بيان الاربعاء: لم يستتب الهدوء بعد في منطقة القبائل الجزائرية بعد نحو أسبوعين من المواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين غاضبين على مقتل شاب بالرصاص داخل ثكنة الدرك الوطني، حتى انطلقت معركة سياسية كبرى بين أطراف فاعلة في الساحة. وتراشقت أحزاب وجمعيات وشخصيات بالتهم والتهم المضادة بصدد الأسباب التي فجرت الموقف والأهداف المتوخاة من وراء الأحداث. وإن كان الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوتفليقة ليلة الفاتح من مايو ودعا فيه الى الهدوء وقدم وعودا بالتكفل بجميع المطالب الاجتماعية والثقافية والإنسانية والأمنية، لم يحدد خصوما بينين باستثناء مقطع قصير تحدث فيه عن من يستغلون غضب الشباب لضرب الجزائر، فإن جميع الأحزاب تقريبا شحذت أسلحتها وشهرتها لاستئناف المواجهات لكن في ثوب سياسي. بل وأسفرت أحداث العنف والمواقف بصددها عن احتمال تصدعات داخل بعض الأحزاب لاسيما التجمع الوطني الديمقراطي الحاكم الذي يتزعمه وزير الدولة أحمد أويحيى والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية للدكتور سعيد سعدي. وتعتبر جبهة القوى الاشتراكية التي يقودها حسين أيت أحمد من منفاه الاختياري بلوزان السويسرية الطرف الوحيد الذي سيقطف ـ سياسيا ـ ثمار زعزعة السلطة واضطرابها جراء ما جرى. وكانت المسيرة السلمية التي نظمتها يوم الخميس استعراضا كبيرا أبهر الجميع، خاصة وأنها تحكمت في زمام الأمور ولم يتخلل المسيرة أي شغب. وعلق مسئول «القوى الاشتراكية» على نجاح مسيرة الخميس وطابعها السلمي بالقول: «إن كل التظاهرات التي أراد ناس القبائل تنظيمها بمدنهم كانت سلمية في البداية لكنها تتحول الى عنف عند تدخل قوات الأمن». وقال مصطفى بوهادف وهو أيضا نائب بالبرلمان: «لو تدخلت قوات الأمن لتفريق المظاهرة بالعصي وبالقنابل الخانقة والرصاص مثلما فعلت بمدن وقرى تيزي أزو وبجاية والبويرة وسطيف لكان رد فعل المتظاهرين عنيفا ولعشنا مأساة أخرى وخرابا آخر» وفي نفس الوقت الذي كان فيه نحو عشرين ألفا من المتظاهرين من كل الأعمار يجوبون الشوارع الرئيسية للعاصمة دون أحداث كانت مدينة بجاية ثاني أكبر مدن القبائل تئن تحت وطأة المواجهات وعمقت الأوجاع بضحايا جدد على إثر منع قوات الأمن مسيرة دعت إليها جمعيات المجتمع المدني. وقد أشاد الجميع بالعاصمة الجزائرية، بما في ذلك وسائل الاعلام الحكومية التي لها حساسية مفرطة تجاه نشاطات المعارضة، بالموقف المثالي المشترك لقوات الأمن والمتظاهرين. وكتبت يومية «الوطن» المستقلة مطلع مايو الحالي أن مسيرة العاصمة السلمية «درس يجب أن تستفيد منه الجهات التي تعكر الجو ولا تقدر تكاليف أعمالها» في إشارة الى الجهات التي تصدر أوامرها لقوات مكافحة الشغب كلما تعلق الأمر بطرح الناس مطالبهم. ولقد حددت المعارضة وأهم الجمعيات والمنظمات المدنية والصحافة المستقلة مصادر القرار التي تحرك قوات الأمن بمختلف أسلاكها هدفا لانتقاداتها واتهمتها ليس فقط بإشعال فتيل الأحداث ولكن أيضا بتغذيتها يوميا بدفع مزيد من القوات والأسلحة الى المنطقة. ويجمع الملاحظون أنه كان بالإمكان تفادي حمام الدم لو تصرف المسئولون بطريقة أخرى غير القمع. العاصفة القادمة وتسببت الأحداث الأخيرة في انسحاب التجمع من أجل الثقافة الديمقراطية من الحكومة بعدما انضم الى صف الائتلاف قبل عامين وساند كل خطوات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بما في ذلك سياسة الوئام المدني. وقبلها كان أكثر أحزاب الجزائر عداء للتيار الاسلامي ودعوة الى استئصال الجماعات الإرهابية بالسلاح وتقييد الأحزاب الاسلامية بالقوانين. وقد أعلن الدكتور سعيد سعدي الانسحاب لـ «أسباب سياسية و أخلاقية» كما قال، وزكاه المجلس القيادي للحزب ورد الوزيران حميد لونوسي وعمارة بن يونس حقيبتي الأشغال والنقل الى رئيس الحكومة علي بن فليس الأربعاء الماضي. لكن هذا الموقف عارضته خليدة مسعودي وهي برلمانية وعضو قيادي في الحزب وتشتغل أيضا مستشارة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة في شئون الأسرة وعينها قبل عام في اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية، وهي بالتالي عضو قوي في الحزب تدخل في خلاف لأول مرة مع زعيمه سعيد سعدي. وفي أوساط التجمع الوطني الديمقراطي ذي الأغلبية في غرفتي البرلمان والحكومة يسود تململ ينبئ بعاصفة قادمة بسبب المواقف المتناقضة من أحداث القبائل. وذكرت مصادر مقربة من قيادة الحزب أن عددا من النواب والقياديين مستاءون بسبب مشروع قانون العقوبات المعدل الذي قدمه أويحيى للبرلمان بغرض المصادقة، لأن الأوساط الاعلامية والثقافية وكذا العامة حسبته على الحزب وليس على الحكومة. والأضرار التي يجنيها سيتحملها الحزب وتكون نتائجها وخيمة في الانتخابات المقبلة. بالإضافة الى هذا اعتبر عدد من أعضاء المجالس المحلية بمنطقة القبائل المنتمين الى حزب أحمد أويحيى ما جرى بمنطقتهم قمعا من قوات الأمن الحكومية في حين تؤيد قيادة الحزب جميع الإجراءات التي من شأنها «استرجاع الهدوء» بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة لذلك في الميدان. وحملت التحليلات الساخنة للأحداث أيضا أن الصراع على أشده في المستويات العليا للحكم خاصة بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والقيادات النافذة في الجيش والمخابرات. وترى هذه التحليلات أن بوتفليقة يريد التخلص من بعض الرموز التي طبعت العقد الماضي والتي صارت ليس مجرد قيادات عسكرية لكن أيضا إمبراطوريات اقتصادية أقيمت في زمن قياسي. خصوم الرئيس ويرشح المتتبعون هذا الصراع الى الاشتداد بعد نهاية أزمة منطقة القبائل. وسيعمل خصوم الرئيس على استثمار هذه الأحداث وتوجيهها ضده لا سيما وأن المسيرات المنظمة رفعت شعارات حملته مسئولية جرى كونه المسئول الأول في البلاد بنظر العامة. ولم يكن خطابه الذي ألقاه ليلة الفاتح من مايو كافيا لامتصاص الغضب بل وفي بعض الحالات كان مبررا لفقدان الأمل في ايجاد تسوية مع السلطة. ويحمله الشباب ليس في القبائل فحسب بل وفي كامل البلاد مسئولية فساد الحكم بتعيينه شخصيات محسوبة على فساد عقد الثمانينيات الذي هزته أحداث دموية عمت كل أرجاء القطر وخلفت مئات من القتلى وآلاف الجرحى برصاص الجيش والشرطة والدرك نسبة عالية منهم أصيبوا بعاهة مستديمة وكان آخر من أعاده الرئيس الى الواجهة محمد الشريف مساعدية الرجل الثاني في نظام الشاذلي بن جديد وهو اليوم رئيس مجلس الأمة أي الرجل الثاني في حكم بوتفليقة وعدد آخر من «الشخصيات الأرشيفية» كما يعبر عنها الشباب الجزائري بسخرية وهي اليوم تحتل مناصب تتقاضى منها مرتبات خيالية. كل هذه المسائل وأخرى كثيرة محسوبة على الرئيس، وسيستغلها خصومه اليوم أكثر من أي وقت مضى. وتبعا لهذا يكون خصوم الرئيس بوتفليقة قد وجدوا ما يجعلونه به في موقع دفاع بعد أن قوي عضده خاصة من المساندة المطلقة لبعض الجهات عربيا ودوليا وتسجيله نقاطا ثمينة في إطار سياسة الوئام المدني. هذا التفوق دفعه في كثير من المرات الى التهديد بتنظيم استفتاءات شعبية لتمرير مشاريعه، لكن اليوم وقد تعرض الى انتقادات كبيرة من هذا الشعب نفسه فإنه مرشح لأن يكون حبيس قرارات وخطط قوى الحكم الخفية التي يطلق عليها في الجزائر عادة اسم «دوائر القرار». وهذه القوى أعطتها أحداث القبائل فرصة للبقاء مدة أطول في موقع من يملي سياسة البلاد في كل المجالات.