الملف السياسي: رفعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات العشر الأخيرة لواء الدعوة لحماية حقوق الإنسان، وصنفت الدول وفقا للمعايير الأمريكية الخاصة لهذه الحقوق، وأعلن المسئولون الأمريكيون، مرارا وتكرارا أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول المختلفة، تأخذ في اعتبارها مدى احترام وحماية هذه الدول لحقوق الإنسان، بل وأعطت الولايات المتحدة نفسها الحق في التدخل في الشئون الداخلية للدول من أجل حماية حقوق الإنسان في بعض الحالات، وفي حالات أخرى حركت مجلس الأمن والمجتمع الدولي من أجل الضغط على الحكومات في بعض الدول لاجبارها على احترام حقوق الإنسان كما حدث بالنسبة لقضية تيمور الشرقية، حيث مارست الولايات المتحدة بالتعاون مع بعض الدول الغربية ضغوطا شديدة على الحكومة الأندونيسية من أجل إجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة ليقرر فيه أبناء تيمور الشرقية البقاء في إطار الدولة الأندونيسية أو الاستقلال عنها، وقد اختاروا الاستقلال، في حين تتجاهل الولايات المتحدة حق أبناء كشمير المدعم بقرارات سارية عن مجلس الأمن الدولي في تقرير مصيرهم، وذلك نظرا لمصالحها الاستراتيجية مع الهند. وتصدر الإدارة الأمريكية وبعض المؤسسات الأهلية غير الحكومية الأمريكية تقارير سنوية عن حالة حقوق الانسان في دول العالم المختلفة بالإضافة إلى تقرير عن الحالة الدينية للأقليات في دو ل العالم . وقد حاولت بعض الدراسات الأمريكية تأصيل الأفكار الأمريكية في هذا الصدد، وتحليل السياسة الخارجية الأمريكية من حيث علاقتها بحقوق الإنسان في مراحل تاريخية مختلفة، فوفقا للمؤرخ الأمريكي أرثر شلسنجر فإن الولايات المتحدة قد تأسست على اعلان حقوق لايمكن انتزاعها، منذ ذلك الحين وحقوق الإنسان لها صدى خاص في التقاليد الأمريكية. ويذكر دافيد فورساتيث في كتابه حقوق الإنسان والسياسة الدولية والذي ترجمه محمد مصطفى غنيم عام 1998، إنه بدءا من إدارة ايزنهاور انهار الاهتمام الأمريكي بقواعد الاخلاق والحقوق في ثنايا السياسة الخارجية الأمريكية، بفعل معارضة الولايات المتحدة للشيوعية، ومعاداتها ومن ثم كانت تؤيدها النظم القمعية باسم مناهضة الشيوعية وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعظم النظم الشيوعية عادت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى رفع لواء حقوق الإنسان. ولاشك في أن مسألة حماية حقوق الإنسان مسألة مهمة لها جوانبها الأخلاقية والإنسانية والحضارية التي لايمكن إنكارها، خاصة وأن هناك بعض الحكومات التي تسئ معاملة مواطنيها، مستخدمة شتى أساليب القمع البدني والمعنوي، كما أن هناك حكومات أخرى تتبع سياسات تمييز بين المواطنين على أساس الجنس والعرق والدين والعقيدة السياسية، وكلها أمور لايمكن قبولها، خاصة وأن هناك بعض الدراسات التي تؤكد أن الضحايا من جراء عنف الحكومات الديكتاتورية يفوق عدد الضحايا في الحروب بين الدول. وهذا الوضع يفرض على المجتمع الدولي ضرورة التوصل إلى آلية قانونية دولية ملائمة، تطبق على كافة الدول دون استثناء تضمن توفير الحد الملائم لحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وهو ما يبذل الآن في نطاق العديد من اللجان التابعة للأمم المتحدة، وبعض المؤسسات الحقوقية الدولية الحكومية وغير الحكومية، وان كانت الجهود المبذولة في هذا الصدد لم تصل حتى الآن إلى مرحلة الإلزام. الأسلوب الأمريكي في علاج مسألة حقوق الإنسان بعد الحرب الباردة. لن يجد المتتبع للسياسة الخارجية الأمريكية من حيث علاقتها بحقوق الإنسان خلال السنوات العشر الأخيرة صعوبة في اكتشاف الأسلوب الأمريكي في التعامل مع هذه القضية، حيث اتسم هذا الاسلوب بالحقائق التالية! ـ محاولة فرض المعايير الأمريكية لحقوق الإنسان على الدول الأخرى وهي معايير من جانب منها ترتبط بالخبرة التاريخية الأمريكية الخاصة والثقافة السياسية الأمريكية التي تختلف من بعض عناصرها عن الثقافات السياسية الأخرى. ومن ثم نظرات العديد من الدول إلى هذه المحاولة بوصفها تدخل في نطاق الطموح الأمريكي لأمركة العالم. ـ القيام بمبادرات منفردة من بعض الاحيان بعيدا عن الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة، تجاه بعض الدول بدعوى حماية حقوق الإنسان ـ تسييس قضايا حقوق الإنسان في بعض الدول بمعنى محاولة استخدام هذه القضية للضغط على الدول الأخرى من أجل تغيير مواقفها أو تبين مواقف تحقق المصالح الأمريكية. ـ الكيل بمكاييل متعددة من تناول قضايا حماية حقوق الإنسان من الدول المختلفة، من جانب الولايات المتحدة، حيث تتحرك آلة الإعلام الأمريكي الضخمة وأجهزة المعلومات الأمريكية في مناطق معينة مختاره من العالم لتجمع بتعسف في كثير من الأحيان أدلة اتهام لدول معينة بصدد حقوق الإنسان، في حين تتجاهل ما يقع من انتهاكات واضحة وصريحة من جانب دول اخرى في العالم لحقوق الإنسان. هذا الأسلوب الأمريكي في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان افقد السياسة الأمريكية مصداقيتها في هذا المجال، بل واثار علامات استفهام كبيرة في العديد من دول العالم والحريات الإنسانية في العالم، بل ولا نغالي إذا ما ذكرنا أنه أساء إلى هذه القضايا ذات الطابع الإنساني و إلى المهتمين بها في المجتمعات المختلفة. ولعل الموقف الأمريكي من الانتهاكات الإسرائيلية الواضحة والصريحة لحقوق الإنسان، بل والمخالفة لكل القواعد والأعراف الدولية، والقيم الإنسانية يعد نموذجا واضحا للتعامل الأمريكي مع مسألة حقوق الإنسان، فالثابت بكل الأدلة أن إسرائيل ارتكبت وترتكب كافة الجرائم التي تمثل انتهاكا صريحا لحقوق الإنسان حتى مع مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية كعرب إسرائيل الذين يعاملون معاملة مواطنين من الدرجة الثالثة داخل الدولة العبرية التي ترفع راية الديمقراطية وهو ما يتضمن اتباع سياسات للتمييز في ممارسة الحقوق الفردية والجماعية بصورة واضحة، هذا بالإضافة إلى الاضطهاد وسوء المعاملة والسجن دون محاكمة والقتل والتعذيب، والاعتداء على الممتلكات والأعراض والاموال دون أن يؤدي هذا إلى تحريك الضمير الأمريكي المتحضر الذي يعلن صباح مساء بعبارات بليغة براقة عن ضرورة احترام حقوق الإنسان وإذا ما انتقلنا إلى الجانب المتعلق بحقوق الإنسان للمواطنين في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، تلك الحقوق التي ألزمت اتفاقية جنيف الرابعة دولة الاحتلال بمراعاتها، فحدث ولا حرج عما تقوم به إسرائيل وما ترتكبه من انتهاكات، إلى حد أن القانون الإسرائيلي يبيح استخدام التعذيب في التعامل مع الفلسطينيين، في مخالفة صريحة لكافة القيم والمعايير الإنسانية، يحدث هذا وتنقل الأقمار الصناعية ما يحدث في الأراضي الفلسطينية على الهواء مباشرة، في حين تقوم الولايات المتحدة بتوفير الغطاء الدولي والاعلامي لإسرائيل حتى تمارس هذه الانتهاكات، حيث تقف الإدارة الأمريكية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة أمام أي محاولة لتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أو أي محاولة لإدانة إسرائيل، كما يلاحظ أن المشاعر الأمريكية الجياشة لا تتحرك إلا عندما يصاب مستوطن إسرائيلي بحجر ألقاه طفل من أطفال الحجارة، في حين أن قتل إسرائيل للأطفال في صدور أهلهم والأطفال الرضع لا يلقى الاهتمام. بل والأكثر خطورة في الموقف الأمريكي تجاه هذه الانتهاكات الإسرائيلية الصريحة لحقوق الإنسان في فلسطين ، أن الولايات المتحدة تحاول من خلال سيطرتها على بعض المنظمات الدولية ان تحرك هذه المنظمات للإسهام في عملية تزييف الحقيقة، فلم نسمع إدانة واضحة من كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة لهذه الانتهاكات الإسرائيلية، كما لم يتحرك مدير منظمة اليونسيف لإدانة قتل الأطفال، إلا عندما أصيب بعض الأطفال الإسرائيليين. لهذه الأسباب كلها لم يكن غريبا ان تفقد الولايات المتحدة مقعدها من لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لأن هذا الاسلوب الأمريكي في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان أضعف مصداقية الولايات المتحدة في هذا المجال، واثار الاستياء الواضح على المستوى الدولي، خاصة وأن ما يحدث مع الفلسطينيين يمكن أن يتكرر في مناطق أخرى من العالم تبعا للمصالح الأمريكية. في تقييم ما حدث يثور التساؤل بعد ذلك حول دلالة فقدان الولايات المتحدة لمقعدها من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وأثاره ونتائجه. في واقع الأمر تتعدد الآراء بصدد دلالة هذا الحدث، البعض يرجعه إلى موقف الدول الأوروبية بالذات من عملية التصويت، إضافة إلى نظام التصويت في داخل اللجنة، والبعض يرجعه إلى تنامي الاستياء الدولي من السياسة الأمريكية تجاه حقوق الإنسان، وفريق آخر يرى أن هذا الحدث هو مقدمة لفقدان الولايات المتحدة لقدرتها على التأثير في المنظمات الدولية. إلا أن الأمر الذي يثير الاهتمام هو الموقف الأمريكي من هذا القرار، فبدلا من أن تدرس الإدارة الأمريكية الأسباب الحقيقية التي أدت إليه، كي تراجع موقفها وتعيد النظر في سياستها في هذا المجال فإنها اتجهت إلى ما يلي : ـ إدانة القرار شكلا وموضوعا، وبغطرسة مستفزة قال الرئيس الأمريكي انه لا يتصور وجود لجنة حقوق الإنسان بدون الولايات المتحدة، وكأن أمريكا هي اللجنة أو وجودها شرط ضروري لوجود اللجنة النابعة من المنظمة الدولية الأم. ـ بالرغم من نظام التصويت في هذه اللجنة بدأت أجهزة المعلومات الأمريكية في السعي إلى التعرف على الدول التي لم تعط صوتها للولايات المتحدة لتوقيع عقوبات أمريكية عليها. ـ الضغط على الأمم المتحدة وتوقيع العقاب عليها من خلال تأجيل دفع المتأخرات الأ مريكية المستحقة للمنظمة الدولية، الامر الذي يخلق وضعا حرجا للمنظمة ويعرقل أداءها لأعمالها. هذا الموقف الأمريكي لابد وأن تكون له تداعياته في المستقبل على علاقة الولايات المتحدة بالمنظمة والمنظمات الأخرى التابعة لها، حيث تحاول الولايات المتحدة التأكيد على محورية دورها في نطاق هذه المنظمات واخضاعها لتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن ماذا عن موقف باقي الدول الاعضاء، هل ستقبل بهذا الوضع، أم ستحاول أن تدفع هذه المنظمات باتجاه مستقل عن السياسة الأمريكية؟ هذا هو السؤال ! ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان