بيان الاربعاء: اجمعت معظم آراء المفكرين والباحثين على ان العولمة ستؤدي حتماً الى تراجع دور الدولة وسيادتها.. بل ان جزءاً من هؤلاء وهو ـ الاكثر تطرفاً ـ اشار بوضوح الى ان العولمة ستؤدي الى تلاشي الدولة بصفة عامة، الا انه على الجانب الاخر اكد بعض الباحثين ان الدولة ستظل باقية في ظل العولمة.. بل انه من الضروري ان تصبح الدولة قوية ولها دور فعال. اما اصحاب الرأي الاول القائل بتراجع دور الدولة وسيادتها مقابل صعود فاعلين دوليين اخرين في سلم العلاقات الدولية، يسعون الى تحقيق مزيد من الترابط والتداخل والاندماج الدولي بحيث تكف الدولة عن مراعاة مبدأ السيادة الذي يأخذ في التقليص والتآكل تحت تأثير حاجة الدول الى التعاون فيما بينها في المجالات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية وغير ذلك، مما يعني ان السيادة لا تكون لها الاهمية ذاتها، فالدول قد تكون ذات سيادة من الناحية القانونية ولكن من الناحية العملية قد تضطر الى التفاوض مع جميع الفعاليات الدولية مما ينتج عنه ان حريتها في التصرف بحسب مشيئتها تصبح ناقصة ومقيدة، ويؤكد ذلك ما قاله البعض ان العولمة نظام يقفز على الدولة والامة والوطن ويعمل على التفتيت والتشتت وايقاظ اطر الانتماء الى القبيلة والطائفة والتعصب بعد ان تضعف ارادة الدولة وهوية الوطن. ويرى اخرون ان العولمة تؤدي الى هشاشة الدولة وعدم استقرارها.. الا ان ذلك موجه اساساً نحو دول العالم الثالث وفي القلب منه العالم العربي ودول الخليج العربي، وبينما يحدث ذلك في تلك الدول يحدث العكس في دول الغرب وامريكا حيث تزداد قوة الدولة ـ على الاقل في المدى القريب والمتوسط ـ وذلك بدليل ما حدث مؤخراً بين الدولة الفيدرالية القومية الامريكية وبين شركة «مايكروسوفت»، وبالتالي فالمطلوب هو ان تنهار الدولة القومية في العالم النامي حتى تصبح لقمة سهلة الهضم، وقد يزداد هذا التصور قوة اذا علمنا ان دول العالم النامي هي مصدر اساسي للمواد الخام.. فالدول الخليجية العربية مصدر رئيسي من مصادر النفط الذي يعتمد عليه دول الغرب والولايات المتحدة بقوة للحصول على امداداتها النفطية، وبالتالي فإن ضعف الدولة او تلاشي سيادتها على مواردها في الخليج لا يعني الا سيطرة امريكية غربية على منابع النفط. اختراقات وانتهاكات ويرى البعض ان مفهوم سيادة الدولة يعني العديد من الاختراقات والانتهاكات وهناك مجموعة من المظاهر التي تعكس ذلك ولعل اهمها ما يلي: التدخل الاقتصادي: الذي يتمثل في حدود وشروط المساعدات الاقتصادية التي اصبحت الان سلاحاً استراتيجياً واسع الاستخدام ينطوي على تنازلات سياسية واستراتيجية واضحة ومن جانب المتلقي، كما انه يهدف الى فرض انماط معينة من السياسات والتوجهات ودمج المجتمعات المتلقية في شبكة واسعة من العلاقات والنظم تصنع ما يعرف بـ «التبعية» ، ولعل ذلك يوحي ان التدخل الاقتصادي يتعلق بصميم السيادة الوطنية للدولة. التدخل المعلوماتي: ففي ظل ثورة المعلومات سوف يستطيع الطرف الاقوى ان يصدر تصوراته وقيمه للطرف الاضعف، ولعل مظاهر الاختراق الاعلامي والمعلوماتي تتضح في التدفق الاخباري الدولي والبرامج والافلام المستوردة والاعلام الدولي وتقنية الاتصال. التدخل الانساني: او حق المجتمع الدولي في التدخل لمنع الكوارث وانقاذ البشرية من المجاعات او حقوق الانسان، وليس ثمة تقنين دولي لهذا الحق ويخشى ان يتخذ ذريعة سياسية تحت رداء انساني للتدخل في شئون دولة مستقلة وانتهاك سيادتها. ويذهب بعض المفكرين الى القول ان العولمة سوف تؤدي في النهاية الى حرمان الدولة حق السيادة المطلقة وصولاً الى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم اجمع بصفة الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من سيكون صاحب السيادة في هذا العالم الآخذ في التشكيل؟ فالتدخل في منطقة او اخرى لابد ان يكون منبثقاً عن سيادة معينة، وهذه السيادة لابد ان تكون مستندة الى احتكار شرعي لوسائل القوة في المجتمع، وهو مجتمع العالم هذه المرة كي يكون لصاحبها الحق في ممارسة القوة التي تقف فوق كل القوى. وبالنظر الى المجتمع المعاصر فانه يمكن القول انه ربما انفردت قوة معينة (الولايات المتحدة مثلاً) بالهيمنة في عالم اليوم وفق شرعية القوة المجردة ولكن ذلك لا يعني استمرار هذا التفرد القائم على اسس مادية بحتة. ولعل اكثر المفكرين تطرفاً في هذا الشأن هم مروجو العولمة الذين يقطعون بأن شكل الدولة قد انقضى عمره الافتراضي وتلاشت اسباب وجوده وهم يرددون تعبير «نهاية الدولة الوطنية». فالدعوة الى الغاء دور الدولة او تهميش فاعليتها منطقها الحقيقي هو ان قوى العولمة ورموزها ـ يطلق عليهم القطيع الالكتروني ـ لا تطيق قيوداً من اي نوع والدولة بما تفرضه من ضوابط تشكل قيداً لا ترحب به تلك القوى. ويضرب البعض مثالاً بأحد اقطاب العولمة وهو جورج سورس الملياردير الامريكي الذي اسس مؤسسة غير حكومية هدفها الاساسي هو دعم ما يسميه بالمجتمع المفتوح، وتقوم المؤسسة بتمويل جمعيات غير حكومية وغير خاضعة لأي اشراف حكومي.. بمعنى اخر جمعيات يؤدي نشاطها الى تقليل حجم تدخل الدولة في كافة المجالات، وهو ما يعني ان الهدف هو شل يد الدولة عن التوجيه والاشراف والى محاولة التقليل من دورها وسيادتها، وفي هذا الصدد يرى البعض ان سورس يهدف الى ايجاد نظام سياسي عالمي لاتخاذ القرار وان هذا النظام بطبيعته يتعدى اطار سلطة وسيادة الدولة ويتخطى حدودها. دور الشركات متعددة الجنسيات وتقوم الشركات متعددة الجنسية بدور رئيسي في تقليص دور الدولة السياسي وسيادتها.. فهذه الشركات تحاول ان تترع نفسها من الاطار القومي المحدود الى مستوى اعلى تحكمه اساساً الشركات العالمية، فكل شركة تعتبر الكرة الارضية ومن عليها سوقاً فعلية واحتمالية لها، وهذه الشركات تلتف على الدولة وتتملص مما يمكن ان يفرض عليها من قيود بل انها تسعى الى احتواء الدولة وتسخيرها لخدمتها وهو ما يمكن ان يحول الدولة الى ان تقتنع بدور «مدبرة المنزل». ويرى البعض ان تلك الشركات تقفز فوق اسوار وحدود الدولة من ذلك انها تتخطى حدود السلطة السياسية عن طريق امكانية استبدال رئيس برئيس دولة او زعيم بزعيم اخر او حتى مع الابقاء على الرئيس او الزعيم نفسه ولكن باجباره بطرق شتى على اتباع المسلك المطلوب، كما انها قد تحاول الغاء او تخطي حدود الدولة من خلال اطباق التليفزيون وشاشات الكمبيوتر، كما انها تحاول تخطي حدود الولاء للدولة من خلال تغيير الولاء الى الكسب والربح ونشر افكار تساعد على تحطيم الولاء القديم وهو الوطن او الامة واحلال ولاءات جديدة محله، وهذا بلا شك يعكس نوعاً من تراجع عام لدور الدولة وانحسار نفوذها وتخليها عن مكانها شيئاً فشيئاً لمؤسسات اخرى وهي الشركات متعددة الجنسية. ويرى اخرون ان تلك الشركات لا تحتاج الى اي مظهر من مظاهر الدولة فهذه الشركات مثلاً لاتحتاج الى القوات المسلحة الا كسوق تورد له الاسلحة وكمصدر لتمويل بعض اعمال البحث والتطوير، كما ان تلك الشركات قد استغنت عن مظاهر اخرى من مظاهر سيادة الدولة كالقضاء مثلاً في المسائل المدنية التجارية من خلال الالتزام سلفاً باجراءات التحكيم، كما انها ليست بحاجة الى هيئة البريد لأنها تستخدم الفاكس او شركات البريد السريع. وهكذا يطالب انصار العولمة ومروجوها بأن ترخي الدولة قبضتها شيئاً فشيئاً عن الاقتصاد والمجتمع لمصالح الشركات العالمية، كما عليها ايضاً ان تفكك نفسها وتسلم مهامها ووظائفها القديمة لتتولاها تلك الشركات، ومن ثم تبدأ في الظهور صورة جديدة للدولة.. حيث نجد دولة لها كل المظاهر الخارجية لدولة ذات سيادة وتباشر صورياً كل المهام التي كانت تباشرها من قبل ولكنها في الحقيقة تقوم بوظيفة تكاد تنحصر في وظيفة «الاجلاء والتسليم» اي سحب يديها من كل ما كانت تضع يديها عليه من قبل وتسليمه للشركات العالمية الكبرى مع القيام بهذه الوظيفة والزعم بأنها تحقق المصلحة العامة. ومن العام الى الخاص، فالعولمة تعمل على الغاء دور الدولة وتقليص سيادتها في اتجاهات مختلفة سواء سياسية او اقتصادية او اجتماعية، وبالنسبة للبعد السياسي فان اهم ما ينطوي عليه هذا الامر هو الحدود حيث يرى البعض ان العولمة تعمل على الغاء الحدود القائمة بين الدول واعادة تقسيم الدول على اساس عرقية وطائفية ومذهبية، وهو ما يعني ان الدولة قد تفقد بعض مهامها السياسية ذلك لأن مهمة الدولة مرتبطة بحدود سيادية تمارس في داخلها مسئولياتها وسلطتها وسيادتها، فاذا اصبحت الحدود مسامية او شفافة او مستباحة فان قدرة الدولة تضعف بمقدار عجزها عن معرفة او تتبع ما يدخل او ينفذ في مجال سلطتها ومسئولياتها، فالعولمة تؤدي الى ان تصبح الحدود عاجزة يوماً بعد يوم عن الوقوف في وجه ما لا يعترف بالحدود في الاقتصاد والاتصال والمعلومات. ولعل التحدي الاكبر الذي يجعل الحدود «ملغاة» تقريباً هو تحدي وسائل الاعلام الدولية المتنقلة عبر موجات الهواء او الهابطة من سماء الاقمار الصناعية او حتى المرسلة عبر شبكات الانترنت الدولية. فهذه الاشياء تكاد لا تلغي الحدود القائمة بين الدول وتنتهك سيادتها على اراضيها. ويمكن بلورة ما سبق بطريقة اخرى حيث يرى البعض ان العولمة تعني اللا وطن اي العالم بأسره هو الوطن والافراد في كل المجتمعات على اختلاف ثقافاتهم واجناسهم واعراقهم يعيشون في مجتمع واحد يحكمه نظام عالمي واحد، ولعل هذا الامر يكشف عن تجاهل للدولة القومية وعن رغبة في الغائها ومحو سيادتها، فوجود مجتمع عالمي واحد يعني غياب اي حدود سياسية بين الدول تفصل بين الدول والشعوب وهو ما يعني غموض مفهوم السيادة الخاص بالدولة على اراضيها او حتى على مواطنيها. الدولة والاقتصاد ولم يقتصر الامر على البعد السياسي للدولة وانما امتد الى البعد الاقتصادي لها، فالعولمة كما يرى البعض قد تفقد الدولة سيطرتها على شئونها الاقتصادية الخاصة بها.. فالعولمة تطرح الغاء الحواجز التي تمكن الدولة من التحكم في تنقلات النقود ورؤوس الاموال على المستوى الدولي والسيطرة عليها، كما انها تفترض التناغم في القوانين وحرية انتقال السلع والبشر وتوحيد معايير الرقابة على السلع وقوانين الطيران والهجرة وكل ما له علاقة بالنشاط التجاري غير الوطني. وفي هذا الصدد يرى اخرون ان العولمة نظام يقفز على الدولة يقوم على الخصخصة اي على نزع ملكية الوطن والامة والدولة ونقلها الى اخرين في الداخل والخارج بحيث تتحول الدولة الى جهاز ليس من سلطته المراقبة او التوجيه، ومن جهة اخرى يؤكد البعض ان العولمة وسيلة للانتقاص من السيادة الوطنية على اعتبار ان آلياتها وانظمتها تحد من مرونة القرار الاقتصادي الوطني الذي يجب في ظلها ان ينسجم مع مبادئ الحرية التجارية وفتح السوق وعالمية رأس المال مما يؤثر سلباً على برامج التنمية في الدول النامية، ولعل مما يزيد من الامر سوءاً بالنسبة لهذه الدول ان هناك طبقة من المتاجرين بالعملات والاوراق المالية الذين يدخلون مسرح القوى العالمية ويوجهون سيلاً من الاستثمارات المالية، ويتمكنون من التحكم في رفاهية او فقر دول ومجتمعات دونما اي رقابة حكومية تذكر، ويرتبط بذلك ان الانفتاح المالي العالمي ـ في ظل العولمة ـ يفسح الطريق امام رؤوس الاموال للتهرب من دفع الضريبة في بلادهم حيث يصبح تتبع ثرواتهم امراً مستحيلاً في الواقع العملي. وبناء عليه صارت الحكومات عرضة للابتزاز تحت فعل الضغوط التي تمارسها المؤسسات عليها. ولاشك ان كل هذه الامور تعني انحساراً في سيادة الدولة وفي وظيفتها الاقتصادية، والاكثر من ذلك انه سيتم نقل مركز ثقل الاقتصاد العالمي من الوطني الى الكوني.. من الدولة الى الشركات والمؤسسات والتكتلات عبر القومية حيث لم يعد الاقتصاد محكوماً بمنطق الدولة وحدها وانما ظهر فاعلون اقتصاديون من نوع جديد واهم هؤلاء الفاعلين الشركات متعددة الجنسية والمؤسسات المالية الدولية التي سيؤدي اعطاءها دور اكبر في تقييم وصياغة الانظمة والقرارات الاقتصادية للدول الى التأثير على استقلال القرار الوطني، وهو ما يعني الحد من سلطة الدولة في المجال الاقتصادي، ولعل اكثر الامور تطرفاً في هذا الشأن هو ما اشار اليه الصحفي الامريكي توماس فريدمان في مقالته التي تضمنت رداً متصوراً من وزير المالية روبرت روبن على رئيس وزراء ماليزيا محاضر محمد الذي كان قد انتقد خلال الاجتماع السنوي في سبتمبر عام 1997 لمجلس محافظي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في هونج كونج شرور العولمة.. حيث قال فريدمان ان «سوق العولمة عبارة عن قطيع الكتروني من متاجرين مجهولين بالعملات والاسهم وسندات المشاركة يجلسون من وراء اجهزة الكمبيوتر، وهؤلاء لا يعترفون بالظروف الخاصة (اي الدولة) وانما يعترفون بقواعدهم فقط.. فهم يحددون نسبة الادخار التي يجب ان تحققها اي دولة ومستوى الفوائد ونسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الاجمالي ومستوى عجز ميزان المدفوعات الجاري (في اي دولة). ولاشك ان هذه الامور لا تعني سوى ان سلطة الدولة في المجال الاقتصادي تواجه تحدياً خطيراً في ظل العولمة. وعلى مستوى الوظيفة الاجتماعية للدولة فإن العولمة تشترط تخلي الدولة عن الرعاية الكاملة للمواطنين حيث ان دور الدولة في دعم دولة الرفاهية والصالح العام ورعاية الفئات والشرائح غير القادرة وضمان اكبر قدر ممكن من العدالة في توزيع الناتج القومي ومسئولية الخدمات الحيوية كالتعليم والصحة.. لا يشكل اولوية في «ايديولوجية» العولمة حتى ان بعض مفكري العولمة يرون في هذه المسئوليات عبئاً لا فائدة منه ويجب التخلص منه، كما ان العولمة ستقلل من قدرة الدولة على تحقيق السلام الاجتماعي، ففي اطار العولمة قد ينساق كثير من الدول في سباق نحو القاع، اذ انها في اطار التسابق الى مزيد من الاعفاءات والحوافز التي تعرضها على المستثمر الاجنبي تجد نفسها في مواجهة عجز متزايد في ايراداتها، وقد تجد نفسها مضطرة الى تقليص او ايقاف الدعم لغير القادرين والغاء التأمين على المهمشين. وفي هذا الصدد يقول توماس فريدمان ان «الامل الوحيد امام الفقراء والبؤساء هو ان يتذكرهم الاغنياء». تراجع السيادة وفي مقابل ذلك الرأي القائل بتراجع او تلاشي دور الدولة وانعدام سيادتها في ظل العولمة هناك اخرون يؤكدون على ضرورة بقاء الدولة قوية في ظل العولمة، ويشرح هؤلاء وجهة نظرهم بالقول انه اذا كانت العولمة ترتبط بسيادة نموذج اقتصاد السوق الحر.. واذا كان هذا النموذج بدوره يثير قضية العلاقة بالدولة ودورها، فإن المتفق عليه ان الانتقال الى اقتصاد السوق لا يبرر ابداً اختفاء دور الدولة، ولكنه وبشكل اكثر تحديداً يتطلب تغييراً في شكل هذا الدور، فمعظم من كتب عن نظام السوق كان يقرن ذلك دائماً بضرورة وجود دولة قوية، ومن هنا ليس هناك مجال للحديث عن محاولة الغاء او تقليص دور الدولة وسيادتها، وانما المطلوب هو تعديل في شكل هذا الدور، فليس من المنطقي ان تباشر الدولة في النظام المركزي بنفس الاسلوب في نظام السوق، والفارق المهم بين النظامين هو ان الدولة تتدخل في الحياة الاقتصادية باعتبارها سلطة وليس باعتبارها منتجاً لأن سلطة الدولة لا غنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الاقتصادية، فالاقتصاد الحر لا يعني غياب دور الدولة عن النظام الاقتصادي. والفرق بين نظام السوق الليبرالي ونظام التخطيط المركزي يكمن في مضمون التدخل، ففي ظل الاخير تقوم الدولة بالانتاج المباشر للسلع والخدمات، كما تسيطر على النشاط الاقتصادي او على نسبة عالية منه عن طريق القطاع العام، اما في نظام السوق فالدولة تترك مجال الانتاج للأفراد والمشروع الخاص ويكون تدخلها في سير الحياة الاقتصادية بوسائل اخرى اكثر فعالية من حيث الكفاءة الانتاجية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويؤكد فريق اخر على هذا الطرح ويضربون مثلاً بدول اوروبية مثل المانيا التي تمتلك الدولة فيها حصصاً كبيرة في عدد من الصناعات الحيوية كما برز في اوروبا اتجاه يؤكد على دور الدولة الاساسي وهو ما يعرف باسم «الطريق الثالث» الذي يعرف باسم الديمقراطية الاجتماعية او الديمقراطية الاشتراكية التي تتأسس على توسيع دائرة الملكية في المجتمع. في هذا الصدد يذكر البعض مجموعة من الاسباب التي تؤكد على استمرار سيادة الدولة نوجزها فيما يلي: 1- تقوم الدولة بدور كبير في الاقتصادات القومية عدا ادوارها الاخرى في مختلف مجالات الحياة فمثلاً الانفاق الذي تقوم به الدولة ـ على مختلف اوجه الحياة يؤدي الى سيطرتها على جزء كبير من موارد المجتمع، ومما يزيد اهمية الدولة ان مؤسسات القطاع الخاص تلجأ اليها عند تعرض تلك المؤسسات لأي ازمات. 2- ان الغالبية الكبرى للشركات متعددة الجنسية ليست شركات عولمة حقيقية حيث ان اغلب القيم المضافة من انتاجها العالمي (70 ـ 75%) يتم في موطنها الاصلي، كما ان اغلب اصولها الثابتة موجودة في الوطن الام وكذلك اغلب مبيعاتها، فهذه الشركات متجذرة في الوطن الام وتحتاج الى الدولة في مجالات عديدة. 3- ان عولمة رأس المال المتمثل في الاستثمارات الاجنبية المباشرة محدودة جداً، فلا تمثل هذه الاستثمارات في البلدان النامية (حوالي 105 مليارات دولار) سوى اقل من 2% من الناتج المحلي لتلك الدول، كما ان ما يسمى بالعولمة المالية لا تشمل اغلب دول العالم وانما عدد قليل منها.