الملف السياسي: تفجرت الإدارة الأمريكية والاعلام الأمريكي بالغضب والغطرسة كقنبلة طارت شظاياها في كل مكان لدى سقوط أمريكا في انتخابات لجنة حقوق الانسان بتاريخ الثالث من مايو الجاري، بعد ان احتفظت بعضويتها في هذه اللجنة أكثر من نصف قرن. وقد صبت أمريكا حقدها على حلفائها الذين فازوا مثل فرنسا والسويد والنمسا وساوت بين خروجها من اللجنة وانتخاب السودان لعضويتها. ومن الواضح ان الاستياء الأمريكي لا يقتصر على الدول العربية أو على دول عدم الانحياز. قال سفير فرنسا في الأمم المتحدة تعليقا على ذلك: ان فوز فرنسا يعود لاتباعها سياسة خارجية تقوم على قاعدتين من الحوار والاحترام. في حين قال السفير الصيني ان سقوط الولايات المتحدة من اللجنة يعود إلى (تقويض الولايات المتحدة لمناخ الحوار). يتضح من التصريحات المذكورة ان هناك تباينا بين أسلوب التفكير الأمريكي وطبيعته وأسلوب الاتحاد الأوروبي والدول النامية. الأمريكيون لا يحاورون إلا لتحقيق مصالحهم وقاعدة الكيل بمكيالين معمول بها دوما وهناك دول ماتت فيها حقوق الإنسان ولكنها تحظى من أمريكا بالعطف والثناء. لقد نسي الرئيس بوش قوله أثناء الحملة الانتخابية: على الولايات المتحدة كقوة عظمى «وحيدة» أن تتواضع في تعاملها مع العالم لاننا لو تعجرفنا لكرهنا العالم» وهذا ما حصل فعلا. قال الكاتب البريطاني رئيس تحرير «الجارديان» السابق بيتر بريتسون: يبدو ان الأمريكيين يعتبرون أنفسهم السادة الجدد في العالم، روسيا فيه قوة مهمشة والصين تحتاج إلى التحجيم، فهم كسبوا الحرب الباردة لانهم دفعوا الاقتصاد السوفييتي إلى الانهيار دون أن يطلقوا طلقة واحدة. ولم يعد بالامكان حدوث سباق جديد للتسلح. يتابع بريتسون: يمكن أن يتحول الأمريكيون خلال عقدين باستخدام بلدوزر العولمة (الأمركة) والشركات العملاقة ومن خلال عسكرة الفضاء من جديد، إلى قوة كابحة بمنع ولادة أي منافس لهم وسيكون هذا هو السلام على الطريقة الأمريكية. مازالت الادارة الأمريكية تستقصي أسباب طردها من لجنة حقوق الإنسان وبخاصة بعد صفعة خروجها من مكتب المخدرات الدولي في السابع من مايو الجاري وهي ترى ان خروجها من هاتين اللجنتين (حقوق الإنسان والمخدرات) لا يصب في جدوى الأهداف التي تعمل لها هاتان اللجنتان. في نيويورك تايمز قال الصحفي الصهيوني وليام سفاير بتاريخ السابع من مايو الجاري لقد انتصر الرقيق بقيادة الصين وكوبا وباهمال من الدبلوماسيين الفرنسيين المتملقين كسبا لرضى الطغاة العرب والأفارقة. وذهبت نيويورك تايمز إلى نقد وزير الخارجية كولن باول لانه كان غافلا عن ادراك طبيعة التصويت السري في لجنة حقوق الإنسان. لا شك ان الأوروبيين ممتعضون جدا من مواقف أمريكا الخاصة بالدروع الصاروخية التي هزت توازن العالم ومن تخلي أمريكا عن معاهدة كيوتو الخاصة بالاحترار العالمي للمناخ. ومن ناحية أخرى ان تورط الكثير من الدول الأوروبية في المشاكل البلقانية مرده إلى سياسة أمريكا الهادفة إلى تفتيت المجتمعات المستقرة وتحويلها إلى دويلات صغيرة تسهل السيطرة عليها. ولا شك ان مكانة أوروبا في احترامها لحقوق الإنسان والحوار السهل مع الدول المستهدفة من جانب أمريكا، سوف تتعزز مما يؤدي إلى تصاعد في منحى التحالفات لصالح العلاقات الأوروبية الدولية. ولقد كانت تعليقات الأمريكيين على فوز الأوروبيين في هذه اللجنة تتسم بالمرارة. وقد يكون تحليل هذه النتيجة المفاجئة، انها أبرزت مجموعة مهمة من الرسائل: الرسالة الأولى، تتمثل في رفض كثير من الدول استخدام الولايات المتحدة لقضية حقوق الإنسان، كسلاح سياسي لفرض الهيمنة الدولية على الدول، التي لا تقبل السياسة الأمريكية ولا تؤيد خططها بفرض سلاح المقاطعة والادانة على المخالفين. وقد توضح ذلك في المبادرة إلى التعبير عن الارتياح لهذه النتيجة من جانب الدول التي دأبت الولايات المتحدة على اتخاذ اللجنة ساحة لتوجيه الانتقادات إليها بسبب قضايا حقوق الإنسان. ومن هذه الدول كوبا وإيران والصين، خصوصا ان نتيجة الانتخابات جاءت في الوقت الذي تتبادل فيه الصين الاتهامات مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضايا في الدولتين. والرسالة الثانية، هي استنكار العالم للموقف الأمريكي من الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد عكست النتيجة المفاجئة مشاعر الاحباط لدى دول العالم للمعايير المزدوجة والسياسات الانتقائية في مجال حقوق الإنسان، والتناقض الواضح في دعم استخدام أسلحة وصواريخ الحرب في مواجهة حملة الأحجار الصغيرة، بما في ذلك قتل الأبرياء المدنيين والأطفال وتدمير المنازل والمنشآت وفرض الحصار وأساليب الضغط الاقتصادي والمعيشي في هذه الأراضي، فضلا عن الرفض المطلق باستخدام الفيتو ضد أي قرار بوقف الاستيطان غير المشروع، أو وضع قوات دولية فاصلة بين الطرفين. والرسالة الثالثة: ترتبط فيها معارضة المواقف الأمريكية في مجال حقوق الإنسان، بالتعبير عن عدم الرضى بصفة عامة من سياسات الادارة الأمريكية، وفي تعليق لممثلة جماعة مراقبة حقوق الإنسان (جوانا ويشلر) أشارت إلى ان العالم قد توافرت لديه أحقاد ضد الولايات المتحدة. والرسالة الرابعة: تثير حالة حقوق الإنسان في السودان بالذات، الغطرسة الأمريكية في أبعادها العدائية حيث أسفرت نتيجة التصويت عن انتخاب السودان لعضوية لجنة حقوق الإنسان عن مجموعة الدول الافريقية لفترة ثلاثة أعوام، وكان رد الفعل الأمريكي على ذلك شديدا، حيث لم يصدق الأمريكيون أن تصبح السودان عضوا في اللجنة وتفقد الولايات المتحدة مقعدها فيها. طبعا لم ننس أمريكا انها تآمرت مع عدد من الدول لمنع انتخابات السودان عضوا في مجلس الأمن، في العام الماضي. هل من حقوق الإنسان أن تزود أمريكا اسرائيل بالطائرات 16ئ لابادة شعب فلسطين.. لاسكان المهاجرين الصهاينة حتى 2020؟ إن إبعاد أمريكا عن لجنة حقوق الإنسان ومكتب المخدرات يعتبر نداء قويا أراد من خلاله الضمير العالمي رفض المعايير الأمريكية الجائرة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع قضايا الإنسان في العالم. ولا شك ان العبرة هنا تتعلق بالالتزامات الأخلاقية المطلوبة من أمريكا. أغلب الظن ان أمريكا سوف تستيقظ على كابوس الصراع العربي الاسرائيلي الذي لن يبقى في صالح اسرائيل إذا استخدم العرب أسلحة النفط. ـ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة