الملف السياسي: أثار خروج أمريكا من اللجنة العالمية لحقوق الإنسان ضجة كبرى لم تهدأ حتى الآن، فهي سابقة أولى في تاريخ لجان الأمم المتحدة، والتي تتربع أمريكا على عرشها في طمأنينة، ولكن لم تكد أمريكا، تستوعب اللطمة، حتى واجهتها لطمة أخرى وهي طردها من لجنة مكافحة المخدرات بينما تم اختيار بلدان مثل الهند، البرازيل، إيران، ولان الغضب الأمريكي لم يتوقف ضد المنظمة حتى تلك اللحظة، فقد ثارت التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء خروج أمريكا من هذه اللجان وبصفة خاصة حقوق الإنسان، وردود الفعل الأمريكية، وانعكاسات ذلك دوليا. حول هذه الأسئلة وغيرها، حاور «الملف السياسي» خبير شئون العلاقات الأوروبية الأمريكية روب فان ديرسلاف في لاهاي. ـ فُسرت عملية سقوط أمريكا في انتخابات اللجنة العالمية لحقوق الإنسان بأنها مفاجأة، فما هي الخلفية وراءها من وجهة نظركم؟ ـ على عكس معظم توقعات دوائر مراقبة السياسة الأمريكية الخارجية لم تأت عملية سقوط واشنطن في انتخابات اللجنة العالمية لحقوق الإنسان، أو طردها من لجنة مكافحة المخدرات مفاجئة، فقد وجدت مؤشرات لذلك سبقت هذه التطورات، وان لم يكن قد أتى الحدث على هذا النحو، فبالتأكيد كانت ستكون هناك ردود فعل تجاه السلوكيات السياسية الأمريكية على شكل آخر، حيث شهد العقد الماضي بشكل خاص ما يشبه «البلطجة السياسية الأمريكية»، التي تضمنت تعنتا في المواقف، ومحاولات كثيرة ومتكررة «لفرض الأمر الواقع» كما تريده واشنطن بالاسلوب الذي يحقق مصالحها، دون النظر لمصالح الأطراف الأخرى، ويشمل ذلك مجالات اقتصادية وأمنية متعددة. أيضا اتسمت تصرفات أمريكا خلال هذه الفترة وحتى الآن بظهور وتنامي «عقدة التفوق»، التي تتضح في مضمون ومسارات المفاوضات والمباحثات الدبلوماسية، ما يعلن عنها وما تبقى في اطار السرية، سواء المؤقتة أو الدائمة، وكثيرا ما تتضمن تقارير الدبلوماسية الأوروبية على المصاعب وتباين وجهات النظر مع نظرائهم الأمريكان، وهو الأمر الذي تؤكده أيضا نتائج المؤتمرات والمنتديات الدولية، وأذكر على سبيل المثال فقط بعضا من نماذج لخلفيات وتراكمات، لعبت دورا في عملية التصويت التي أدت لسقوط أمريكا في انتخابات اللجنة العالمية لحقوق الإنسان، وستلعب أدوارا في المستقبل: ـ وجود غضب أوروبي ضد أمريكا بسبب سياستها الأخيرة مع أوروبا في العديد من القضايا، في مقدمتها مشروع الدروع الصاروخية والذي تصر أمريكا على اتمامه غير عابئة بالرفض الأوروبي. ـ خطة أمريكا بالانسحاب من البلقان بقواتها لحفظ السلام. ـ انسحاب أمريكا من اتفاقيات دولية هامة لحظر أسلحة الدمار الشامل آخرها اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية التي تلوح بها أمريكا الآن. ـ رفضها التوقيع على اتفاقية كيوتو للحد من انبعاثات الغازات الحبيسة الملوثة للبيئة والمناخ العلمي. ـ رفضها التصديق على وثيقة انشاء محكمة جرائم الحرب الدولية. يضاف إلى ذلك العديد من الخلافات الاقتصادية التي تفاقمت منذ تولى بوش رئاسة بلاده، ومؤخرا رفضت أمريكا أن تعمل معها أوروبا في مشروع لنقل رواد الفضاء الأوروبيين للمحطة الفضائية الدولية، الأمر الذي اضطر أوروبا للجوء لروسيا، لان أمريكا اشترطت أبحاثا مكلفة لأوروبا حتى يتم التعاون معها، أيضا سبق ذلك مشاكل اقتصادية وخلافات أمريكية أوروبية، حول كميات تصدير الموز، واستخدام أساليب المعالجات بالهندسة الوراثية في المحاصيل الزراعية، وقد يكون مدهشا ان دولا كانت أمريكا تعتقد انها صديقة، تنكرت لها في التصويت، ودخلت اللجنة بلدان لم يكن متوقعا دخولها مثل العراق، ليبيا، الصين، وهي دول تلقى تحفظات ليست فقط أمريكية بل عالمية في مجال حقوق الإنسان، وهذا الاختيار يفسر مدى رغبة الدول بالأمم المتحدة في الكيد لأمريكا واحراجها دوليا، اضافة لذلك نجد قضايا أخرى لعبت أيضا دورا يفسر مدى رغبة الدول في تلقين أمريكا دروسا، أذكر منها: ـ وجوب غضب آسيوي ـ صيني ضد أمريكا، جانب منه متمثل في بعض الأسباب الأوروبية السالف ذكرها، وجانب آخر متمثل في حادث طائرة التجسس الأمريكية الأخيرة، وغضب الصين من توجهها لتسليح تايوان وامدادها بأسلحة أمريكية وأخرى خطيرة تحت دعوى أحقية تايوان في الدفاع عن نفسها. ـ وجود غضب عربي، فالعديد من الدول تنظر الآن لأمريكا كبلد لا يعني من السياسة الخارجية شيئا إلا ما يتوافق مع مصلحته، فأمريكا انسلخت في الأشهر القليلة الماضية من رعايتها لعملية السلام. وتسبب الانسلاخ او مقولة «عدم الضغط على الاطراف» في تزايد حدة الصراع والعنف بين الجانبين. وهو الامر الذي اعتبرته الدبلوماسية العربية تشجيعا خفيا لاعمال العنف الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، وهناك غضب عراقي للاسباب المعروفة، وغضب ليبي من استمرار الضغوط الامريكية بسبب قضية لوكيربي، والتي لايزال ذيلها ممتد في كامب زايست بهولندا حيث اعتبرت ليبيا الحكم بالسجن المؤبد على المقراحي وتبرئة الامين خليفة قضية سيطرت عليها السياسة، وانتقصت من نزاهة القضاء الاسكتلندي بسبب ضغوط واشنطن. وفوق هذا كله هناك غضب من قبل الامم المتحدة نفسها، ومن السكرتير العام كوفي عنان حتى وان لم يعلن عنه، فقد تراكمت ديون امريكا للامم المتحدة والتي تمثل مستحقات عليها دفعها لتتمكن المنظمة الدولية من تسيير مؤسساتها، وقد بدأت الديون تتراكم في الثمانينيات منذ عهد الرئيس ريجان، وقد تم حل جانب بسيط منها في عهدي بوش وكلينتون، لكن هذا الحل لم يساهم في انهاء الازمة، وشعور المسئولين بالمنظمة الدولية بمدى العبث الامريكي الذي لا يبالي ان توقفت المؤسسات بسبب العجز المالي، وتحت قيادة كلينتون تم دفع جزء من الديون الامريكية، ولكن بعد ذلك استمرت الديون في التراكم وبقيت في ظل الوعود بالسداد، وعند تولي بوش منصبه تأرجحت الوعود بالسداد لهذه الالتزامات ولكن لم يتم هذا بصورة واقعية حتى الآن وحتى تم التصويت داخل هذه اللجان. ـ ولكن امريكا تمارس ضغوطها المعروفة داخل الامم المتحدة فلماذا لم تنجح ضغوطها هذه المرة؟ ـ يرجع هذا لعدة اسباب، اولا: التصويت يتم بصورة سرية وهذا يحفظ للدول خصوصيتها وسريتها في التصويت وحقها في حرية الاختيار دون اثارة لحساسية الدول التي سترفضها. ثانيا: منذ رحيل كلينتون وحتى وصول بوش للبيت الابيض لم يكن للامم المتحدة ممثل دبلوماسي او سفير لها بالامم المتحدة ولمدة اربعة اشهر، وقد مثل هذا غياب للتواجد الامريكي في مرحلة هامة لهذه اللجان، وكانت امريكا قد ركزت جهودها لاقناع الامم المتحدة بخفض ديونها، وهو الامر الذي تفاقمت الآن حدته حتى ان مجلس النواب الامريكي اعلن قبل ايام امكانية دفع 582 مليون دولار من مستحقات الامم المتحدة المتأخرة مقابل عودة امريكا للجنة حقوق الانسان وهي مقايضة مستحيلة ومحسومة منذ البداية وهذا يعني تنصل جديد من قبل امريكا من التزاماتها المالية. ـ على الرغم من الخلافات الامريكية الاوروبية التي ذكرتها نجد اوروبا حليفا استراتيجيا دائما لامريكا ويبدو ان الخلافات ليس لها تأثير قوى في دفع أوروبا نحو سياسة منفردة..؟! ـ قد يبدو هذا ظاهريا في مناسبات ومحكات كثيرة، لكن ما يحدث وراء الكواليس وعلى موائد المباحثات والمفاوضات الدبلوماسية يختلف، كما انه توجد مؤشرات لها ثقل سياسي ستغير موازين القوى في العالم مستقبلا وستحرم امريكا من دور القطب الواحد والانفراد بالنفوذ والسيطرة وحدها على اقدار الشعوب، ومن هذه المؤشرات اذكر ان لجوء الاتحاد الاوروبي لتكوين جيش اوروبي موحد امر لا يستهان به مطلقا، فهي خطوة استراتيجية، نعم.. تسير الامور في اوروبا وتوجهاتها السياسية بهدوء غير مألوف لدى العرب، ويبدو هذا ـ اذا سمحت لي من طبيعة سؤالك ـ فالعادات العربية والعواطف ساخنة عند ساسة العرب، وهذا نلاحظه ينعكس على كثير من المواقف السياسية للحكومات العربية ويدفعني الآن ذلك لقول انه بجانب القوة والنفوذ يوجد العنصر السيكولوجي في السياسة والحرب، فالجندي الذي يحارب بعقيدة روحية او ايديولوجية سياسية، ينتصر على عدوه الذي يملك اسلحة وقوة عسكرية اعلى، ايضا في السياسة يحدث ذات الشيء، فحينما يكون الطرف الدبلوماسي لديه عقيدة اي ان كانت، ينعكس ذلك على الطرف الآخر من مائدة المفاوضات. ـ هل تريد توضيح شيء بعينه من ذكرك للعرب؟ فسؤالي استشرافي يتعلق بمدى حدوث سياسة اوروبية منفردة؟ ـ اثرت توضيح ان الحكومات من الممكن لها ان تستثمر تباين وجهات النظر بين امريكا وأوروبا في كسب تأييد اوروبي للمواقف العادلة والمطالب العربية سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي او في مشكلة المشاكل «القضية الفلسطينية» والدور الاوروبي الذي تتمناه الدول العربية، وهذا يحقق نتائج جيدة بشروط اهمها: الدبلوماسية الهادئة بمعنى عدم تهليل العرب واعلامهم مع كل خلاف اوروبي امريكي، الامر الثاني هو وجوب توضيح مدروس وعملي لاوروبا، بأن الدول العربية ممكن ان تكون شريكا استراتيجيا فعالا في خلق توازن يسمح لاوروبا ان تكون بمساندة العرب منافساً قويا لامريكا.