرلمان ومع الجيش ولا يجد واحد حاليا من سند يدعمه سوى عمقه الطائفي في القرى والمدن الصغيرة، حيث تتمركز فروع جمعيته المسماة «نهضة العلماء» والتي يدعي انها اكبر جمعية في العالم، من حيث عدد الاعضاء الذي يبلغ نحو اربعين مليون عضو، وهو رقم مبالغ وبلاشك، والا كان واحد قد احرز في الانتخابات السابقة نتيجة افضل بكثير مما احرزه اذ لم يحرز سوى 11% من عدد مقاعد البرلمان. لكن اعضاء جمعية (نهضة العلماء) مهما كان عددهم قادرون اذا ما زحفوا نحو العاصمة، ان يسندوا ظهر زعيمهم الى حد ما وقادرون على ازعاج الجيش وارباكه اذا ما قرر ان يتحرك ليضع حدا لتجاوزات واحد. هذه هي العقبة الوحيدة التي تعطل عملية ازاحة واحد من السلطة، ولذلك يعمل الوسط السياسي الاندونيسي على اقناعه بالحسنى ليتخلى عن السلطة «بمحض ارادته» حتى يتجنب هو حرج الازاحة وعارها كما يتجنب الشارع الفوضى والصراع وسفك الدماء. حاول أمين رياسي رئيس المجلس البرلماني الاعلى، وزعيم حزب النهضة ان يقنع واحد باتخاذ قرار الاستقالة وذلك في انذار مبطن قدمه اليه، حيث طلب منه ان يتخذ ذلك القرار قبل ان يقوم المجلس البرلماني الادنى باحالة امره الى البرلمان الاعلى، مشيرا الى ان المجلس البرلماني الاعلى، سيجد نفسه مضطرا لادانه واحد بنفس التهم، التي ادين بها هناك ولكن هذه الاجراءات اثارت سخط واحد، ولم يجد ما يصفها الا انها اجراءات «غير» دستورية ذكر ذلك مرارا، وذكر اخيرا في لقائه بمركز ابحاث القوات المسلحة الذي استضافة في الاسبوع الماضي ليتحدث في الموضوع فقال انه مستعد لاعطاء اي تنازل يطلب منه، بشرط الا يتعارض ذلك مع الدستور وناشد الامة كلها لتقف معه اذا اقدم البرلمان على خرق الدستور. ولما سئل ادهى مسادري المتحدث الرسمي باسم واحد ليفسر تلك العبارة ذكر بأنه يقصد بها امثال تلك المساعي والاقتراحات التي ابداها امين رياسي وسواه، والتي تريد من واحد ان يتنازل عن سلطاته التنفيذية لميجاواتي، ويذهب هو كبش فداء للوطن، قال مسادري ان تلك المساعي والاقتراحات تتناقض مع الدستور، الذي لايجعل الرئيس كبش فداء، وانما يجعله رمزا لاستقرار البلاد، بما يعطيه من سلطات كبيرة، تخوله اتخاذ القرارات اللازمة لاخماد الفتنة ولو تضمن ذلك حل البرلمان. تحالف الجيش والبرلمان وهنا هب رئيس البرلمان ليحذر واحد من حل البرلمان قائلا: ان الرئيس على تلك الخطوة، سيتبعه رد فعل عنيف، ليس فقط من جانب البرلمان فحسب بل ومن الجيش، والبحرية، والشعب، والمجتمع كذلك. ومصداقا لقول رئيس البرلمان اكد الجيش تضامنه مع البرلمان واقدم كبار قادة الجيش «باستثناء سلاح الطيران» تحذيرات منفصلة تحذر من المبادرة بحل البرلمان، او اعلان حالة الطواريء واعلن رئيس الاركان اندويا تونو وهو الجنرال الذي اختاره واحد نفسه للمنصب بديلا عن الجنرال ويرانتو، اعلن معارضته لحل البرلمان قائلا: ان اصدار الرئيس لقرار بذلك يعني اصابة الديمقراطية بمقتل وعندما سئل عن رد فعل الجيش على احتمال اعلان واحد لحالة الطواريء كمقدمة لحل البرلمان، اجاب: لا ادري إن كان ذلك سيتم ام لا، ان ذلك امر متروك للرئيس ولكن ما أعرفه جيدا هو اننا حذرنا الرئيس بوضوح من ان يلجأ لاصدار مثل تلك القرارات. ان الصراع بين واحد والجيش هو الوجه الآخر للازمة، لان واحد المعروف بابتزاز خصومه، واضعافهم واخضاعهم بذلك الابتزاز الى استخدام ذلك السلاح ضد الجيش واستثمار التهمة الجاهزة التي تطلقها جماعات حقوق الانسان ضد الجيش الاندونيسي من انه ملوث بدماء تيمور الشرقية، ليستخدمها ضد كبار القادة غير المرضي عنهم، فيصدر قرارات مهمة بعزلهم، وهو الامر الذي كتّل ضده قيادات الجيش، من عزل منهم ومن لايزال على الخدمة وهكذا. رصدت مؤخرا سلسلة اجتماعات لكبار جنرالات الجيش، شهدها قائده السابق ويرانتو والجنرال سيوترسنو، الذي عمل نائبا للرئيس الاسبق سوهارتو وقد نوقشت في تلك الاجتماعات تطورات الوضع السياسي، واحتمالات اتجاه لتنفيذ حملة فصل واسعة لكبار ضباط الجيش، قبل قيامه بحل البرلمان. ومما يشير الى اتجاه نوايا القادة قيامهم بالاجتماع بنائبة الرئيس ميجاواتي حيث ناقشوا معها ثلاثة امور اولاها: احتمال فصل الضباط، وثانيها: اعلان حالة الطواريء وثالثها: حل البرلمان، وبسبب ذلك الاجتماع قامت ميجاواتى بالغاء رحلة لها الى جاكرتا كانت تستهدف حشد الدعم الشعبي في مواجهة واحد. الخيار المستنفذ قبل تسعة عشر شهرا جاء البرلمان بواحد حتى لاتتولى ميجاواتى الحكم وذلك عندما ثارت ثائرة العلماء، اعترضوا من ناحية مبدئية على تولي امرأة لرئاسة الجمهورية فكان الخيار هو ان يتولى واحد المنصب والآن لا يجد البرلمان مرشحا للمنصب سوى ميجاواتى وحدها لان التالي في القائمة هو امين رياسي، وهو يتولى حاليا رئاسة المجلس البرلماني الاعلى. بنهاية شهر مايو الماضي قرر البرلمان الادنى في شأن احالة امر واحد الى البرلمان الاعلى في اجتماع البرلمان الادنى في 30 مايو الماضي، غير ان واحد رفض قبول قرارين سابقين للبرلمان بادانته وشجبه ولم يقدم اي تنازل وفي تلك الحالة سيكون امام الرئيس شهران، بانتظار استلامه لقرار العزل في البرلمان الاعلى، وهو ذات المجلس الذي يرشح لمنصب رئاسة الجمهورية، انهما شهران سيشهدان استقطابات وتوترات شتى وحافلان بكل انواع التناقضات والانفجارات، الآن بدأت الشركات الاجنبية الكبرى تتحسب لهذين الشهرين ولم يأن لشركتي ايكسون/ موبيل المتحدتين لايقاف واغلاق حقول الغاز الطبيعي الا من باب المخاوف. وهناك اجراء واحد فقط يمكن ان يقرر مصائر الاستقطاب والتوتر والانفجار ان يحكم واحد ضميره الديني والوطني، عن مواجهة الجيش والبرلمان ثم يقرر طواعية قبل ان يقال.