الملف السياسي: استلهم كاتب «نيويورك تايمز» الشهير وليم سافيير المقولة المأثورة عن القائد التركي في تعداد الثلاثة عشر سببا لهزيمته في المعركة، واتخذ منها سافيير عنوانا لمقالة عن اسباب هزيمة الولايات المتحدة باللجنة العالمية لحقوق الانسان غير انه اضاف اليها عاملا جديدا فجعلها اربعة عشر سببا ادت بأمريكا الى ما هو أسوأ من هزيمة ذلك القائد التركي في مجرد نزال عسكري. الأسباب كانت مترادفة ومع ان هزيمة امريكا الدبلوماسية على ساحة الامم المتحدة كانت نتاجا لأسباب مترادفة، الا ان كاتب «نيويورك تايمز» الذي تنشر مقالته نحو 400 صحيفة يومية، فضل ان يفصل تلك الاسباب عن بعضها البعض، حتى يستطيع ان يركز على بعض الاسباب الضعيفة الطريفة والمضحكة والمسلية نوعا ما، مثل تركيزه على موضوع السودان، قائلا في لهجة عنيفة ان تجار الرقيق استطاعوا ان ينجحوا في التآمر على الولايات المتحدة، وان يحتلوا على حسابها مقعدا في لجنة حقوق الانسان. وتهمة الرق في السودان تهمة مختلفة ولكنها شائعة ولا تواجه اعلاميا او سياسيا بما يدحضها، وقد اتيح لها ان تروج كثيرا في واشنطن عقب فقدان امريكا لمقعدها بلجنة حقوق الانسان. كان المقصود فوق نشر التهمة بقصد الضغط على السودان، اعطاء مبرر زائف لسقوط امريكا بتلك اللجنة، حيث تم الايحاء الى الكثيرين، بأن قوة وجهارة صوت امريكا في شجب الدول المنتهكة لحقوق الانسان هو الذي اودى بها في ذلك السقوط، وكذلك استخدم الامر لتشويه سمعة لجنة حقوق الانسان وتسفيهها وتتفيهها، فاللجنة لم تسقط امريكا من عضويتها، وانما سقطت هي، حيث قبلت بأن تضم لعضويتها دولة كالسودان؟ وفي ذلك ما فيه من تجاهل للطريق الذي اكتسب به السودان عضوية اللجنة. لقد اكتسب السودان عضوية تلك اللجنة عن غير الطريق الذي تكتسب به امريكا عضويتها بها. دخل السودان اللجنة بعد ان رشحته مجموعة الدول الافريقية عندما حل دوره للحاق بها. لذلك لم يكن ثمة تنافس في الموضوع حيث تراضت الدول الافريقية على ترشيح اربع دول فقط هي ليبيا ويوغندا وبنين والسودان وفازت جميعا. اما الولايات المتحدة فطريق دخولها للجنة كان يتم عبر ترشيح مجموعة الدول الاوروبية وقد رشحت تلك المجموعة عددا اكبر من اللازم، فكان لابد ان تسقط احدى الدول ولم تكن امريكا تتوقع ان يكون السقوط من نصيبها حيث جاءت في الذيل بعد ان تخلفت 14 دولة عن التصويت لها. كان من الممكن ان يدخل السودان تلك اللجنة وتدخلها امريكا ايضا، لو تراضت مجموعة الدول الغربية على ثلاثة مرشحين لا اربعة كما كان ممكنا ان يسقط السودان لو رشحت الدول الافريقية دولا اكثر من الحد الممكن. وبهذا يتضح انه ما من علاقة بين فوز السودان وسقوط امريكا، او العكس. ولكن معظم المحللين الامريكيين، وبما فيهم رجال الكونجرس رفضوا ان يصيغوا الى ذلك المنطق العقلاني الواضح الذي سقناه آنفا والذي يقطع بعدم وجود اي علاقة سببية بين سقوط امريكا وفوز السودان، واندفع اولئك البرلمانيون والمحللون السياسيون ينددون بالسودان ويضعونه على رأس اسباب اسقاط امريكا بتلك اللجنة. هكذا افترق التعليل عن العقلانية وأصبح بمثابة تعويض نفسي وعزاء عن الهزيمة، وأصبح تعاليا عن الهزيمة ورفضا لها ومكابرة على مجرد الاعتراف بها. وفي هذا السياق ذكر كثير من المحللين السياسيين ان اللجنة ستفقد فعاليتها بخروج امريكا عنها، وفي ذلك ما فيه من اهانة لمجموعة الدول المنضوية بتلك اللجنة، بما فيها الدول الغربية (بلجيكا ـ كندا ـ فرنسا ـ المانيا ـ ايطاليا ـ البرتغال ـ النمسا ـ اسبانيا ـ السويد ـ وبريطانيا) واتهامها بعدم الجدية في حماية حقوق الانسان، وهي اهانة من الاكيد ان الدول الاوروبية لم تكن تنتظر ان تتلقاها من قبل الولايات المتحدة الامريكية. التحرك المنفرد ولتأكيد دعوى ان لجنة حقوق الانسان فقدت اهميتها وفعاليتها وان امريكا ستتحرك بمفردها لرفع شعار حقوق الانسان، انشأ مجلس الشيوخ الامريكي بتاريخ 18 مايو الماضي لجنة خاصة لمراقبة حقوق الانسان في الصين جاء انشاء اللجنة بناء على اقتراح من السناتور الجمهوري جاك هاجيل، وبدعم قوي من زعيم الكتلة الجمهورية بالمجلس ترينت لوت. وتكونت اللجنة من 23 نائبا وأوكل اليها متابعة شئون السجناء السياسيين بالصين ومراقبة انتهاكات الحقوق السياسية والدينية للمواطنين الصينيين، وبدا تكوينها وكأنه كأمر لا يصدق، لأنه لم يعقب فقط سقوط امريكا بلجنة حقوق الانسان، حيث كان اصرار امريكا على استخدامها لادانة الصين احد اسباب، بل السبب الاساسي لتوجه مختلف الدول لابعاد امريكا عن اللجنة، وانما لأن تكوين اللجنة جاء ايضا كتصعيد جديد للتوتر في العلاقات الامريكية الصينية، التي تعاني اصلا من توتر حاد، ومن المشاحنات الطارئة الناجمة عن هبوط طائرة التجسس الامريكية بأرض الصين بدون اذن وتجرؤ امريكا بلا سبب ظاهر لامضاء صفقة اسلحة ضخمة لتايوان، ثم احتجاجات امريكا الصاخبة على محاكمة الصين لأحد مواطنيها المحليين، «تصادف انه يحمل جواز سفر امريكيا!» بتهمة التجسس لصالح تايوان! وفور اعلان تكوين تلك اللجنة البرلمانية اطلقت وزارة الخارجية الامريكية مبادرة عدائية اخرى ضد الصين، حيث أعلن كولن باول تسمية بولا دوبريانسكي منسقة لشئون اقليم التبت الصيني، وهو الاقليم الذي يحاول بقيادة زعيمه الروحي الدالاي لاما، الانشقاق عن طريق الوطن الأم والانضمام الى الهند، بحجة الولاء الديني المشترك مع الهند، وذلك مع ان الاصول العرقية لابناء ذلك الاقليم ليست هندية وإنما عربية ويمنية على التحديد، كما يشير قدامى المؤرخين. ولم تراع وزارة الخارجية الامريكية أبجديات العمل الدبلوماسي عندما صاغت مهام تلك المفوضية وبدا من المستفز كثيرا للصين ان تشير وزارة الخارجية الامريكية الى ان من مهام المفوضية الجديدة العمل على الحفاظ على التراث والثقافة والدين واللغة في ذلك الاقليم، مما يعني ان الحكومة الصينية منهمكة في مؤامرة للقضاء على الخصائص الثقافية المميزة في ذلك الاقليم! ومن قبل اعلان هذه الخطوات كان بوش قد اختار منبر المؤتمر اليهودي الامريكي للاعلان عن الحملة على الصين، واردفها بحملة اخرى على السودان، وكلا القطرين يعانيان من حملات ابتزاز اللوبي الصهيوني، واليمين الديني الامريكي وهما كيانان متحالفان. وفي اطار تلبية مطالب وضغوط تلك القوى التي تظن ان مسلمي شمال السودان ينتهكون حقوق نصارى الجنوب، أعلن بوش ان السودان هو منطقة كوارث، فيما يخص حقوق الانسان، ومع ان وزارة الخارجية أصدرت بيانا بعد وقت قصير من تصريح بوش قائلة ان السودان أبدى نية جادة للاقلاع عن ممارسات الارهاب، الا ان الحكومة الامريكية أسرعت بتعيين مبعوث جديد لمراقبة حقوق الانسان والتطور التشريعي وحرية الصحافة والاحزاب... الخ بالسودان، كما عملت على الضغط على شركة «شل» الهولندية لوقف تزويد السودان بوقود الطائرات بحجة انه يستخدم لقصف مواقع المتمردين بالجنوب، وقد أجابت الشركة بأنها لا تملك اكثر من ستين محطة وقود بالسودان وان أيّاً منها لا يزود مباشرة طائرات الجيش السوداني بالوقود، وكما تجيب اية شركة كبرى مسئولة وحريصة على مصالحها فقد استخدمت شركة «شل» لهجة دبلوماسية تلطيفية لارضاء الامريكيين قائلة انها ستبذل وسعها للتحري في الأمر ومنع وصول أي جزء من وقودها الى أيدي الجيش السوداني. التجاهل والتصعيد ومن السودان انطلق الهجوم الامريكي على كوبا حيث طالب بعض المسئولين في الكونجرس بالعمل على الضغط على اللجنة العالمية لحقوق الانسان لفصل كوبا من عضويتها، لأنها من أكبر مقترفي جرائم انتهاك حقوق الانسان. ثم أصدر الكونجرس قرارا بارسال معدات تكنولوجية تشمل اجهزة «فاكس» وهاتف ومخصصات مالية لدعم تنظيمات المعارضة الكوبية. وقد تم اصدار القرار الذي سمي بقرار التضامن مع الشعب الكوبي بمناسبة يوم الاستقلال الكوبي عن اسبانيا الموافق للعشرين من شهر مايو الحالي، وسخر بوش وهو يوقع على القرار من كاسترو، قائلا: ان الزمن أصبح في غير صالحه، وحذره من انه اذا لم يسمح لشبكات التلفزة الامريكية ان تبث الى داخل الاراضي الكوبية فإن الحكومة الامريكية ستفكر في استحداث وسائل تقنية تخترق بها ذلك الحظر والتشويش على البث التلفازي. ومع ان بوش التزم الصمت منذ سقوط امريكا في لجنة حقوق الانسان ولم يعلق مباشرة على الموضوع وترك الأمر للمتحدثة باسم البيت الأبيض آري فليشر الا انه انتهز فرصة التوقيع على قرار التضامن مع الشعب الكوبي، ليعلن ان السبب الاساسي لاسقاط امريكا بتلك اللجنة كان هو اقدامها على دفع اللجنة بقوة نحو ادانة انتهاك كاسترو المتواصل لحقوق الانسان. وقال «ان البعض يقول اننا دفعنا ثمنا باهظا لقاء ذلك، ولكن دعني اتحدث بوضوح انني فخور جدا بما فعلنا، وان على الشعوب المقهورة بكل انحاء العالم ان تقدر لنا تلك الخطوة، اننا لن نجلس أبدا مكتوفي الايدي والألسن بتلك اللجنة، ولكننا سنبقى طليعة العالم وقيادته في مجال دعم حقوق الانسان». وهكذا نحا بوش مرة اخرى منحى كبير محللي «نيويورك تايمز» وليام سافيير في اصطياد الاسباب الصغيرة وتضخيمها وتعليق سقوط امريكا بلجنة حقوق الانسان بها وذلك مع تجاهل الاسباب الاصلية في الموضوع والاقدام على التصعيد وتكرار الاخطاء. كان القائد التركي الذي هزم في معركته العسكرية يفكر بنفس المنحى إذ سئل في مجلس التحقيق عن أسباب هزيمته، فذكر ثلاثة عشر سببا وراح يعددها بالتفصيل ولاحظ المحققون انها جميعا لم تكن أسبابا مقنعة، وذلك حتى انتهى الى السبب الثالث عشر قائلا وكانت الذخيرة قد نفذت من اسلحة الجند. وهنا أوقفه رئيس مجلس التحقيق قائلا: لقد كان ذلك هو السبب الأول، لا الأخير، وكان وحده كافيا لتفسير الهزيمة، وربما تبريرها ولكنك شغلت نفسك وشغلتنا كثيرا بالثانويات. وهذا هو بالضبط ما يشغل به المحللون السياسيون الامريكيون انفسهم متناسين في غالبيتهم الساحقة الاسباب الموضوعية لهزيمة بلادهم باللجنة العالمية لحقوق الانسان. أما صناع القرار فهم في محاولتهم لتجاهل أسباب الهزيمة يتجهون لاعتماد اسلوب التصعيد القائم على الادانة والاستفزاز. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة