الملف السياسي: تمارس الأمم المتحدة نشاطاتها المختلفة على الصعيد العالمي من خلال المنظمات والوكالات الاقليمية التابعة لها فالى جانب مجلس الأمن والجمعية العامة هناك العديد من الهيئات والمنظمات التي تقوم بالعديد من الأنشطة والفعاليات السياسية والاقتصادية، والثقافية والتي تتصل مباشرة بالدور الأساسي الذي تقوم به المنظمة الدولية ومن هذه الوكالات الاقليمية اللجنة الخاصة بحقوق الانسان والتي تعنى بمراقبة ودراسة الانتهاكات التي تقوم بها الافراد والجماعات والدول لهذه للحقوق، كما ان اللجنة الدولية المكلفة بالتصدي لعمليات الاتجار بالمخدرات على المستوى العالمي تعد من أهم المنظمات الاقليمية التابعة للأمم المتحدة وقد تعرضت الولايات المتحدة مؤخراً لانتكاسة سياسية كبيرة عندما قامت في تجديد عضويتها داخل لجنتي حقوق الانسان ومكافحة المخدرات واعتبر المراقبون هذا الفشل الأمريكي بانه تعبير واضح عن تزايد النقمة الدولية ازاء سياسة الولايات المتحدة في مجالي حقوق الانسان ومكافحة المخدرات، وهما القضيتان الاساسيتان اللتان تشكلا اهتمام مختلف الاوساط الدولية في الوقت الراهن. وقد برر المسئولون الامريكيون هذا الفشل في اللجنتين المذكورتين بانه ناجم عن امتناع الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية عن دفع المستحقات المالية المرتبة عليها ازاء الأمم المتحدة. وقدرت بعض المصادر الدولية هذه الالتزامات بأكثر من 300 مليون دولار ولكن هذه المصادر تؤكد انه إلى جانب هذا العامل فان هناك عوامل سياسية أخرى لا يمكن اغفالها في هذا السياق وهي تشير إلى ان السياسة الأمريكية باتت تواجه الكثير من الازمات على المستوى العالمي بدليل ان الولايات المتحدة التي فشلت في تجديد عضويتها داخل لجنتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات قد عادت مجدداً للحديث عن امكانية الانسحاب من الأمم المتحدة بذريعة ان المنظمة الدولية لا تقوم بالدور الموكول اليها وانها باتت عاجزة عن تنفيذ المهمات الأساسية التي انيطت بها وهي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. حقائق بارزة ولكن لابد هنا من التساؤل: حتى مع الافتراض بأن الأمم المتحدة تواجه مثل هذا المأزق فمن المسئول عن ايصالها إلى هذا الوضع الذي افقدها دورها وفعاليتها الدولية؟ لاشك ان الولايات المتحدة هي المسئول الأول والأخير لانه في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة فقد تحولت امريكا إلى قوة عظمى وحيدة في العالم الأمر الذي دفعها إلى التفرد بالقرار الدولي والتسلط على الأمم المتحدة بالذات وجعلها اداة بيدها لتحديد خططها ومشاريعها المعادية للشعوب ولتغطية جرائم الحروب والنزاعات العسكرية التي قامت وتقوم بها في كل انحاء العالم وهكذا فقد مجلس الأمن الدولي استقلاله ودوره الحيادي في الحفاظ على السلم والأمن العالميين بعد ان حولته الولايات المتحدة إلى مجرد اداة بين يديها تعمد من خلالها على اصدار القرارات غير العادلة التي تستهدف تبرير التدخل الأمريكي في شئون العالم وقضاياه كما حدث في العراق ويوغسلافيا وكما يحدث الآن في كثير من المناطق الساخنة على امتداد القيادات الثلاث ففي كل يوم تظهر حقيقة جديدة تؤكد بأن الولايات المتحدة هي السبب في اخفاق الأمم المتحدة وافقادها لدورها الأساسي. وكرد فعل طبيعي على هذا الواقع فقد تم اسقاط عضوية أمريكا في لجنتي حقوق الانسان ومكافحة المخدرات وليس مستبعداً ان تجمد عضوية الولايات المتحدة في العديد من اللجان والوكالات التابعة للمنظمة الدولية اذا ما استمرت واشنطن في التسلط على الأمم المتحدة بهذا الشكل الساخر والخطير. وعندما يتحدث المسئولون الامريكيون بانهم لن يسددوا الالتزامات المالية المستحقة على الولايات المتحدة للأمم المتحدة ما لم تعود المنظمة الدولية إلى القيام بالدور المطلوب منها فانهم بذلك يحكمون بالاعدام على الأمم المتحدة لان الواقع يؤكد ان واشنطن هي المسئولة عن عدم افساح المجال أمام المنظمة الدولية لتمارس دورها من خلال سياسة التسلط على قراراتها وقدراتها وابعادها عن ان تكون المؤسسة العالمية القادرة على صوت السلم والأمن الدوليين وبعبارة اوضح فان هناك اصراراً من جانب الولايات المتحدة على اضعاف دور الأمم المتحدة عبر افقارها ماديا لان هذه الاخيرة لا تستطيع ان تقوم بهذا الدور مالم تمتلك الوسائل العملية التي توفر لها الظروف المناسبة لفعل ذلك ويدعي المسئولون الأمريكيون ان هناك جيشا من الموظفين العاملين في لجنة الأمم المتحدة والهيئات والمنظمات التابعة لها وهم يطالبون باعادة النظر في اعداد هؤلاء وإلى ادنى حد ولا حاجة للتأكيد ان في هذه الدعوات اعتداء صارخ على دور المنظمة تقليصهم الدولية التي ستصبح عاجزة تماما عن لعب هذا الدور والحفاظ عليه ومثال ذلك ان الأمم المتحدة بدأت تعيد النظر في عدد القوات التابعة لها والعاملة في جنوب لبنان لأسباب مالية، كما يؤكد رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني وربما اضطرت كما أشار الأمين العام كوفي عنان إلى انتهاء دور هذه القوات بحلول العام 2003 وهذا كله ناجم عن السياسة الأمريكية التي تريد اضعاف الأمم المتحدة وافقارها حتى تصبح مشلولة تماما عن تنفيذ المهام الخاصة بها. التهديد بالانسحاب ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ان هناك الكثير من الأصوات الأمريكية التي أخذت ترتفع في السنوات الأخيرة داعية إلى انسحاب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة نفسها. وتدعي هذه الأصوات بأن أمريكا تدفع الأموال الطائلة لمنظمة تقوم في النهاية باصدار القرارات المناهضة للولايات المتحدة وسياستها في كل أنحاء العالم واقترح البعض ان تجمد أمريكا عضوبتها في كل من المنظمات والوكالات الاقليمية التابعة للأمم المتحدة وأن تظل عضوا فقط في مجلس الأمن والجمعية العامة وبهذا تستطيع واشنطن أن توفر الكثير من الأموال التي تنفقها بدون طائل على هذه الهيئات ونشاطاتها، والغريب في هذا المنطق انه على الرغم من ان الولايات المتحدة قد تسلطت على الأمم المتحدة وجعلت منها مجرد أداة لخدمة مصالحها الاستعمارية والامبريالية في العالم قاطبة فان المسئولين الأمريكيين يريدون أن يتخلصوا مما أسموه بالأعباء الكبيرة التي تتحملها الولايات المتحدة ازاء المنظمة الدولية وفي هذا مؤشر واضح على ان واشنطن تسعى بالفعل إلى تحقيق المزيد من التبعية للمنظمة الدولية وحصر دورها في اصدار القرارات التي تدعم سياستها دون تردد أي ان تتحول الأمم المتحدة كلها إلى مجرد ملحق تابع لوزارة الخارجية الأمريكية ففي هذه الحالة فقط يمكن للولايات المتحدة أن ترضى عن الأمم المتحدة وأن تعتبرها بأنها تمارس دورها بالشكل المطلوب وبعيدا عن الضغوط والتأثيرات من الدول الأعضاء والتي تتهم من قبل واشنطن بأنها في معظمها معادية للولايات المتحدة لانها حاقدة على القوة والحضارة الأمريكية وعبر هذا المنطق تحاول الولايات المتحدة أن تفرغ المنظمة الدولية والهيئات والوكالات الاقليمية التابعة لها من أي مضمون وأن تفقدها دورها الأساسي الذي وجدت من أجله ولكن هذا التحول الذي حدث حتى الآن لابد أن يعزل الولايات المتحدة عن العالم ويغرقها في نظرية «الأمركة» التي تعني أن تتهرب واشنطن من الأزمات الدولية والمشكلات المعقدة في هذا العالم وتتفرغ لمعالجة أوضاعها الداخلية فقط. وبالتأكيد فان فشل أمريكا في تجديد عضويتها داخل لجنتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات هو مؤشر قوي على ان التناقض والتعارض بين سياسة الولايات المتحدة ودور الأمم المتحدة قد أصبحا على درجة كبيرة من الاتساع والبروز وبالتالي فان المحصلة ستكون المزيد من المواجهة بين الجانبين ومثل هذا التعارض لابد أن يعكس مزيدا من الاخفاق لدور الأمم المتحدة لان الهدف الأمريكي النهائي هو فرض سيطرة الولايات المتحدة على كل مقدرات العالم بدوله وشعوبه ولا مجال للحديث عن حلول وسط لان استمرار الوضع الدولي الراهن لابد أن يعزز فرص العودة إلى ظهور الأقطاب المتعددة لانه بين ان نظام القطب الواحد يفسد العالم ولا يصلحه ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تساعد على بروز مثل هذا النظام وتفعيل دوره لانه بالمحصلة لابد أن تجد دورها ويحقق التوازن في موازين القوى على الصعيد الدولي. لقد أقصيت الولايات المتحدة من عضوية اللجنة الدولية لحقوق الإنسان اثر تصويت كانت نتيجته ذهاب المقاعد الثلاثة المخصصة لتمثيل مجموعة الدول الغربية إلى كل من فرنسا والنمسا والسويد علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية عضو في اللجنة الدولية منذ عام 1947 ولم تنقطع عضويتها منذ ذلك الحين وحتى نتائج التصويت الأخير. وعلى النقيض من الولايات المتحدة الأمريكية التي أصيبت ادارتها بالصدمة نتيجة لعملية الاقتراع اعتبرت النمسا نتائج عملية الاقتراع لاختيار أعضاء جدد في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة نصرا كبيرا لها في مجال السياسة الخارجية وهو ما عبر عنه جيرهارد فانسيلتر مندوب النمسا لدى المنظمة الدولية في نيويورك بقوله: «ان هذه النتيجة تعد تأكيدا جديدا على المكانة الرفيعة التي تتمتع بها النمسا داخل المنظمة الدولية». وقد التقطت وسائل الاعلام النمساوية الحدث لتؤكد بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعرضت لهزيمة في تلك الانتخابات إذ فقدت مقعدا احتفظت به منذ انشاء المنظمة عام 1947 وكان الأعضاء الأربعة والخمسون في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة قد صوتوا مستبعدين واشنطن عن اللجنة ومختارين فرنسا والسويد اضافة إلى النمسا. ـ صحفية سورية