بيان الاربعاء: عندما أنشئ مجلس التعاون لدول الخليج العربية في فبراير 1981، كانت أجواء التفاؤل تسيطر على هذا المشروع التكاملي الوليد، وبالرغم من أن المراقبين صنفوا هذه الخطوة باعتبارها نوعاً من رد الفعل الأمني الذاتي لدول المنطقة تجاه كل المخاطر والتغيرات السياسية المحيطة ـ لا سيما الثورة الإيرانية وما صاحبها من شعارات تصدير الثورة، ثم حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق ـ إلا أن الأمل ظل معقوداً على ألا تنتهي ردة الفعل هذه بمجرد انتهاء الظروف التي خلقتها، فكثير من أحداث وتطورات وإنجازات هذا العالم بدأت كردة فعل لحدث أو تطور معين، إلا أنها سرعان ما تجاوزت نتائجها في النهاية نقطة بدايتها، وفاقت ما كان مخططاً لها من أهداف.وعلى مدى عشرين عاماً استطاع مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ عام 1981 تحقيق العديد من المنجزات سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي .. وعلى الرغم من تلك المنجزات إلا أن آراء العديد من المراقبين قد تباينت بشأن عمل المجلس، حيث أشاروا إلى عدة أوجه قصور منها على سبيل المثال لا الحصر: ـ آلية اتخاذ القرار في المجلس (قاعدة الإجماع) حيث أثبتت الممارسة العملية أن هذا المبدأ أدى إلى عرقلة العديد من المقترحات فبالرغم من وجود مصالح مشتركة أمنية داخلية وخارجية بين دول المجلس فإن ثمة تفاوتاً ولو في مدى أهمية تلك الصالح بالنسبة للأعضاء. ـ وعلى الصعيد السياسي لم يتمكن المجلس من تحديد مسارات سياسية خارجية موحدة تجاه الأحداث لذلك ظهرت في أحيان كثيرة خلافات على بعض القضايا أخذت من منظور ثنائي وليس جماعي كما هو مفترض. ـ على الصعيد الاقتصادي.. فبالرغم من الأهمية التي بدأ يوليها المجلس للاقتصاد باعتباره عصب حياة أي شعب إلا أنه لا تزال ثمة ملاحظات ترد على الأداء الاقتصادي للمجلس لاسيما مشروع الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم التوقيع عليها في الدورة الثانية للمجلس الأعلى التي عقدت في نوفمبر في الرياض عام 1981. وانطلاقاً من وجود أوجه للقصور في عمل المجلس أورد المحللون عدة آليات لتفعيل عمله ابتداء بالاتفاق على مفهوم للأمن الجماعي ومروراً ببناء منظومة دفاعية للأمن الخارجي وانتهاء بإزالة معوقات التكامل الاقتصادي. يتطلب تقييم أداء مجلس التعاون الخليجي نظرة أولية على ما تم إعلانه من أهداف ومبادئ للمجلس في إعلان أبوظبي، وبالتالي قياس نجاح أو إخفاق المجلس في ضوء ما ألزم به هذا الأخير نفسه. فقد نص إعلان أبوظبي في مايو 1981على أن «الاندماج الإقليمي خاصة في منطقة الخليج سيكون عوناً ودعماً لأهداف الأمة العربية والإسلامية.. ويصبح أكثر إلحاحا ومطلبا محلياً في هذه الفترة التاريخية، ونص الإعلان أيضاً على أن شعوب الخليج تنظر اليوم إلى حكوماتها كي تحل لها المعادلة الصعبة، وهي الوصول إلى تنمية حقيقية ومستمرة من جهة والحفاظ على السلام الاجتماعي والأمن والتقدم من جهة أخرى». وقد بدا أن النظام الأساسي للمجلس نص صراحة ومباشرة على أن الهدف النهائي للمجلس هو الوصول إلى وحدة دول الخليج، إلا أن دول الخليج أيضا قررت تبني النموذج الأوروبي بمعنى البناء على قاعدة الوحدة الاقتصادية الجامعة لكل العناصر الإيجابية، وتأجيل عملية الوحدة السياسية خوفاً من تأثير تناقضاتها على المسيرة المشتركة. بيد أن تقييم مسيرة مجلس التعاون الخليجي، لمعرفة ما تم إنجازه وما تم الإخفاق فيه، تتطلب بداية الإشارة إلى ثلاث ملاحظات غاية في الأهمية: أولاً: ان دول الخليج العربية توفرت لها العديد من الشروط الموضوعية التي تؤهل للوحدة وهي تلك القواسم المشتركة التي ربما لا تتوافر في أي مجموعة إقليمية أخرى، فكل دول الخليج العربية ذات أنظمة سياسية متماثلة، ونظام اقتصادي حر، ومعظمها يتمتع بدخل وطني مرتفع نسبياً ومجتمعات ذات بنية واحدة وثقافة اجتماعية واحدة وتداخل اجتماعي واضح فضلا عن تمتعها بنمط أو أسلوب إنتاج واحد، ومن ثم فإن توافر هذه الظروف الموضوعية يدفعنا إلى التساؤل حول الأسباب التي جعلت إنجازات المجلس تقف دون الطموحات التي منت الشعوب الخليجية بها نفسها طيلة عشرين عاما من العمل المشترك حيث ظل التعاون بجانبيه السياسي والاقتصادي لا يرقى إلى طموحات هذه الشعوب. ثانياً: انه في ظل التقييم يمكن الإشارة إلى أن المجلس مر بثلاث مراحل فاصلة يجب وضعها في الاعتبار عند التقييم وهي: ـ مرحلة التأسيس والتي اتسمت بالحيوية والنشاط والرغبة في إنجاز كل الأوراق التي ووفق عليها ابتداء من النظام السياسي والانتهاء بالاتفاقيات الأخرى أهمها الاتفاقية الاقتصادية. ـ مرحلة دخول المنطقة في تأثيرات الحرب العراقية-الإيرانية وانتهاء الصراع بين قطبي القوة الدولية وانتهاء الاتحاد السوفييتي وتفتت دوله وانتهاء الحرب الباردة. ـ مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت، وظهور قطب واحد في المعادلة الدولية وهو الولايات المتحدة. وقد انعكست هذه المراحل ـ دون شك ـ على النظرة إلى هذا التكتل الإقليمي من ناحية كما انعكست أيضاً على تفكير الدول الست المنضمة فيما يتعلق بآليات التعاون من ناحية أخرى. ثالثا: ان القول بقصور يعتري المجلس لا يعني بأي حال من الأحوال إنكار العديد من الإنجازات التي تحققت في إطار المجلس طوال العشرون سنة الماضية، والتي أبرزها على الإطلاق نجاحه في الاستمرار ككيان إقليمي في وقت غابت فيه العديد من التجارب التعاونية المماثلة على الصعيد العربي أو تم تجميدها. هذه الإنجازات لا تسعى الورقة إلى رصدها، وإنما ستسعى هذه الورقة بالأساس إلى تقييم مسار المجلس خلال عشرين عاما من خلال الإشارة إلى أهم الانتقادات التي وجهت إلى عمله والتحديات التي يواجهها وأخيراً متطلبات تفعيل هذه المسيرة. أوجه القصور وكما سبقت الإشارة، فإن استمرار مجلس التعاون في الإبقاء على ذاته ككيان إقليمي متماسك رغم الاختبارات القاسية التي تعرض لها على مدى مسيرته لم يمنع من أن توجه إليه ملاحظات بشأن الفعالية، ولعل آراء المواطنين حول إنجازات مجلس التعاون الخليجي وتقييمهم لهذه الإنجازات يعد بداية طيبة وهامة في آن واحد في إطار تناول قصور أداء المجلس، فالمواطنون الخليجيون هم الوحيدون الذين بإمكانهم أن يقوموا إنجازات المجلس بموضوعية وحياد. ولعل الاستطلاع الذي أجرته «صحيفة الشرق الوسط» في عددها 8067 يكشف جانباً مهما ورؤية مثيرة للجدل، افصح عنها المشاركون في الاستطلاع فيما يتعلق بتأييدهم لبقاء المجلس من عدمه، ومدي مساهمته في تحقيق طموحات وتطلعات وآمال أبناء الخليج. حيث عبر 42% من المشاركين عن أن توصيات القمم الخليجية عادة ما تكون دون المستوى المطلوب، واعتبر 46% ممن شاركوا في الاستطلاع أن مجلس التعاون لم يحقق الطموحات والآمال المنشودة منه،فيما رأى 39.3% أن أخبار وإنجازات المجلس ليست مهمة حتى تتم متابعتها، وعزا أكثر من 10% من الرافضين لبقاء المجلس رفضهم إلى جملة مبررات أهمها عدم وجود نتائج ملموسة للمجلس تمس اهتمامات المواطن الخليجي وعدم تطبيق القرارات الصادرة على أرض الواقع. ويمكن الإشارة إلى أهم الانتقادات أو بالأحرى أوجه القصور في عمل المجلس على مدى السنوات العشرين الماضية فيما يلي: على الصعيد المؤسسي: فإن أحد الانتقادات التي وجهت إلى المجلس كان يتعلق بآلية اتخاذ القرار في المجلس وتحديدا قاعدة الإجماع أو مبدأ الإجماع. حيث أثبتت الممارسة العملية أن هذا المبدأ غير الواقعي أدى إلى عدم تنفيذ العديد من الأفكار التي اتفقت عليها دولتان أو اكثر من دول المجلس ورأت الدول الأخرى التريث أو التحفظ أو أحياناً الرفض لها. ومنذ القمة الأخيرة في المنامة كان ثمة توجه نحو كسر هذه القاعدة خاصة حين أثبتت هذه الطريقة عدم جدواها ومدى تسببها في تعطيل الكثير من المشروعات، بعبارة أخرى فإن مفهوم الإجماع ثبت انه مفهوم مثالي وساذج للتكتلات الدولية لا يمكن أن يتحقق بل يستحيل أن يتحقق فبالرغم من الاعتراف بوجود مصالح مشتركة أمنية داخلية وخارجية بين دول المجلس، فإن ثمة تفاوتاً ولو في مدى أهمية تلك المصالح بالنسبة للأعضاء الستة. أما على الصعيد السياسي: لم يتمكن المجلس من تحديد مسارات سياسية خارجية موحدة تجاه بعض الأحداث، لذلك ظهرت في أحيان كثيرة خلافات على بعض القضايا أخذت من منظور ثنائي وليس جماعي كما هو مفترض. وفي المقابل أصبحت السمة الغالبة للسياسة الخارجية هي التنسيق في المواقف التي لا يمكن توحيد الرأي بشأنها لتنتج بذلك صيغ توفيقية. وعلى الصعيد الاقتصادي: وعلى الرغم من الأهمية التي بدأ يوليها المجلس للاقتصاد باعتباره عصب حياة أي شعب وعلى الرغم من حديث القمة الخليجية الأخيرة عن الوحدة النقدية والجمركية والتجارية، بما يعكس فهم الدول الخليجية لأهمية الاقتصاد في دعم الاستقرار، فإنه لاتزال ثمة ملاحظات ترد على الأداء الاقتصادي للمجلس، لاسيما مشروع الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم التوقيع عليها في الدورة الثانية للمجلس الأعلى التي عقدت في نوفمبر في الرياض عام 1981، ولعل من أهم مظاهر القصور في الأداء الاقتصادي ـ كما أشار البعض: ـ عدم الاتفاق بين الدول الأعضاء على عملة موحدة،حتى ما يسمى المثبت المشترك لعملات الدول الست لم يتفق عليه. ـ تأخر التعريفة الجمركية الموحدة،برغم أنها الركيزة الأساسية للسوق المشتركة. ـ عدم وجود آليات لتسوية الخلافات التجارية. ـ استمرار العمالة الوافدة في دول الخليج بما يؤثر بالسلب على التركيبة السكانية في معظم دول المجلس،في الوقت الذي يمكن للعمالة الوطنية في بعض الدول أن تحل محلها. التحديات التي تواجه عمل المجلس بالإشارة إلى ما سبق تناوله من أوجه قصور في عمل مجلس التعاون الخليجي، وقبل الانتقال إلى متطلبات التفعيل، ربما تجدر الإشارة إلى أهم التحديات على الصعيدين السياسي والاقتصادي كما أوردتها إحدى الدراسات ـ والتي تواجه مجلس التعاون الخليجي ككيان خلال هذه الفترة والفترات المقبلة بما يتطلب تعاطياً سريعاً وفعالاً معها،بغية تفعيل المجلس. التحديات السياسية والأمنية: ـ العلاقات الخارجية مع دول الجوار الجغرافي وتحديداً إيران والعراق، وهي علاقات لم تصل بعد إلى مرحلة يتم فيها إيجاد معادلة تعاونية خليجية مشتركة تصوغ العلاقات الخليجية ـ الإقليمية. ـ استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وهو تحدي تضاعف بعد إخفاق اللجنة الخليجية الثلاثية في حل هذه القضية بالطرق السلمية أو تقريب وجهات النظر بشأنها. ـ الأوضاع الداخلية غير المستقرة ،القائمة في الدول المجاورة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ،كالعراق وإيران واليمن وهي أوضاع من شأنها أن تؤدي إلى تغيرات إقليمية ربما تخل بأمن دول مجلس التعاون الخليجي. ـ سباق التسلح النووي الدائر في جنوب آسيا، لاسيما بين الهند وباكستان، وما يؤدي إليه هذا السباق من زيادة للقدرات العسكرية لتلك الدول، بما يضع دول مجلس التعاون في وضع أمنى غير ملائم. التحديات الاقتصادية: ـ التذبذب في أسعار النفط نتيجة للتذبذب في العرض والطلب مع ظهور أسواق نفطية جديدة في وسط آسيا وأمريكا الجنوبية. ـ الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل الأمر الذي يؤدي في ضوء التذبذب السابق الإشارة إليه والذي يخضع لمتغيرات تقع في الأساس خارج دائرة الإرادة الخليجية ـ إلى حدوث عجز في ميزانيات بعض دول المجلس. ـ الاختلال في سوق العمل الخليجي والاعتماد على العمالة الوافدة، وتركز العمالة الوطنية في الأجهزة الحكومية والقطاعات الخدمية، مما يترتب عليه تحديان أولهما اختلال التركيبة السكانية في المجتمعات الخليجية لصالح الوافدين والأجانب، وثانيهما، التحويلات المالية الضخمة لملايين الدولارات والتي تضخها هذه العمالة إلى دولها الأم في الخارج. ـ استمرار محدودية الطاقة الاستيعابية للأسواق المحلية بسبب الاعتماد المفرط على الاستيراد، وعدم قدرة القطاع الصناعي على تلبية الطلب المحلي الاستهلاكي والاستثماري. ـ استمرار تفوق قوى الاستهلاك على قوى الإنتاج الأمر الذي يبقي على معدلات استثمار منخفض مقارنة بالقدرات الوطنية الادخارية. متطلبات التفعيل في ضوء التحديات السابقة، يظل أمام مجلس التعاون أن يستوفي العديد من المتطلبات لكي يستطيع تفعيل أدائه خلال الفترة المقبلة ومن هذه المتطلبات: ـ ضرورة الاتفاق على مفهوم للأمن الجماعي والردع الشامل، والاتفاق على ما إذا كان هذا الأمن يشمل الجانب العسكري فقط أم يشمل مفاهيم الأمن الحديثة بما في ذلك الأمن الغذائي والعمالة الوافدة والتركيبة السكانية (فيما يعرف بالأمن السكاني) والاتفاق كذلك على مصادر الخطر والتهديد الداخلي والخارجي، على أن تتم ترجمة هذه المفاهيم باتفاقات استراتيجية وليست تكتيكية. ـ يرى البعض أن أول شروط نجاح هذا التحالف أو التعاون يجب ان يتضمن بناء منظومة دفاعية للأمن الخارجي، وما لم يتحقق هذا الهدف فإن باقي أشكال التعاون الأخرى في مجالات العمل المشترك تظل على الهامش وبعبارة أخرى فإن أي تعاون لا يأتي بالبناء على قوة رادعة لكل عدوان خارجي تتعرض له أي من دول مجلس التعاون لهو تعاون نظري يتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ. الجدير بالذكر أن الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي طرح في القمة الخليجية الواحدة والعشرين فكرة الاتفاق على تحديد رؤية سياسية مرجعية تكون هي الموجه الذي تستند إليه القوة العسكرية. وكان بهذا الاقتراح يحاول رسم إطار سياسي للمواقف المتعددة التوجه لكي يصبح التعاون أكثر تماسكا وانسجاماً لاسيما وأن اتفاقية الدفاع المشترك فرضت اعتماد استراتيجية واحدة موحدة تكون بمثابة «البوصلة السياسية» ـ على حد تعبير أحد الخبراء ـ لأي قرار يتخذ بالإجماع لتحريك الرادع العسكري. وفي ضوء التحديات الاقتصادية السابقة، يشير الخبراء إلى أن الموضوع الاقتصادي برمته يحتاج إلى بذل جهود كثيرة باتجاهين: الأول: إشاعة الوعي بأهميته ـ أي البعد الاقتصادي ـ وحيويته وضرورته العاجلة. والثاني: تقليص ومحاصرة البيروقراطية التي هي بطبيعتها معرقلة للانفتاح ومقاومة للتقارب الاقتصادي. مع ملاحظة أن هاتين المهمتين لا ينبغي أن تضطلع الحكومات بهما بمفردها حيث يتطلبان جهوداً متضافرة ما بين الحكومات من ناحية والمؤسسات الأهلية وكل الحريصين على مسيرة التعاون.