بيان الاربعاء: الجزائر تتذكر فرنسيين خدموا الثورة وسقوا أرضها بدمائهم في هذه الأيام التي سخنت فيه دماء شهداء الجزائر من جديد بعد اعترافات الجنرال الفرنسي المتقاعد بول أوساريس بارتكاب جرائم التعذيب، والاغتيال أثناء حرب الاستقلال الجزائرية، ارتفعت حدة الحقد في مختلف أوساط المجتمع إلى مستوى لم تشهده منذ تأميم المحروقات عام 1971 وما تلاها من مواجهات سياسية بين الدولتين. ولما كان الحقد أعمى يمكن أن يكون مصدر ضلال وحماقات، عملت أوساط سياسية واجتماعية في الجزائر على إبراز حقائق أخرى عن فرنسيين إنسانيين خدموا الجزائر ضد بلادهم ليقينهم أن الحرية ملك مشاع لجميع البشر بصرف النظر عن الانتماء العرقي واللغوي والديني. ونشرت الصحف الجزائرية موضوعات خصت به هؤلاء الرجال والنساء ذوي الشجاعة الخارقة وهم في الغالب من المثقفين والنقابيين، كما حرصت منظمات المجتمع المدني التي تشن حملة على حكام فرنسا الذين مارسوا التعذيب والقتل والتشريد سنوات الثورة التحريرية، على ذكرهم كرموز لمقاومة الظلم والطغيان ومصادرة الحرية. وقالت سعدو زازي وهي رئيسة حركة النساء الديمقراطيات بالجزائر «إن هؤلاء الرجال والنساء خلدوا أسماءهم في الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري فهم يحملون اسماء مثل موريس وروني وجاك و هنري لكنهم في الحقيقة جزائريون أفذاذ سقوا بدمائهم الأرض وساهموا بقسط وافر في تحرير الوطن، وأجمل ما في موقفهم أنهم لم يكونوا مجبرين على ذلك وكانوا سينعمون برغد العيش مع حكومة بلادهم لو سكتوا عن الظلم لكنهم اختاروا طريق الكرامة والمجد الخالد» وذكر مسئول في منظمة المجاهدين في اجتماع جرى قبل أسبوع بولاية عين الدفلة الواقعة على نحو 200 كلم غرب العاصمة الجزائر أنه يعرف الكثير من الاوروبيين ومعظمهم فرنسيين قاوموا الى جانب الجزائريين من أجل انهاء الاحتلال. وكان كلام الرجل ردا على طالب جامعي متحمس تحدث عن الجرائم التي ارتكبت في بلده خلال حرب التحرير ونسبها الى الشعب الفرنسي، أما محمد رباح الاطار المتقاعد وكان يشتغل بعد الاستقلال في جريدة يومية تصدر بالفرنسية اسمها «ألجي ريبوبليكان» ويقابل التسمية بالعربية «الجزائر الجمهورية» فقال إن عددا كبيرا من زملائه في الدراسة والعمل آنذاك حتى إن لم يحاربوا أعمال التعذيب الاغتيال التي كانت طقوسا يومية لفرق المظليين والبوليس السري والمصالح الخاصة، فإنهم لم يستحسنوها وقال في ندوة جرت بالعاصمة ضمت مقاتلين وفدائيين سابقين كانوا ينشطون بالمدينة وضواحيها: «كان عدد كبير منهم يخجل أمام ما يقوم به الجيش والشرطة لأنه باختصار يشبه ما فعلته النازية الألمانية في بلدهم خلال احتلالها، وهي الممارسات التي ترسخت في الذاكرة الفرنسية على أنها وصمة عار وجبن وسلوك غير حضاري»، وتحدث الرجل عن عدد كبير من الصحفيين والمثقفين الذين اشتغلوا معه بعد الاستقلال في الصحيفة المذكورة وكان منهم من كان يشتغل بها قبل اندلاع الثورة، وبسبب المواقف الجريئة التي تنشرها الجريدة أوقفتها السلطات الاستعمارية عام 1955م مع أن معظم إطاراتها وصحفييها من الفرنسيين. بقدر ما أعادت اعترافات الجنرال بول أوساريس الى الذاكرة مشاهد التعذيب والقتل العمدي المبرمج من القوى الظلامية في المجتمع الفرنسي أعادت أيضا ذلك الالتحام المثالي بين رجال ونساء من ديانات مختلفة ولغات مختلفة وأعراق مختلفة أيضا والتفافهم حول قضية واحدة هي نشر الحرية والعدل. فرنسيون طيبون ـ موريس أودان: كان موريس أستاذا للرياضيات بجامعة الجزائر، كان يساري التوجه ومنظما في الحزب الشيوعي الجزائري الذي استقل عن الشيوعي الفرنسي عام 1936م. موريس اعتبر نفسه على الدوام جزائريا أصيلا ـ حسب شهادات من يعرفونه ـ في عام 1957 اختطفه البوليس السري الفرنسي بسبب نضاله لنصرة قضية استقلال الجزائر، في حملة واسعة ضد الوطنيين كان غرضها استئصال جذور الثورة من العاصمة الجزائر، وقد سلط عليه جلادو الإدارة الاستعمارية أقسى أنواع التعذيب حتى لفظ أنفاسه دون أن يبوح بالأسرار التي يعرفها عن الثورة والثوار، ويعتبر الجزائريون موريس أودان واحدا منهم بفعل الوحدة الفريدة من نوعها التي جسدتها الثورة ضد المستعمر لأعراق مختلفة بصرف النظر عن المعتقد واللغة والاهتمامات الجزئية في الحياة، ومنحت له الجنسية الجزائرية بعد الاستقلال حتى وهو في العالم الآخر. وتحمل ساحة تتوسط العاصمة اسمه على بعد أمتار فقط من القاعة التي كان يلقي بها دروسه بجامعة الجزائر، وتحصلت عائلته من الرئاسة الجزائرية على وسام شرف خدمة البلد مثل التي نالها غيره ممن سقطوا في ميدان الشرف لتحرير الجزائر. ـ هنري مايو: كان مايو مولعا بالرياضة وهو من عائلة عمالية أقامت بالجزائر منذ عشرات السنين واختلطت بالعرب والبربر حتى صارت أقرب اليهم منها الى الأوروبيين، وكانت الثورة الجزائرية في أوج عنفوانها عندما استدعي هنري لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي، ما يعني أنه مرشح ليصبح قاتلا وهو الذي ورث عن والديه العطف على المظلوم والمحتاج في كل الحالات، وحين كان صف ضابط في الجيش عام 1956 استولى على شاحنة محملة بالأسلحة والذخيرة كانت موجهة لتعزيز قدرات جنود الاحتلال، وحولها إلى جبال الونشريس قرب عين الدفلة غرب العاصمة، وكانت خدمة عظيمة للثورة الجزائرية التي كانت وقتها بحاجة ماسة الى السلاح. ولقد صادف تلك العملية البطولية لهنري مايو حادثة أخرى أسعدت الثورة كثيرا وهي توحيد القوات المسلحة الثورية في الجزائر التي كانت في السابق فصيلان أولهما باسم جيش التحرير الوطني وينشط بشرق البلاد خصوصا وثانيهما باسم «مقاتلي الحرية» وينشط بالغرب وقد تقرر توحيد القوة العسكرية بعد لقاء جمع بين يوسف بن خدة وعبان رمضان من جبهة التحرير والبشير حاج علي والصادق هجرس من الشيوعي، وكانت حادثة شاحنة الأسلحة مناسبة سعيدة لتكريس وحدة الكفاح المسلح لكل الجزائريين ضد المستعمر. وسقط هنري مايو في ميدان معركة الحرية بعد مدة من التحاقه بصفوف جيش التحرير. الجميلات الثلاث ـ جاكلين قروج: فرنسية كانت من ضمن مجموعة من النساء الجزائريات اللائى قاومن الاستعمار بالعاصمة ونشرن العمل الثوري في وسط العائلات. اعتقلت لنشاطها الثوري المناهض للوجود الفرنسي وأودعت السجن مع أخريات يؤدين نفس الدور منهن أني شتينر وهي سويسرية الأصل، وجزائريات عديدات منهن «الجميلات» الثلاث (جميلة بوحيرد و جميلة بوعزة وجميلة بوباشا). كانت جاكلين نشيطة وذات جمال فتان وعطوفا تمقت ممارسات جيش الاحتلال ضد الوطنيين الجزائريين الى درجة الحقد، وتكونت لديها مع الانخراط في التنظيمات الشبابية والشعبية الخيرية والثقافية القدرة الكافية على تحويل غيظها وحقدها الى عمل خلاق ونافع، واستطاعت قيادة الثورة في العاصمة توجيه هذه الطاقة لخدمة مخططها، ولما اعتقلها البوليس الفرنسي سلط عليها أقسى أنواع العذاب ليس فقط لأنها تنتمي الى المقاومة لكن بالدرجة الأولى باعتبارها خانت وطنها الأصلي فرنسا و«تحالفت مع متمردين يشكلون خطرا على النظام العام» كما جاء في خاتمة تقرير القضاء الفرنسي بعد محاكمتها، الى أمد قريب كانت جاكلين قروج تشتغل رئيسة مكتبة كلية الاقتصاد بجامعة الجزائر لكن مع اندلاع المواجهات في الجزائر مع مطلع عام 1992 تعرضت الى مضايقات كبيرة وغادرت البلاد الى فرنسا ويجهل الآن ما إذا كانت على قيد الحياة أم توفيت، أما زوجها فيدعى عبد القادر قروج الذي تحمل اسمه منذ زواجها منه في بداية الخمسينات، فهو جزائري الأصل استشهد خلال الثورة التحريرية. سينمائي الثورة ـ روني فوت ييه: هو واحد ممن وضعوا الأساس لميلاد السينما الجزائرية من رحم الثورة . فقد حمل الكاميرا الى الجبال وساحات المعارك ليصور بطولات جيش التحرير ضد قوات الاحتلال و وحشية القصف الجوي للطيران الفرنسي على القرى والمجمعات السكنية وقتل الأطفال والنساء والعجزة، وعكست لقطاته التفاف الشعب حول الثورة بتصوير نزول المجاهدين ضيوفا على السكان وحرارة الاستقبال والاهتمام الكامل لأهل الريف خصوصا بحصص التوعية والتجنيد التي يقوم بها المحافظون السياسيون للجيش وتطبيق الناس للتعليمات وما الى ذلك من المحاور التي شكلت صورها النواة الأولى للفيلم الجزائري، وقد وصلت صور روني فوتييه وزملائه من الفرنسيين المنتمين الى الثورة مثل بيار شولي وزوجته وآخرين والجزائريين وفي مقدمتهم عبد القادر شندرلي ثم محمد الخضر حمينة صاحب السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 1975 عن فيلم «وقائع سنين الجمر» الى مختلف أصقاع العالم وأدت دورا كبيرا في جلب انتباه الرأي العام الدولي حول القضية الجزائرية، وقد تسللت استطلاعاته المصورة التي كانت شهادات حية عن فظاعة ممارسات الاستعمار الى أروقة الأمم المتحدة وقصور حكام أقوى بلدان العالم وأكثرها تأثيرا آنذاك، وساهمت في جلب تعاطف معظم الشعوب والحكومات في العالم. كما شكلت أداة ضغط عجلت بهزيمة فرنسا الدبلوماسية بخصوص المسألة الجزائرية. روني فوتييه نال أوسمة الشرف الجزائرية باعتباره مواطنا ومناضلا وهو حتى اليوم ـ وإن كان يقيم بفرنسا ـ فإنه لا يترك مناسبة إلا وزار فيها الجزائر لتجديد اللقاء بالتاريخ، وهو في السنوات الأخيرة شديد التأثر بسفك دماء الجزائريين وقال ذات مرة «لقد قاومنا الاستعمار من أجل أن يعيش هذا البلد الجميل في أمن واستقرار... ويجب أن يعود الأمن لأن الجزائر لا يمكنها إن تكون شيئا آخر غير البلد الجميل الذي تنبت فيه المحبة كل صباح». هذه نماذج من الشخصيات ذات الأصل الفرنسي والأوربي عموما التي انحازت للثورة الجزائرية أنها مشروع إنساني عظيم قام على أنقاض سلطة القهر التي ستنتهي في كل مكان من المعمورة. في جزائر اليوم كفاح من أجل محاكمة جلادي الاستعمار الفرنسي الذين اقترفوا جرائم ضد الإنسانية، وفي نفس الوقت كفاح من أجل أن لا تكون تلك الجرائم التي اعترف بها من اقترفوها مؤشرا لانحدار الفكر الى مستوى الانعزالية وقصور الذاكرة الى درجة تجاهل قسم ممن قدموا أعز ما يملكون لتتحرر الجزائر وإن كانوا من غير أبنائها الأصليين