الملف السياسي: في الثالث من مايو الجاري تلقت الولايات المتحدة هزيمة سياسية اعتبرت الأولى من نوعها منذ قيام الأمم المتحدة حيث فقدت مقعدين على التوالي وفي نفس اليوم، أولهما في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان المنبثقة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وثانيهما في المجلس الدولي لمكافحة المخدرات، وذلك عقب اقتراعين سريين تما في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة على المقاعد الثلاثة المخصصة للدول الغربية في كل منهما. وتبرز أهمية ذلك بالنسبة للولايات المتحدة بالنظر الى انها تعتبر نفسها مهد الديمقراطية وراعية حقوق الإنسان في العالم، وان فكرة انشاء لجنة حقوق الانسان عام 1947 جاءت بناء على مبادرة من اليانور روزفلت زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق وكانت هي أول رئيس للجنة، كما أن هذه اللجنة تعتبر من أهم وأنشط اللجان الرئيسية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وقد تفاقم من وقع الحدث في الولايات المتحدة فوز السودان، التي طالما نددت بانتهاكها لحقوق الإنسان، بعضوية اللجنة عن المجموعة الافريقية. وفي ضوء ذلك يمكن تفهم رد الفعل الامريكي، فقد أعلن ارى فلايشر المتحدث باسم الرئاسة الأمريكية (خيبة أمل) الولايات المتحدة من نتائج الاقتراع. ووصفه ديك آرمي زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأمريكي بأنه (قرار سخيف) في حين وصفته مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة بأنه (ضربة شديدة للولايات المتحدة) وانها لا تصدق أن تصبح السودان عضوا في اللجنة وتفقد الولايات المتحدة مقعدها فيها. ولا شك أن هناك العديد من الأبعاد والدلالات التي تكمن وراء مثل هذه الهزيمة الموجعة أولها، يتعلق بازدواجية المعايير والسياسة الانتقائية التي تتبعها الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان. فعلى حين تستخدم قضايا حقوق الإنسان كسلاح سياسي لفرض هيمنتها على عدد من خصومها في المجتمع الدولي ومحاولة التدخل في شئونها الداخلية بل واستغلال اللجنة كساحة لتوجيه الانتقادات اليها وادانتها دوليا ومنها الصين وايران والسودان وكوبا، فإنها تتجاهل الانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان التي تقوم بها اسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. الأكثر من ذلك انها تدعم اسرائيل وتساندها داخل المنظمة وتستخدم الفيتو ضد أي محاولة لادانة اسرائيل أو مطالبتها بوقف الاستيطان غير المشروع أو حتى وضع قوات دولية فاصلة بين الطرفين. وذلك رغم التقارير الدولية التي تدين اسرائيل وتتضمن الاشارة الى حالات يتجلى فيها انتهاك حقوق الإنسان ومنها هدم منازل الفلسطينيين والتوسع في سياسة الاستيطان واعمال الغلق والحصار والاعتقال، وتجاهل القواعد والواجبات بأعمالها في معاملة المسجونين والمعتقلين من العرب والفلسطينيين وتعرضهم لشتى أنواع التعذيب والتنكيل. هذه الانتقائية والازدواجية أفقدت الولايات المتحدة مصداقيتها وولدت الاعتقاد بأن دفاعها عن حقوق الإنسان يرتبط في واقع الأمر بالمصالح الأمريكية وحسب، وانها تفرض معيارا خاصا بها لحقوق الإنسان. أما ثانيها فيتعلق بتنامي الشعور الدولي بالرفض لما اعتبر نوعا من الغطرسة الأمريكية وذلك نتيجة المواقف الأمريكية من عدد من القضايا الدولية منها معارضة الكونجرس التوقيع على اتفاقية انشاء المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب والجرائم الانسانية، وموقف الولايات المتحدة المضاد لمعاهدة تحريم استخدام الألغام في الحروب، وامتناعها عن التصويت على قرار بتخفيض أسعار عقاقير مقاومة مرض الأيدز دعما لصناعة الدواء بها على حساب الشعوب الفقيرة. كذلك، انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية كيوتو التي تحاول مواجهة التغيرات المناخية التي تهدد شعوبا كثيرة بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، واعلانها صراحة أن مايهم واشنطن هو الاقتصاد الأمريكي فقط. هذا الى جانب حائط الدفاع الصاروخي الذي تقيمه الولايات المتحدة بدعوى مواجهة خطر الصواريخ العابرة للقارات وحماية اراضيها من هجمات محتملة قد تشنها ماتطلق عليه (الدول المارقة) مثل ايران والعراق وكوريا الشمالية، ويلاقي هذا النظام معارضة شديدة من جانب العديد من الدول وفي مقدمتها روسيا والصين وعدد من دول أوروبا الغربية لما يمكن ان يؤدي اليه من تجدد سباق التسلح وانهيار كل أنظمة واتفاقات الحد من التسلح وتقليصها في العالم. كل هذه المواقف وغيرها ولدت حالة من الاستياء تجاه السلوك الأمريكي ليس فقط لدى من تعتبرهم المناهضة للولايات المتحدة خصوما لها ولكن لدى حلفائها الغربيين أيضا، وأوجدت رغبة دولية في تحجيم هذه الغطرسة الأمريكية والحد منها، والحيلولة دون اتخاذ الأمم المتحدة كآلية للهيمنة الأمريكية. ويطرح ذلك تساؤلين على قدر من الأهمية. أولهما، يتعلق بمستقبل العلاقة بين أمريكا والأمم المتحدة. فمن المعروف أن مجلس النواب الأمريكي أقر تعديلا لمشروع قانون خاص بالمتأخرات المستحقة للأمم المتحدة في السنة الحالية والتي تبلغ 882 مليون دولار، الى جانب 67 مليون دولار لاعادة انضمام الولايات المتحدة لمنظمة اليونسكو وذلك بعد 17 عاما من انسحابها من المنظمة بدعاوى فساد الإدارة والتحيز السياسي. ويقضي التعديل بعدم دفع دفعة ثالثة من هذه المتأخرات تقدر بـ 244 مليون دولار الا بعد عودة الولايات المتحدة للجنة حقوق الإنسان. الا أن ادارة بوش عارضت مشروع القانون الذي وافق عليه مجلس النواب انطلاقا من أن ذلك يمكن أن يلحق ضررا بالغا في قدرة واشنطن على التعامل مع المنظمة الدولية، ويثير التساؤل حول مصداقيتها ومدى وفائها بالتزاماتها الدولية، وأكدت رغبة الولايات المتحدة في المحافظة على علاقات طبيعية مع الأمم المتحدة. وأكد كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، انه يجب على الولايات المتحدة عدم محاولة عقاب الأمم المتحدة، وأن الولايات المتحدة ستواصل التزامها بقضية حقوق الإنسان وتفعل ما تراه الشيء الصحيح. ومن ثم فإنه من المستبعد أن تتأثر العلاقة بين الولايات المتحدة والمنظمة الدولية خاصة في ظل حاجة أمريكا للأمم المتحدة لاضفاء الشرعية والقبول على الكثير من سياساتها. بل انه من المتوقع أن تقوم ادارة بوش بتكثيف جهودها داخل الأمم المتحدة للحيلولة دون تكرار ذلك، ولاستعادة مقعدها في لجنة حقوق الإنسان العام المقبل. أما التساؤل الثاني فيتعلق بالعلاقات الأمريكية الأوروبية ومستقبل الدور الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي يعتبر قوة اقتصادية مكافئة للولايات المتحدة بل ان الناتج الاجمالي للبلدان الأعضاء في الاتحاد يفوق مثيله الأمريكي خاصة في ظل التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي، الا أن الدول الأوروبية مازالت تعاني تبعية سياسية وعسكرية للولايات المتحدة وتحاول التخلص من هذه التبعية ولعب دور سياسي أكثر استقلالية يتناسب مع قوتها الاقتصادية. ولعل هذا يفسر رفض النمسا والسويد التنازل عن الترشيح لواحد من المقاعد الثلاثة للولايات المتحدة رغم الضغوط التي مارستها عليهما. وهو مادفع ريتشارد هولبروك رئيس الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة في عهد كلينتون الى اعتبار الاتحاد الأوروبي مسئولا عن الهزيمة الامريكية حيث تقدم بثلاثة مرشحين فائزين وهم فرنسا والنمسا والسويد. كما خسرت الولايات المتحدة مقعدها في المجلس الدولي لمكافحة المخدرات لصالح فرنسا والنمسا وهولندا الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إن العالم يمر الآن بمرحلة انتقالية تبرز فيها قوى دولية ، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، تحاول لعب دور سياسي أكثر استقلالية وفعالية، وسرعان مايتبلور نظاما عالميا جديدا متعدد القوى يلعب فيه الاتحاد الأوروبي، وقوى دولية أخرى، دورا لا يقل أهمية عن الدور الأمريكي. وربما يكون استبعاد الولايات المتحدة من لجنة حقوق الإنسان والمجلس الدولي لمكافحة المخدرات لصالح دول الاتحاد الأوروبي هو بداية هذا التحول. ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة