بيان الاربعاء: الغضب في برباشة كما في أميزور لم يطفئه الرئيس بوتفليقة بخطاب حسبه أهل القبائل بالثانية على أن يقول فيه شيئا يبرر وقف هذا المسلسل الذي أدمى قلوبهم. وكان الشأن كذلك في بلدة بوعنداس، الواقعة على الحدود بين ولايتي بجاية سطيف. والى غاية الفاتح من مايو كانت بقايا المتاريس المنصوبة على الطريق وأكوام الرماد الذي خلفه إشعال العجلات المطاطية وهياكل المباني المحروقة كلها تشهد بأن البلدة كانت في حالة حرب مدمرة لم تخرج منها بعد بدليل وجود عدد من آليات الدرك وجنود بعضهم باللون الأزرق والبعض الآخر بالأخضر يقفون بعيدا عن الناس في مدخل القرية ومخرجها، لم يعترض أي منهم سبيلنا كوننا دخلنا بسيارة محلية مرقمة من ولاية سطيف، وهؤلاء الجنود قيل لنا إنهم غرباء عن المنطقة ولايعرفون أهلها ويفرقون بين «ابن البلد والبراني» من خلال لوح السيارة فقط. وفي وسط القرية حيث تناثرت أشلاء ما حطمه المتظاهرون، كان (مولاي) وهو شاب في الخامسة والثلاثين يتوسط مجموعة من الشباب. كان حديثهم خطاب الرئيس وزوايا الظل فيه، كان الاجتماع حول مولاي ليس فقط لأنه متعلم وتاجر خالط الناس من مختلف الآفاق بل لأنه يهوى الحديث في السياسة. وهو عادة منشط الجلسات السياسية في قريته وحتى حين يكون مسافرا الى سطيف أو بجاية أو العاصمة لايتحدث مع الناس غير السياسة. وكانت الأحداث الأخيرة بالنسبة للرجل بمثابة وقود حولته الى آلة تشتغل ليل نهار. كان كلامهم بالبربرية وبصوت عال، ولما تقدمنا منهم كسرنا إيقاع الجلسة بكلام عربي وبصوت منخفض. قلت «يا جماعة الخير... معكم اليوم جريدة «البيان»، وهي يومية كبيرة تصدر بدبي بدولة الامارات العربية المتحدة، وتوزع في عدد كبير من البلدان العربية والاجنبية، جئت أنقل الوضع السائد عندكم خاصة ما يتصل بالأحداث الأخيرة، فماذا تقولون؟» كانوا يستمعون الي بشكل طبيعي وهم جميعا يفهمون العربية جيدا لقرب بلدتهم من المناطق الناطقة بالعربية في بوقاعة و ماوكلان، ولكونهم سافروا كثيرا وأقاموا بالمدن التي تقطنها أغلبية عربية اللسان. حتى أن بعضهم يفضل الحديث بالعربية وإن كان ارتباطهم بالأمازيغية شديدا جدا ولم تفت مناسبة تدعو الى ترقية هذه اللغة الا وسجلوا فيها مشاركة معتبرة سواء بالمال أو بالرجال. بعد تردد وتململ قصير أطلق (مولاي) العنان لأفكاره ولسانه وتحدث عن أحداث القبائل الماضية بالتواريخ، وقال «إن السلطات في كل مرة تعد بدراسة المشاكل والمطالب لكنها لاتفي بوعدها وهذا جعل الناس لايسمعونها ولايثقون تماما فيما تقول». و قال آخر أنا لا أشاهد الا ما ينقل على (البارابول) وهو اسم (الدش) بالفرنسية وعربه الجزائريون وأصبح سائدا في كلام العامة، في إشارة الى أنه لا يشاهد القناة التلفزيونية الجزائرية. أحدث عدد من الشباب ضجيجا لأنهم كانوا يريدون الكلام دفعة واحدة وربما احتجاجا على زميلهم الذي (خرج عن الموضوع) وفتح لي في الحقيقة منفذا جديدا للتعاطي معهم حول أمور لم تسنح فرصة الكلام فيها بالبلديات الأخرى التي زرناها ولكل واحد من هؤلاء زاوية معينة يريد التركيز عليها. وقلت للمتحدث «لكن وجدتكم تعلقون على خطاب الرئيس بوتفليقة، فهل شاهدته على قناة أجنبية؟» قال «لا... هذه المرة استثنائيا شاهدت التلفزيون الجزائري لأسمع خطاب بوتفليقة..»، وأكد آخرون ان جميع الناس في بوعنداس يفضلون القنوات الأجنبية وأن صحون (الدش) هي الأنيس في كل البيوت. وتدخل مولاي ثانية ليعيد قطار الحديث الى السكة التي يريدها سياسية مباشرة «لقد بدا الرئيس متأثرا جدا بالأحداث وقلقا جدا لأن الأحداث كانت هزة عنيفة للمجتمع الجزائري برمته. فمطالبنا لم تعد فقط الاعتراف باللغة البربرية دستوريا (لغة وطنية) هكذا بصريح العبارة الى جانب اللغة العربية التي هي لغة وطنية ورسمية في نفس الوقت، مطالبنا اجتماعية سياسية تتعلق باسراع وتيرة التحول في مجال الحريات بحيث نصبح مثل البلدان المتطورة التي لايطلق الدركي أو الشرطي أو الجندي النار على المواطنين مهما كانت الأسباب. هذا الذي دفع الشباب الى ملء الشوارع وإن لم يرفعوا لوائح بمطالب سياسية بالمنهجية التي تتبعها الأحزاب السياسية». وقال مولاي بصدد اللغة «هنا عندنا يوجد من يفضل الحديث الى أولاده باللغة العربية منذ بداية نطقهم. أقول أن ثمة أطفال من هنا نطقوا بالعربية أولى الجمل التي كونوها». ويتوفر عدد كبير من سكان بوعنداس ومناطق القبائل الأخرى على القنوات التلفزيونية العربية، وأكد من سألناهم في الموضوع أن معظم النساء والفتيات يفضلن المسلسلات العربية عن الأفلام الأجنبية. وأنهن مثل غيرهن من نساء الجزائر جمهور وفيّ لتلك المسلسلات. وهو أمر يزيل الغموض السائد حول علاقة القبائل بالعربية وما كان متداولا من قبل من أنهم يفضلون الفرنسية. وذكر السكان بهذه المنطقة أن العربية هي أقرب لغة إليهم بعد لغة النطق الأولى (الأمازيجية) وأنهم يشاهدون قنوات القنوات العربية خاصة الأم. بي. سي ودبي و أبوظبي والجزيرة. مدينة الدخان كانت بقايا الغازات السامة تملأ جو مدينة بجاية يوم الأربعاء الماضي وعجزت الغابات الكثيفة المحيطة بها عن امتصاص مفعول آلاف القنابل الخانقة التي ألقتها قوات الأمن على المتظاهرين في الأيام الخمسة السابقة وكان الاحمرار يغطي عيون معظم الناس بمن فيهم من لم يشاركوا في الأحداث. الهدوء سائد في هذا اليوم على خلاف أيام الأسبوع الأخرى، فلا الطلقات النارية ولا القنابل ولا هتافات المحتجين ولا الصخور التي يدحرجها الأطفال والمراهقون من أعلى المدينة الى أسفلها لبناء المتاريس ولا أعمدة الدخان المتصاعدة من العجلات المطاطية والمباني والسيارات المحروقة...كانت المدينة في جو يشبه الحداد العام، أو الهدوء الذي يسبق العاصفة. كما ان هنالك مجموعات من الشباب التقت في أماكن مختلفة من المدينة لتنسيق الموقف واتخاذ الإجراءات اللازمة بعد انتشار الخبر حول منع قوات الأمن سكان بجاية وتيزي أوزو من دخول العاصمة للمشاركة في «مسيرة التحدي» كانت قد دعت إليها جبهة القوى الاشتراكية أكثر الأحزاب السياسية الجزائرية تأثيرا في القبائل بوجه عام وبجاية على الخصوص والمقررة بعد ظهر الخميس. فقد وصل الخبر اليقين حسب أحد الوافدين الى حي «إيحدادن» الواقع غرب المدينة، بأن مئات من رجال الدرك سيوقفون الحافلات التي كانت ستنقل المتظاهرين على مستوى مدينة الثنية الواقعة على 50 كلم غرب العاصمة، ولن يسمحوا لها بالعبور إلا بعد نهاية المسيرة المذكورة. وقال حامل «الخبر اليقين» لمجموعة شباب «ايحدادن» إن هيئة التنسيق ستعقد بعد ساعتين لاتخاذ القرار. وبالفعل التقى ممثلو مختلف أحياء بجاية معظمهم تجار وأساتذة مختلف أطوار التعليم وحرفيون وسائقو سيارات أجرة وعمال أجراء... في مكان مكشوف بمنطقة «الخميس » وسط المدينة، واتخذوا القرار بتنظيم مسيرة صباح الخميس تجوب شوارع بجاية وتحمل شعارات تندد بالقمع وتطالب بصيانة حرية التعبير وحقوق الإنسان وتحسين ظروف المعيشة وإجراء تحقيق دولي حول التجاوزات وضحايا الأحداث.ووقع جدل في المكان كون المسيرة غير مرخص لها قانونا لكن الرأي الغالب هو «التظاهر سلميا وعدم التوقف أمام تهديدات الأمن وتفادي الرد على الاستفزازات»ـ كما قال أحد المنظمين. مع أن الوضع مهدد بانزلاق أكبر في بجاية صباح الخميس (اليوم الذي كان مقررا للمسيرة) إلا أن أنظار الناس كانت مشدودة أكثر الى العاصمة، حيث تكفي طلقة نار واحدة أن تجر البلاد كلها الى مواجهات لايعلم أحد منتهاها. فقيادة جبهة القوى الاشتراكية قررت تنظيم المسيرة ولم تقدم طلب ترخيص الى السلطات، واكتفت بإعلانها في مؤتمر صحفي مرفقة بتأكيد أنها لا تنتظر موقف السلطة من القرار. وفي حال انتهجت قوات الأمن نفس الطرق التي اتبعتها في مدن وقرى القبائل فإن الحصاد سيكون الدمار الشامل. ويعلم الجميع في بجاية كما في غيرها أن اضطرابات العاصمة تؤثر على كل البلاد وعلى الموقف الدولي كذلك. وبرمجت «القوى الاشتراكية» مسيرتها بعد الظهر حتى تسمح لآلاف من المقبلين من مناطق بجاية وتيزي أزو والبويرة وسطيف ومدن البلاد الأخرى بالمشاركة وتعزيز الحشد. واعتبر البجاويون مسيرة العاصمة متنفسا يخفف الضغط على منطقتهم بعد أسبوع تقريبا من المواجهات. كما اعتبروها «تحديا لجبروت السلطة وهيمنتها على كل شيء حتى المسيرات». كما قال عبد المؤمن المدرس بالمدرسة الإعدادية. صباح الخميس تقاطر المتظاهرون على نقاط مختلفة من المدينة، وبدأت الهتافات ضد السلطة تتردد وسط إشاعات لاحصر لها، كانت في معظمها محفزة على المواجهة منها مثلا أن «السلطة منعت رجال الدرك والأمن المنحدرين من أصل قبائلي من دخول المنطقة خوفا من التحاقهم بجموع الغاضبين». وهو ما يدفع أوساطا واسعة الى التفكير بأن السلطة تتعامل مع الموضوع بروح العداء للقبائل. ووردت أخبار من العاصمة مفادها أن القائد العام للدرك الوطني اجتمع مع وحداته الميدانية وقدم لها التوجيهات والتشجيع وأكد لها أن تصرفها مهما كانت نتائجه أمرا مشروعا للحفاظ على النظام العام. ونقلت أوساط الى بجاية كلاما على لسان هذا القائد العسكري السامي يطلب من عناصره مواجهة الصف الأول من المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع ثم استعمال الذخيرة الحية دون تفكير «لأنكم في معركة الأهم فيها أن لا تخسروا حياتكم وأسلحتكم» كما جاء على لسان من زفوا هذا الخبر. ولقد فلت زمام الأمور من منظمي المسيرة في الدقائق الأولى من انطلاقها من وسط المدينة قرب قاعة المسرح الجهوي باتجاه ملعب «الوحدة الإفريقية حيث كان من المقرر تنظيم تجمع احتجاجي سلمي بعدما اعترض مئات من رجال الأمن مزودين بالقاذفات وبمئات من القنابل الدخانية السامة سبيل المتظاهرين منصبين فوهات قاذفاتهم باتجاه الحشد. وبدأ الغليان وارتفعت الهتافات وانطلقت المواجهات. وتحولت المدينة في ظرف وجيز الى ساحة معركة حقيقية. وغطت سماء المدينة سحابة من الدخان السام انتشر في كل مكان وأغلقت كل النوافذ حتى لايختنق الصغار والمتقدمين في السن بالغازات، فقد سبق أن نقل الى المستشفى ـ حسب مصادر طبية محلية ـ نحو 35 رضيعا و 11 عجوزا في الأيام السابقة في ظروف جد صعبة كما تأثر مرضى الربو والحساسية وهم كثيرون في بجاية. ووسط المواجهات كان تنظيم إسعاف المصابين شبيها بما يشاهده الجزائريون على الشاشة في الاراضي الفلسطينية المحتلة أثناء مواجهات المنتفضين العرب ضد جنود الاحتلال. وتقوم مجموعات من الأشخاص من أعمار مختلفة بحمل المصابين ونقلهم على متن سيارات خاصة الى المستشفى وهي صيغة تم العمل بها في كامل مناطق الأحداث ربما لأنهما صيغة جاهزة وفرتها الانتفاضة الفلسطينية فتبناها الغاضبون في القبائل، وساعد في عمليات الإسعاف عدد كبير ممن لم يشاركوا في المظاهرات والمواجهات، وكان موقفهم إنسانيا بالدرجة الأولى، من هؤلاء المسعفين أحمد، مدرس الرياضيات بمدرسة ثانوية عمره تجاوز الأربعين بقليل ويقطن بالقطاع الأسفل من المدينة. كان الرجل قد وصل للتو الى المستشفى وهو يحمل جريحين على متن سيارته القديمة من نوع(رينو 4) قال أحمد بصدد ما عاشه في هذا اليوم الحادي عشر من المواجهات: «كان بعض رجال الأمن يرمون قنابلهم باتجاه العمارات مع أن المتظاهرين في الجهة الأخرى، وكأنهم يتحدون السكان الذين لم يخرجوا للتظاهر ويطلبون منهم المواجهة». أحمد لم يشارك في المظاهرات مع أنه متعاطف بل ومناضل من أجل ما اتفق على تسميته القضية البربرية. وهو مثل كثير ممن تابعوا الأحداث عن قرب وتألموا كان ينتظر بفارغ الصبر مبادرة من الحكومة تخرج الجميع من المأزق بما يحفظ ماء الوجه. ويرى أن الحركة الاحتجاجية في أسبوعها الثاني وصلت الى وضع متقدم من التعفن، وستترك جروحا عميقة يصعب تضميدها، فثمة قتلى وجرحى بالمئات. انفجار أم تفجير؟ بالنسبة للكثيرين في بجاية فإن الأحداث وإن كان أبطالها مجموعات من الشباب الغاضب من جهة وآلاف من عناصر الدرك والشرطة وهم شباب أيضا، فإنها تحجب صراعات دوائر السلطة العليا حول المصالح والنفوذ. وتجزم أوساط سياسية محلية من أحزاب مختلفة ببجاية أن الأمر يتعلق بإنزال مبرمج لهذه الصراعات الى الشارع بعدما تعذر على كل الأطراف الحسم فيها. وما قام به الدرك الوطني من تجاوزات كان المقصود منه هو خلق بؤرة توتر يستخدمها طرف ضد آخر، لكن هذا المخطط خلف للأسف أكثر من ستين قتيلا ومئات الجرحى عدد كبير منهم مرشح للموت أو الإعاقة المستديمة. وتتفق تحليلات قوى سياسية محلية حول ما تسميه «تحريك القبائل» لتصفية حسابات بين أطراف السلطة المتصارعة الى حد يمكن توقع أي شيء في المستقبل القريب.وتعتقد هذه القوى أن سيناريو تفجير الأحداث أعد بإتقان واهتم حتى بأدق الجزئيات لضمان اندلاعها. ويطرح مجيد وهو مناضل من جبهة التحرير الوطني بالمدرسة الثانوية جملة من التساؤلات حول مصادفات غريبة حدثت من جهات مسؤولة تؤدي حتما الى ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة. يقول مجيد: «إن مجرد اعتقال شاب أعزل بلا سبب وقتله برشاش كلاشينكوف من قبل رجل من الدرك داخل الثكنة، أمرٌ كافٍ لأن يثير غضب الناس في أي مكان من الجزائر. فما بالك إن كان هذا الشاب من القبائل وقد قتل في قريته من دركي غريب عن المنطقة ولاينتمي للسان القبائلي، واسم القتيل ماسينيسا وهم لا شك يدركون أن هذا الاسم رمز بالنسبة لكل البربر فهو ملكهم وقائد حروبهم ضد روما القديمة؟». ويلح مجيد على أن اختيار الضحية التي تكون شرارة للأحداث كان متعمدا فليس هناك بتلك البلدة شخص آخر باسم ماسينيسا. لكن أثر حادثة الاغتيال ظل محدودا في قرية الضحية وضواحيها وظلت المطالب هي إعادة الاعتبار للشاب بعد أن اتهمه بيان الدرك بكونه كان بصدد القيام بسرقة ولم يثر الحادث ضجة ذات بعد جهوي أو وطني. لذلك ـ حسب محند أمزيان ـ وهو مدرس متقاعد «عمدت الأوساط التي أرادت تفجير الوضع الى افتعال أحداث أخرى باعتقال تلاميذ من ثانوية أميزور بولاية قبائلية أخرى، هي لعمري ـ كما قال ـ دعوة صريحة الى العصيان». ويعتقد مقران وهو مناضل في التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي انسحب من الائتلاف الحكومي بسبب أحداث القبائل، بأن أوساطا في الحكم تدرك أن الوضع المتأزم في البلاد نتيجة اتساع رقعة الفقر والخطاب الرسمي الذي يستفز العامة وكذا النهج السياسي للرئيس بوتفليقة المعتمد على العودة الى خدمات «الحرس القديم» الذي سبب المآسي للجزائر في الثمانينات، سيؤدي حتما الى انفجار عام بالبلاد لاتستطيع التحكم فيه شبيه بذلك الذي حدث في أكتوبر من العام 1988م، وغير مجرى سياسة البلاد. لهذا عمدت الى افتعال أسباب انفجار في منطقة معروفة بكونها أكثر مناطق الجزائر حساسية وقابلية للتحريك. وبهذا فقد سبقت السلطة الأحداث وإن خلفت قتلى وجرحى وإتلاف الممتلكات فإنها ـ في نظر هذه السلطة ـ أخف الأضرار. لأن الانفجار العام سيؤدي حتما الى انهيار هذه السلطة وإفراز البديل. وتساءل الكثيرون عن الأسباب التي دفعت السلطة أو جناحا منها هذه المرة لتحريك الوضع في القبائل انطلاقا من قتل دركي «عربي» شابا قبائليا واعتقال دركيين «عرب» شبابا من القبائل وضربهم بعضهم يقول إن الأحداث تدخل في مخطط فتنة يبرر بقاء السلطة الحالية وتوسيع ممارساتها بالحكم المطلق مثلما تؤكد مشاريع القوانين التي طرحتها الحكومة أمام البرلمان للمصادقة ومنها على الخصوص مشروع قانون العقوبات الذي يضيق الخناق على حرية التعبير والعمل الصحفي وعلى النشاط السياسي. والبعض الآخر يدرج الأحداث في إطار الممارسات التي لايعرف الحكم في الجزائر منذ الاستقلال حتى اليوم منهجا آخر غيرها، وهي التشدد وطلب الطاعة العمياء من الشعب واستخدام العنف أمام المطالب إن كانت اجتماعية أم سياسية أم ثقافية. ويعترف مسئولو الأحزاب السياسية في بجاية وفي منطقة القبائل عموما أنهم لم يقدروا على التحكم في زمام الأمور وأن الشارع أصبح يحكم نفسه بنفسه خلال تلك الأحداث. ومهما كانت آراء هؤلاء وأولئك فإن ناس منطقة القبائل اليوم منكبون على تجاوز آثار ذلك الوضع بإنشاء جمعيات جديدة تتكفل بضحايا الأحداث وعائلاتهم وإعادة اعمار المنطقة ببناء وترميم ما تهدم تماما مثلما فعلوا بعد أحداث الربيع البربري في أبريل 1980 وأحداث أكتوبر 1988 وتلك التي أعقبت اغتيال مطربهم الكبير معطوب الوناس في يونيو 1998 هم هكذا في حالة الكر والفر، في كل مرة يبنون ويرممون الى أن تهز منطقتهم أحداث أخرى تخرب ما تم انجازه، والأكيد أن منطقة القبائل تبقى قنبلة موقوتة وبركاناً يثور من حين لآخر دون سابق إنذار.