بيان الاربعاء: باتت قضية حقوق الإنسان من القضايا العالمية التي لا تعرف الحدود، وأضحت على رأس القضايا التي فرضها النظام العالمي الجديد في أجندته، وانعكس ذلك في حجم المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والتي على رأسها منظمة العفو الدولية ـ منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ـ اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان .. وغيرها من المنظمات وثيقة الصلة بالعمل الحقوقي العالمي، والتي أصبح لها كلمة مسموعة على الصعيد الدولي. ووسط هذا الزخم الذي شهدته قضية حقوق الإنسان برزت العديد من التناقضات أهمها التفريق بين «عالمية حقوق الإنسان» وبين «خصوصية المجتمعات المختلفة»، وفي هذا الإطار فإن ثمة حقيقة ينبغي إدراكها وهي أن «عملية حقوق الإنسان لا تعني أن هناك نموذجاً اجتماعياً وسياسياً وقانونياً واحداً مثالياً يحترم هذه الحقوق». ويبدو أن الدول الخليجية ـ التي طالما وجهت إليها انتقادات بشأن سجلات حقوق الإنسان لديها ـ أدركت التحولات الجارية في هذه القضية الحيوية، ومن ثم فقد عقد في مارس الماضي اجتماع للجنة الفنية المكلفة من قبل وزراء العدل بدراسة الاقتراح المتعلق بإنشاء لجنة تنسيقية لحقوق الإنسان في إطار الاقتراح المقدم من دولة الكويت. ويأتي بحث الموضوع على ضوء الأحكام الإسلامية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان، انسجاماً مع التطورات الراهنة لقضايا حقوق الإنسان، وانطلاقاً من الاهتمام العالمي المتزايد بهذه القضايا التي تتصل اتصالاً مباشراً بالقواعد القانونية والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بجميع الدول. وتجسيداً لاهتمام دول المجلس بحقوق الإنسان التي اتسعت دائرتها في الوقت الحاضر لتصبح أحد موضوعات العلاقات الدولية. ومما لاشك فيه أن اجتماع اللجنة الفنية السابق الإشارة إليه لا يخلو من دلالات يأتي في مقدمتها ما يلي: ـ أن الانفتاح على موضوع حقوق الإنسان، على مستوى بلدان مجلس التعاون الخليجي يعني أن تناول قضايا الحريات والحقوق لم يعد أمراً ممنوعاً. ففي السنوات السابقة كان مجرد الإشارة إلى أن دولاً في الدائرة الخليجية لا تحترم الحقوق الإنسانية يعني أن هناك أزمة سياسية واقعة بين الجهة المثيرة والدولة المعنية، كما أن التقارير السنوية للمنظمات الدولية لم يكن أحد يجرؤ على الحديث عنها أو نشرها في وسائل الإعلام أو حتى تداولها. ـ أدركت الدول الخليجية ضرورة وجود منظمات أو مؤسسات ذات سمة خليجية تعنى بحقوق الإنسان سواء اتخذت هذه المنظمات والمؤسسات منحى أهليا أو رسميا. وذلك وسط زخم كبير لمنظمات دولية وإقليمية عاملة في هذا المجال. ـ ان الدول الخليجية أصبحت بصدد تعاطي إيجابي مع هذه القضية الحيوية، وأصبحت عازمة على اتخاذ المبادرة بعد أن ظلت لعقود طويلة تكتفي بمجرد نفي الاتهامات الموجهة إليها فيما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان، وتوجيه شكوك حول نوايا المنظمات الدولية المختلفة. مما يعني أن دول الخليج بدأت في بلورة رؤية معينة مؤداها العمل على إيجاد حوار صريح ومثمر بعيداً عن توجيه التهم للآخرين. ـ ان الدول الخليجية أصبحت لديها قناعة بضرورة إيجاد آلية تضطلع ـ بجانب آليات أخرى على الصعيد العربي والإسلامي ـ بمهمة إيصال مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام إلى المنظمات المماثلة على الصعيد الدولي لاسيما وأن إزالة أي لبس أو غموض في هذا الشأن سوف يغير من الصورة الذهنية لدى الغرب والتي تدعم فكرة انتهاك حقوق الإنسان في المجتمعات الإسلامية. ـ ان هذا التطور على صعيد العمل الخليجي الجماعي إنما جاء انعكاساً للأجواء الانفتاحية التي شهدتها العديد من الدول الخليجية لاسيما في اتجاه تعزيز الحقوق السياسية لمواطنيها. تطورات ايجابية وثمة تطورات إيجابية مهمة باتجاه تأكيد حقوق الإنسان في دول مجلس التعاون الخليجي، ولاشك أن ما شهدته هذه الدول في السنوات القليلة الماضية يستحق الرصد والمتابعة بهدف تطوير هذه الإنجازات والبناء عليها. وسوف نكتفي في هذا الإطار بالإشارة إلى أهم التطورات التي شهدتها دولة البحرين والمملكة العربية السعودية كونهما من الدول التي وجهت إليها انتقادات بالغة من قبل منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية. أولاً: دولة البحرين: خطت دولة البحرين خطوات واثقة على صعيد تعزيز حقوق الإنسان فيها. وهي خطوات يمكن للمراقب رصدها سواء على الصعيد الدستوري أو الصعيد المؤسسي أو على صعيد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. فعلى الصعيد الدستوري؛ فقد كفل الميثاق الوطني البحريني حقوق الإنسان، فنص على أن الملكية الخاصة مصونة، وأن لكل شخص حرية التصرف في ممتلكاته الخاصة إلا لأغراض المنفعة العامة. كذلك كفل الميثاق المساواة بين الأفراد، حيث أشار إلى أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، كذلك أكد الميثاق حرمة المساكن وحرمة المراسلات الشخصية وسريتها. وحرية العقيدة وحرية التعبير والنشر. وأكد الميثاق على عدم جواز تعرض أي إنسان لأي نوع من أنواع التعذيب المادي أو المعنوي أو لأي معاملة غير إنسانية أو مهينة أو ماسة بالكرامة، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بالقانون. وفضلاً عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فقد عزز الميثاق الحقوق السياسية، عندما نص على تمتع المواطنين بحق المشاركة في الشئون العامة في البلاد بخاصة حق الانتخاب والترشيح طبقاً لأحكام القانون. وعلى الصعيد المؤسسي؛ فقد سارت البحرين نحو تعزيز المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، فأنشأت عام 1999 لجنة حقوق الإنسان في مجلس الشورى البحريني. وكذلك توجت مسيرتها مؤخراً بالموافقة على إنشاء جماعة مستقلة لحقوق الإنسان هي «الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان والمؤلفة من 16 رجلاً وامرأة بحرينيين». ومن المنتظر أن ترتبط هذه المنظمة بعلاقات قوية بمنظمات حقوق الإنسان العالمية، خاصة وأن المنظمة البحرينية بصدد تقديم طلبات عضوية إلى منظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وأيضاً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان. وعلى الصعيد الدولي؛ فقد أعلنت لجنة حقوق الإنسان في مجلس الشورى البحريني استعدادها لتوقيع عدد من الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، وأبرزها إلغاء التعذيب، وتوقيع اتفاق منع التمييز في الاستخدام والمهنة، والدراسة الجدية للعديد من الاتفاقات الأخرى لاسيما وأن البحرين من الموقعين على اتفاقيات دولية أخرى في مجال حقوق الإنسان كذلك شهدت البحرين تحولات في تعاطيها مع المنظمات الدولية ومنها منظمة العفو الدولية، حيث بدأت في التعاطي بإيجابية شديدة مع هذه المنظمات وتجلى ذلك في استقبال الشيخ حمد بن عيسى أمير دولة البحرين وفد منظمة العفو الدولية في المنامة في مارس هذا العام، مشيداً بالجهود التي تبذلها المنظمة ودورها في تحقيق أهدافها المتمثلة في العدالة وترسيخ مبادئ الحرية. أما المنظمة؛ فمن جانبها فقد وصفت زيارة وفدها إلى البحرين بأنها «جاءت خلال مرحلة تاريخية حقاً بالنسبة لحقوق الإنسان»، وقالت المنظمة بان التحدي الذي يواجه حكومة وشعب البحرين هو كيفية ترجمة مبادئ حقوق الإنسان التي تضمنها ميثاق العمل الوطني في الممارسات اليومية. كذلك أشادت المنظمة بالخطوات التي اتخذتها حكومة البحرين لاسيما العفو العام وإلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة، إلا أن المنظمة عبرت عن أملها في تعديل بعض القوانين في البحرين لتتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان مؤكدة في الوقت نفسه استعدادها لتقديم المساعدة في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان في هذا البلد. الشريعة وحقوق الإنسان ثانياً: المملكة العربية السعودية: تعد المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر الدول التي طالتها تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، بيد أن المملكة وفي تعاطيها مع هذه القضية حرصت على التأكيد على عدد من العناصر أهمها: ـ أولاً: أن التزام المملكة العربية السعودية بالإسلام شريعة وديناً ومنهاجاً، سابقاً لأي صكوك وضعت لحقوق الإنسان، وبالتالي فإن الإسلام أساس التزامات المملكة التعاهدية، وأي تحفظات من جانب المملكة على بعض مضامين اتفاقيات حقوق الإنسان، إنما تأتي في إطار مخالفة تلك المضامين للشريعة الإسلامية. ـ ثانياً: ان المملكة العربية السعودية تؤمن بالحوار وتقبل الانتقادات شريطة أن يكون انتقاداً بناء قائماً على معايير واضحة أهمها النية الصادقة في حماية وتعزيز حقوق الإنسان في جو من التعاون والشفافية. وهو الأسلوب الذي يمكن من خلاله إحراز تقدم في مجال الوقاية من الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، ومعالجة الحالات القائمة بطرق توفيقية بعيداً عن التسييس والانتقائية. وانطلاقاً من قناعة المملكة العربية السعودية بضرورة التعاون مع مختلف الجهات من أجل خدمة مسألة حقوق الإنسان، فقد قامت المملكة بالترحيب بزيارة عدد من الفعاليات الدولية للاطلاع على أوضاع حقوق الإنسان فيها، ومن ثم فقد رحبت في وقت سابق بزيارة المقرر الخاص المعني باستقلال القضاء التابع للأمم المتحدة كومار سوامي. كذلك أعلنت غير مرة عن رغبتها في التعاون مع لجنة حقوق الإنسان «على أساس الشفافية والوضوح والموضوعية» انطلاقاً من حقيقة أن المملكة على استعداد لتقديم المعلومات التي تطلب منها، كذلك دعت المملكة منظمة العفو الدولية لزيارتها لتأكيد الأوضاع المتميزة لحقوق الإنسان في المملكة. كذلك واستمراراً للنهج الإيجابي؛ رشحت المملكة العربية السعودية نفسها للمرة الأولى لعضوية لجنة حقوق الإنسان والتي تتألف من 53 دولة ينتخب أعضاؤها مرة كل ثلاث سنوات وتشارك بقية الدول بصفة مراقب إذ يحق لها التصويت واتخاذ القرارات. والجدير بالذكر أن أعمال الدورة السابعة والخمسين للجنة الدولية لحقوق الإنسان انطلقت في وقت سابق في مارس الماضي بعضوية المملكة العربية السعودية. ولعل أهمية عضوية المملكة في اللجنة تنبع من جوهر عمل الدورة والتي تتمثل في الاستماع إلى التقارير المختلفة إما المتعلقة بالدول أو تلك المتعلقة بميادين بعينها كالتعذيب والاختفاءات والإعدامات الجماعية والأقليات والعنصرية والعمال الأجانب وحقوق المرأة وحرية التعبير وعدم التسامح الديني. وأخيراً يثور تساؤل، هل تعتبر الخطوة الأخيرة التي اتخذتها دول مجلس التعاون الخليجي ـ باتجاه تأسيس لجنة حقوق إنسان خليجية ـ استجابة لاتجاه عالمي يضع قضية حقوق الإنسان في بؤرة اهتمامه، أم تعتبر خطوة مهمة نحو تعزيز الخصوصية الخليجية؟ لاشك أن ما يجري على الساحة الخليجية يؤكد أن الاعتزام بإنشاء لجنة خليجية لحقوق الإنسان، يأتي في إطار التطور السياسي والاجتماعي والمؤسسي للمنطقة مما يعني أن مثل هذه اللجنة في حال إنشائها سوف تؤدي إلى تعزيز حقوق الإنسان من منطلق خليجي يأخذ في اعتباره خصوصية المجتمع الخليجي، وفي هذا الإطار فإن تأسيس لجنة حقوق الإنسان، لا يتطلب فقط دعماً من الوزراء المعنيين الذين دعوا إلى هذا الاجتماع ولكنه يحتاج إلى دعم سياسي على أعلى المستويات إضافة إلى دعم ومتابعة من مؤسسات المجتمع المدني والصحافة، ومن كل المشتغلين بالشأن العالمي.