الملف السياسي: لم يشك أعضاء البعثة الديبلوماسية الأمريكية بالأمم المتحدة ولو للحظة واحدة في احتمال ان يسفر التصويت السري لاختيار أعضاء اللجنة العالمية لحقوق الإنسان عن استبعاد بلادهم من عضوية اللجنة. فقد دأب التصويت دائماً على ان يحفظ لواشنطن مقعدها الذي بدا للحظة «دائماً» على نحو ما. ثم ان المتنافسين اربع دول فقط هي فرنسا والسويد والنمسا والولايات المتحدة على المقاعد الثلاثة المخصصة لمجموعة «أوروبا الغربية ومناطق اخرى» التي تضم امريكا الشمالية أيضاً، ولم تبد المنافسة صعبة بالنظر إلى تقارب عدد المتسابقين وعدد المقاعد، كما لم يرجح احد ـ في البعثة الديبلوماسية الأمريكية على الأقل ـ ان يسفر التصويت عن فوز دولة «ثانوية» مثل النمسا أو السويد، واستبعاد «القطب الوحيد» في العالم من مقعده «الدائم» ولو بحكم الاقدمية. وفي 3 مايو أعلنت النتائج: فرنسا 52 صوتاً، والنمسا 41 صوتاً، والسويد 32 صوتاً والولايات المتحدة 29 صوتاً فقط، لتأتي بذلك في المرتبة الأخيرة، وتفقد مقعدها «الدائم» في لجنة حقوق الانسان، ولتبدأ ـ في الصباح التالي ـ حملة سياسية واعلامية تكاد لا تصدق ضد المنظمة العالمية، ولجنة حقوق الانسان، واوروبا الغربية.. والعالم كله. لم يكن الأمر مفهوماً للمواطن الأمريكي العادي.. «لقد كنا نحن «أي الولايات المتحدة» الذين أسسنا هذه اللجنة. بل ان السيدة الأمريكية الأولى آنذاك، اليانور روزفلت، هي التي ترأست اول اجتماعاتها عام 1947، كيف يمكن ان تحتفظ دولاً مثل الصين أو كوبا أو ليبيا بمقاعدها في لجنة حقوق الانسان ونفقده نحن «كما قال احد المعلنين» «الشعبيين» في برنامج تلفزيوني اكثر شعبية. وبدا السؤال محيراً بالفعل. فبصرف النظر عن الدول التي ذكرها المعلق «الشعبي» فان هناك أنظمة كثيرة في العالم لا تسمح بكلمة معارضة واحدة. يمكن حصد مئات الامثلة على تجاوزات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، ولكن في المقابل يمكن حصد آلاف الامثلة على ذلك في بلدان اخرى.. لماذا اذن واشنطن بالذات؟ وهو في واقع الحال سؤال صعب. ذلك انه يتصل من الزاوية المباشرة بأمرين، الكراهية العميقة التي يكنها كثيرون في عالمنا هذا لسياسات الولايات المتحدة الخارجية، وكون هذا البلد بالذات ـ ومن ثم سياساته الخارجية تلك ـ هو الاكثر تأثيراً على مسرح الاحداث في العالم. ان احداً لايسأل عن سجل «بوركينا فاسو» في مجال حقوق الإنسان، او عن طبيعة سياستها الخارجية، او عن «منطقية» ان يكره الناس ما تفعل. ذلك ان هؤلاء الناس لا يعرفون اصلاً ما هي بوركينا فاسو هذه او اين تقع، اما الولايات المتحدة الأمريكية فانها ـ باختصار ـ قصة اخرى. ويعني ذلك ـ من الزاوية غير المباشرة ـ ان تصويت نيويورك كان يعكس في زاوية منه نتائج الخلل الذي طرأ على خارطة التوازنات العالمية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.. لقد كان تصويتاً «صغيراً»، في لجنة «صغيرة»، ولكن مغزاه تجاوز الـ 29 صوتاً التي حصلت عليها الولايات المتحدة، ولجنة حقوق الإنسان، بل والأمم المتحدة ذاتها. لقد كان المغزى الأعمق يتعلق بما بات عليه العالم الآن، بما وصفه المعلق الامريكي آلان ماكويل بأنه «عالم يشبه سيارة تمشي على عجلتين فقط، فيما يواصل نصفها الآخر احتكاكه بالطريق». أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة ـ مركز ستراتفورد ـ يطرح المسألة على هذا النحو: خلال التسعينيات تمتعت الولايات المتحدة بفرصة حقيقية لوضع نظام عالمي جديد.. فالاتحاد السوفييتي كان قد انهار، والصين منشغلة بتطوير اقتصادها، فضلاً عن انها تعتمد على الولايات المتحدة بصفة رئيسية كأكبر شركائها التجاريين، أي ان علاقاتها الامريكية كانت شرطاً لتمكنها من مواصلة نموها الاقتصادي، وأوروبا منشغلة بقضايا البلقان والوحدة الأوروبية.. بقيت الولايات المتحدة وحدها، باقتصاد بالغ الفعالية والحيوية، وبقدرة عسكرية لا تقارن بقدرات الآخرين، وبنفوذ سياسي ومعنوي لا يمكن انكاره. ولكن كيف استثمرت الولايات المتحدة هذه الفرصة التاريخية لتأسيس نظام دولي جديد؟ يتساءل الباحثون في ورقة اصدروها مؤخراً عن هذه القضية من مركز ستراتفورد. ويجيبون عن سؤالهم بانفسهم: سعت السياسة الامريكية إلى صياغة هذا النظام على اساس من مصالحها الفردية وحدها. ان الولايات المتحدة لم تبد حساسية كافية تجاه ما كان يحدث ـ ولا يزال ـ في العالم. ذلك انها تنظر إلى هذه الأحداث ليس من زاوية من يريد ان يصيغ نظاماً عالمياً متزناً، وانما من زاوية ما يمكن ان يفيد ـ أو يضر ـ بالمصالح القومية الأمريكية. ولكن ـ رداً على باحثي ستراتفورد ـ أليس من الطبيعي ان تسعى اي دولة إلى تحقيق مصالحها القومية؟ اليس من المنطقي ان تنظر إلى ما يدور من أحداث من منظور تلك المصالح؟.. انه أمر طبيعي ومنطقي في حالة أي دولة بطبيعة الحال، إلا من اراد ان يلعب دوراً قيادياً على ساحة العالم، او من اخذ على عاتقه مهمة وضع أسس نظام عالمي جديد. في هذه الحالة الأخيرة يتعين النظر إلى ما يحدث من زاوية متطلبات حفظ التوازن الدولي بالاضافة إلى زاوية المصالح القومية الفردية. ويتطلب ذلك الارتكاز على نظرية سياسية جديدة تماماً تسعى إلى ايجاد توفيق ما بين احترام اوضاع اقليم ما من اقاليم عالمنا هذا، وبين المصالح القومية الأمريكية. لقد قدم الأمريكيون مشروع مارشال إلى أوروبا لمساعدتها على النهوض من دمار الحرب الألمانية الثانية. وكان ذلك ـ آنذاك ـ توفيقاً بعيد النظر بين التوازنات الدولية، و«هموم العالم الأخرى»، وبين المصالح الأمريكية. كان ذلك حين ترأست البانور روزفلت الجلسة الأولى للجنة العالمية لحقوق الإنسان. وبين تلك اللحظة التي مضى عليها 55 عاماً، وهذه التي أعلنت فيها نتائج تصويت اللجنة منذ ايام، فارق لا يعكس فقط مدى التبدل الذي حدث في العالم، ولكن أيضاً مدى التبدل الذي طرأ على نظرة الولايات المتحدة إلى دورها في العالم. يقول الامريكيون ان الفرنسيين لعبوا دوراً ـ من خلف الستار ـ لاقصائهم عن اللجنة العالمية لحقوق الانسان، إلا ان السؤال هنا ليس هو ما اذا كان الفرنسيون قد فعلوا ذلك حقا، ولكنه لماذا؟ لماذا يتعامل الامريكيون بجدية مع احتمال ان تكون باريس هي السبب؟ بل لماذا يتواجد هذا الاحتمال اصلا؟ ألا يعني اي جهد فرنسي محتمل في هذا السياق ان هناك من يدركون خطورة انفراد الولايات المتحدة بجهد تحقيق الاهداف النبيلة اياها، من نشر الديمقراطية الى الدفاع عن حقوق الانسان؟! ثم يقول الامريكيون ان هناك جهودا «تدور في الظلام» لتشكيل تحالف دولي واسع النطاق ضد الولايات المتحدة، ولا يدرك من يقولون هذا في الولايات المتحدة ان كثيرين من خارجها سيتنفسون الصعداء لو صح ذلك، فالولايات المتحدة ترفض ـ مثلا ـ رفع صيغة العقوبة التي وضعتها هي على العراق وتطبيق صيغة جديدة يراها كثيرون غيرها اكثر ملائمة.. فرنسا تحاول، وروسيا والصين ودول عربية كثيرة، بل ان الكويتيين انفسهم لا يريدون استمرار هذه الالام التي يعاني منها الشعب العراقي.. ولكن واشنطن تعترض على كل ذلك.. وكذا في الاراضي الفلسطينية، ثمة مأساة متكاملة تدور امام انظار العالم كله، ولكن الشعار النبيل عن حقوق الانسان تبخر فجأة، وكذا الصراخ الدائم عن ضرورة تطبيق بنود القانون الدولي. والطريف هنا ان الامريكيين الذين يعتقدون ان ابعادهم عن اللجنة العالمية لحقوق الانسان نتيجة «مؤامرة مستمرة تدور في الظلام» اي انه خطيئة الآخرين وليس خطيئتهم هم يردون على القرار «بسعة افق» يحسدون عليها، فقد قرر مجلس النواب الامريكي بأغلبية 252 صوتها ضد 165 صوتا ان «يخصم» مبلغ 244 مليون دولار مما يتعين على الولايات المتحدة ان تدفعه الى ميزانية الامم المتحدة، والاكثر طرافة من هذا القرار ذاته ان مجلس النواب اردف بعبارة يقول فيها ان القرار يصبح لاغيا اذا ما تم انتخاب الولايات المتحدة لعضوية اللجنة العالمية لحقوق الانسان مرة اخرى العام المقبل. هناك في مجلس النواب الامريكي قوم ظرفاء ونعلم الآن ان عددهم بلغ 252 عضوا، انهم يتصورون ببساطة ان الدولار هو «مربط الفرس» ذلك انهم يحاولون تطبيق قاعدة رأيناها كثيرا في بعض بلدان العالم الثالث المولعة باحترام حقوق الانسان، شراء الاصوات الانتخابية.. سندفع اذا ما انتخبتمونا مرة اخرى لعضوية اللجنة، وإلا فسوف تخصم 244 مليون دولار، ألا يدعو قرار مجلس النواب الامريكي بصياغته الرسمية الى استبعاد الولايات المتحدة حقا ولفترة طويلة من عضوية اللجنة باعتباره محاولة لتجريد الناخبين في المنظمة الدولية من «حقهم الانساني» في التصويت كما يريدون؟ اليس القرار في ذاته معاديا لحقوق الانسان رغم اصراره ـ او بالاحرى بسبب هذا الاصرار ـ على وضع الولايات المتحدة «بفلوسها» في لجنة الدفاع عن هذه الحقوق؟ إلا ان الرئيس بوش اوقف القرار.. ربما لفرط فجاجته. ويقول معهد سترانفورد ـ في عودة الى باحثيه وكتاباتهم ـ ان هناك بالفعل تحالفا دوليا يتبلور دون اتفاقات مكتوبة او غير مكتوبة في مواجهة انفراد الولايات المتحدة بكل شيء.. ويقول المعهد ان الصين وروسيا و«بعض الاصوات المستقلة» في اوروبا الغربية تنشط في هذا المجال، إلا اننا نبحث عن كلمة واحدة تقال عن العالم الثالث فلا نجد.. انه حفنة من الدول الخائفة الصغيرة، يخشى أي منها ان ينطق حتى لا يفقد حفنة من الدولارات او حماية عسكرية او دعما سياسيا في مواجهة الجيران. انه عالم ثالث يدعو الى الشفقة، فهو لا يدرك قوته، ولا يعرف طريقه لجمع مواقف حول نقطة واحدة: ضرورة ان يصغي العالم الاول لهذه الاصوات النحيفة التي لا يسمعها احد. كان تصويت الامم المتحدة اذن تعبيرا عن غرض اعمق كثيراً من استبعاد الولايات المتحدة او الابقاء عليها في اللجنة العالمية لحقوق الانسان، كان تعبيرا عن خلل في منظومة العلاقات الدولية، كما نراها الآن. وبقدر ما تخفت الآمال في ان تعود الولايات المتحدة الى دورها الذي تأسست عليه، تتزايد التوقعات بأن هذه المنظومة لن تبقى طويلا في تلك النقطة الحرجة التي بدأت منذ 1990. ان تصويت نيويورك اشارة واضحة على ذلك.