بيان الاربعاء: يكاد الجزائريون عموما والقبائل خصوصا أن يجمعوا على أن أفكار الناس تغيرت فيما يخص طرح مسألة اللغة بالأمازيغية بالمقارنة مع ما كان عليه الطرح قبل عشر سنوات. فاليوم لا يفصلها أهلها عن ممارسة الأمة للحريات بل يشهدون أن خطوات كبيرة ، سجلت على درب ترويض المجتمع على التعاطي مع الموضوع بصفة إيجابية. ولا يشكو السكان من قمع لغوي أو ثقافي كما كانت الحال في السابق حين سيطرت عقلية الحزب الواحد فكانت الكارثة في جميع الميادين. لقد وفر الانفتاح الديمقراطي الذي انطلق عام 1989م بعد أحداث دامية في أكتوبر 1988م شارك فيها ملايين من الجزائريين من مختلف الفئات والأعمار الأطر التي تناقش فيها هذه المسائل وسويت قضايا كثيرة وأصبحت الأمازيغية اليوم تدرس في مدارس منطقة القبائل في فصول دراسية نموذجية على أن تعمم على كل البلاد كلغة اختيارية لاحقا وتأسست هيئة عليا باسم المحافظة السامية للأمازيغية متصلة مباشرة برئاسة الجمهورية مثلها مثل المجلس الأعلى للغة العربية وتبث قناة إذاعية خاصة البرامج المختلفة بالأمازيغية ويقدم بها التلفزيون أيضا نشرة يومية وكرس دستور1997 دعائم الانتماء الجزائري الثلاثة بالأمازيغية ـ العربية ـ الإسلامية. بالنسبة للكثيرين إذن لم يعد هذا المطلب الثقافي أو الاعتراف بالهوية والانتماء كما يسميه البعض هو محرك الأشياء في منطقة القبائل، بل تجاوز الناس ذلك إلى أمور أخرى تجمعهم ببقية الجزائريين من فروع البربر الأخرى مثل «الشاوية» و «التوارق» و«الشنوية» و«بني ميزاب» و «الشلوحة» ومن الناطقين بالعربية. وهذا الاتجاه أخذ في الانتشار بشكل جعل المطالب التي حملها الغاضبون في الأحداث الأخيرة عامة لجميع الجزائر، وحرصت بعض القيادات البربرية على التأكيد بأن الأمر هذه المرة لا يتعلق بمطالب ثقافية ولغوية ولكن الحركة تسعى لتحقيق تقدم ذي طابع سياسي ـ إنساني ويخص بالدرجة الأولى توسيع ممارسة الحريات العامة وصيانة كرامة المواطن واحترام حقوق الإنسان مثلما تنص علية معاهدات دولية صادقت عليها الجزائر. حتى أن وعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بتحسين مكانة اللغة البربرية في إطار إصلاح المنظومة التربوية وتعزيز موقعها ضمن الدستور الجديد المنتظر، لم يجد ترحيبا وصدى كما كان متوقعا من البربر عموما ومن القبائل خصوصا، وهم الذين كانوا أكثر حرصا على هذه المسألة في السنوات الماضية. لم يكن دخول منطقة القبائل الجزائرية خلال العشر الأواخر من أبريل وبداية مايو أمرا سهلا على الغرباء لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بصحفي ولا يحسن الكلام باللغة المحلية (الأمازيغية) فالخطر خطران أولهما خطر الموت على أيدي عناصر الجماعات الارهابية التي تنصب نقاط تفتيش أو ما يسمى محليا «حواجز مزيفة» على طرق المنطقة وثانيهما التعرض لخط المواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين متحمسين وغاضبين. كان ما قمنا به مجازفة حقيقية، فأحداث الشغب كانت في عنفوانها والغضب بلغ ذروته بعد سقوط نحو خمسين قتيلا برصاص رجال الأمن واختناق المستشفيات بالجرحى واتلاف معظم الممتلكات والمصالح العمومية. في تلك الأثناء كانت الآفاق قاتمة ولم تظهر بادرة أمل لاحتواء الأزمة وفشلت مساعي كل الأحزاب والجمعيات وصار الشارع يحكم نفسه بنفسه دون مرجعية وآلاف من الشباب في مقتبل العمر يتسابقون على تحطيم كل ما يجدونه في طريقهم وآخرون يواجهونهم بإطلاق عشرات الآلاف من القنابل الدخانية الخانقة والرصاص الحي. وكانت المطالب غير مفهومة لأن أسباب الحركة الاحتجاجية خرجت عن المألوف ولم تكن بدافع تكرار المطلب الذي تأسست الحركة البربرية من أجله قبل أكثر من عشرين عاما وهو «إحلال اللغة الأمازيغية محلها الطبيعي باعتبارها مقوما من مقومات الشخصية الجزائرية وتدريسها في أطوار التعليم المختلفة». هذه المرة كان للغضب دوافع أخرى ليس لها أبعاد ثقافية أو جهوية. كان الغضب العنيف هذا رد فعل على تصرفات الدرك الوطني الفصيل الصدامي للجيش في حال المواجهة مع الشعب، كان إذن مواجهة بين شرائح من سكان المنطقة أحست بالقهر وقوة تنتمي الى الجيش النظامي. لذلك كان المطلب الظاهر الذي رفعه الغاضبون هو الرحيل الفوري لجميع فرق الدرك الوطني التي يتجاوز تعداد أفرادها بالقبائل ثلاثة آلاف جندي، وهو مطلب صعب التحقيق بالنسبة لبلد في وضع حرب على جماعات إرهابية مسلحة اتخذت من منطقة القبائل أحد أهم معاقلها. وفي حال خروج هذه القوة العسكرية فسيستبيح الإرهابيون كل شيء بالمنطقة وسيفعلون بالناس أكثر مما فعلوا في السنوات العشر الماضية. ووسط حشود تلتقي يوميا لزرع الخوف والدمار، تنقلنا بين مجموعة من المحطات وجلسنا الى عدد كبير من الناس لنقل الآراء حول ما يجري في الميدان وما دوافع ذلك وما النتائج المنتظرة من كل طرف. كان التعاطي مع شعب في غليان أمرا صعبا لكن مع ذلك تحدث إلينا في جميع المدن والقرى التي زرناها أساتذة ومسئولون وشباب وأعضاء في جمعيات نفضل تقديم أهمها كما جاءت على ألسنتهم. سفر عبر الجحيم في الطريق من العاصمة الى بجاية إحدى أهم مرافئ الجزائر تمر على عشرات من المدن المتوسطة والقرى مزروعة على 250 كلم، وعلى طول هذه المسافة ينتشر الخراب وأسراب من آليات الجيش والدرك بعضها يجوب الطرقات والبعض الآخر توغل داخل حقول الزيتون مترامية الأطراف يعطي تموقعها الانطباع بأن الذي يجرى هنا حرب حقيقية. وقد اختلطت الأمور بين تلك المعَدّة لمواجهة أحداث العنف الطارئة بالقبائل وتلك الموجهة لحماية الناس من هجمات جماعات إرهابية تسمي نفسها «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» يتزعمها حسن حطاب واحد من أكثر القيادات الإرهابية الجزائرية دموية. فأحداث العنف التي اندلعت بعد حادثة مقتل شاب بسلاح رجل من الدرك الوطني في 18 أبريل الماضي، ليست المحنة الوحيدة التي تواجه السلطة والقوات المسلحة والمواطنين على السواء، ففي ولايتي تيزي أوزو والبويرة ـ معْبرنا الوحيد الى مقصدنا بجاية ـ يسقط يوميا عسكريون ومدنيون برصاص وسيوف الجماعة المذكورة ومنها انطلق تنفيذ «فتوى» تبيح اختطاف النساء للمتعة واستباحة أموال التجار الذين لا يدفعون «الزكاة» للجماعة وقتل جميع من يستجيبون للخدمة العسكرية الإجبارية وذويهم حتى عند عودتهم الى الحياة المدنية، وإتلاف محاصيل من لا يدفع الاشتراك من المزارعين. وهذه المنطقة التي يتحدث معظم سكانها القبائلية، وهي أكبر جماعات اللسان البربري في الجزائر، جبلية حصينة وعرة التضاريس لم يتمكن الجيش لحد الآن من اقتحام بعض مواقعها، حتى قيل أن ثمة أحراش لاتزال عذراء ولم تطأها قدم الإنسان بعد. وداخل غابات الزيتون التي تغطي الجبال والروابي تنتشر مئات من القرى الصغيرة تعيش في الغالب حياة تقليدية، توجد نسبة عالية من رجالها في المهجر أما الباقي فيمارسون التجارة والفلاحة الجبلية وفي مقدمتها جني ثمار الزيتون وتربية المواشي والدواجن والنحل بالإضافة الى زراعات جبلية خفيفة. لكن في السنوات الأخيرة تحمل عدد كبير من السكان مسئوليات خطيرة أخرى بانخراطهم في مجموعات المقاومة المدنية، وحملهم السلاح للدفاع عن قراهم وحياتهم وأعراضهم من جنون النشاط الإرهابي القاتل. على امتداد تلك الطريق المستقيمة حينا والملتوية كالثعبان أحيانا أخرى بين بساتين العنب والبرتقال والزيتون والتفاح وشتى أنواع ما يجود به «حوض الصومام» من خيرات، ترك العنف بصماته في شكل سيارات وآليات متفحمة وبنايات محروقة وأطنان من الحجارة غزت الطريق و بقايا متاريس تجبر العابر على التوقف في معظم الحالات. ويستغرق السير من ( تازمالت ) أهم المجمعات السكنية في مدخل ولاية بجاية الى مدينة أميزور التي انطلقت منها شرارة أحداث العنف بالولاية في الظروف العادية نحو 45 دقيقة من الزمن لكن في الظروف التي سافرنا فيها تطلب الأمر ثلاث ساعات كاملة، وقد داهمنا الليل بكل ما يمكن أن يحمله من مفاجآت. في موطن الاحداث عندما دخلنا بلدة أميزور الواقعة على نحو 20 كلم غرب بجاية و 230 كلم شرق العاصمة على الساعة الثامنة ليلا بالتوقيت المحلي في آخر يوم من شهر أبريل كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يلقي خطابا الى الامة خاصا بالأحداث الأليمة التي تشهدها منطقة القبائل منذ عشرة أيام... كانت شوارع البلدة شبه خالية، إلا من بعض الشباب لايأبهون بما يقوله الرئيس فهم ـ كما قال عنهم أحد رجال الشرطة ـ «يعيشون لذواتهم ويفعلون مايعتقدون وهم متيقنون على الدوام أن المسئولين يزرعون الوعود ثم يحصدونها لأنفسهم و لأهلهم وأقاربهم» لكن كبار البلدة كانوا مهتمين بالخطاب الى درجة التفاؤل فهم يرون فيه قارب الانقاذ أمام هيجان شباب يكبر يقينه يوميا بأن لا أمل في الخطابات الرسمية ومشاريع التنمية والإصلاح التي تداولت أجيال من المسئولين الاعلان عن انطلاقها وإفلاسها وضياع الأموال المخصصة لإنجازها. وكانوا يأملون أن يتلفظ بوتفليقة بشيء آخر غير الوعود التي ألفوا سماعها، بل قل إنهم كانوا يأملون أن يعطيهم الرئيس المبررات التي تجعلهم في موقع قوة حين يناقشون أبناءهم حول ضرورة اعتماد الوسائل السلمية منهجا لتحقيق المطالب المعلنة. فهم في أشد الحاجة الى ما يجعل حكمتهم قادرة على تطويع عنفوان الشباب وعلى اختراق الغضب المتراكم في نفوسهم وتفتيته وتذليل دوافع الحقد الأعمى الذي سكنهم، فصاروا لايبحثون عن وسيلة تحقيق مطالبهم بقدر ما هم مندفعون لإشفاء غليلهم من سلطة يرونها فاسدة وطاغية ويتصورونها في شكل مصلحة ضرائب وإدارة محلية ومؤسسات اقتصادية وتجارية وحتى في مستشفى ومدرسة ومقر حزب سياسي. كل شيء أصبح غير نافع بالنسبة لهؤلاء الشباب. وصورة المستقبل قاتمة لايضارعها إلا الدخان المتصاعد من الممتلكات والمنشآت التي تحولت في ظرف ساعات الى رماد. كبار هذه البلدة التي كانت فاتحة أحداث العنف بولاية بجاية الساحلية أو «الانتفاضة» كما يحلو للكثيرين تسميتها، أثقلتهم هموم المواجهات، مثلهم مثل سكان مئات القرى والمدن المنتشرة في أكثر مناطق الجزائر كثافة وهي القبائل. فقد ركز عليها الاستعمار الفرنسي لخصوبة أراضيها وأقام بها قلعة حصينة للعملاء خنقت أنفاس الناس وحولتهم إلى عبيد، وزرعت فيهم الميل الى الصبر والتحمل حتى إذا «بلغ السيل الزبى» تحولوا الى بركان لا يتوقف عن الهيجان. وشهدت عام 1980 أعنف المواجهات بين المتظاهرين المطالبين بالاعتراف بالهوية الثقافية الأمازيغية للجزائر وقوات الدرك والشرطة والجيش وسقط بها عشرات من القتلى والجرحى وانتفضت في الخامس من أكتوبر 1988م حين صيّر الشباب الغاضب الجزائر من أقصاها الى أقصاها دمارا ودخانا ورماداً. وفي يونيو عام 1998م قدمت دماء أخرى في مظاهرات عارمة تخللتها مشادات مع قوات الأمن على اثر اغتيال المطرب البربري معطوب الوناس نسب رسميا الى جماعة إرهابية لكن الغموض يكتنف حادثة الاغتيال و لا يزال النزاع قائما بصددها حتى اليوم. وفي 21 أبريل الماضي اندلعت بها أحداث بعد اعتقال الدرك الوطني ثلاثة طلاب من ثانوية البلدة بدعوى مشاركتهم في حركة احتجاج على مقتل طالب من ثانوية بني دوالة بولاية تيزي أوزو المجاورة برصاص رجل من الدرك داخل الثكنة المحلية، فتحولت البلدة من جديد الى أكوام من الرماد وسقط بها أول قتيل بولاية بجاية. قال مقران وهو مدرس بالصفوف الابتدائية عمره يتجاوز الخمسين، حين سألناه عن أسباب اندلاع العنف: «إن الذي حدث كان رد فعل على اعتقال الدرك لطلاب داخل المدرسة الثانوية، ولما كان الطالب جرماح ماسينيسا قد اغتيل من طرف أحد الدركيين ببلدة بني دوالة القريبة منا فإن مجرد اعتقال طالب يعني احتمال قتله. وهذا جعل طلاب الثانوية يخرجون لإنقاذ زملائهم المعتقلين الذين ـ في اعتقادهم ـ يمكن أن يلاقوا نفس مصير ماسينيسا. ويتطابق تفسير المدرس لانطلاق شرارة الأحداث مع تفسيرات أخرى تقول إن الخبر شاع في كل أميزور وضواحيها بأن ثلاثة من طلاب البلدة يداهمهم خطر الموت بمقر فرقة الدرك الوطني. والحال أن هذا الوضع يدل على انعدام الثقة في فصيل من القوات المسلحة كان دائما الأداة الصدامية بين الشعب والجيش كونه يعنى بالشئون العامة ويحتك يوميا مع المواطنين كجهاز ردع لتطبيق القوانين وفرض سيطرة الدولة. ويعتقد مجيد رابح وهو أستاذ اللغة الفرنسية بثانوية البلدة أن فقدان ثقة الناس في الدرك لا تعود لحادثة بني دوالة التي قتل فيها الشاب ماسينيسا من قبل عنصر من هذا الفصيل في حد ذاتها، لأن الأحداث الطارئة واردة في كل الحالات وكل الأسلاك لكن لأن الدرك الوطني من القيادة الى القاعدة حاول تبرير جريمة القتل وكرّس بذلك احتقاره للمواطنين حين نعت القتيل بالسارق مع أنه طالب ويعلم الجميع ذلك، وأنه اعتقل أمام داره وتعرض لضرب مبرح أمام الملأ ثم اقتيد الى مقر فرقة الدرك حيث قتل بنار رشاش كلاشينكوف، وبعد الحادث قالوا (يقصد الأجهزة الرسمية) إنه كان بصدد القيام بسرقة ساعة اعتقاله. وفي استرساله لرأيه بخصوص علاقة الثقة هذه قال المتحدث «حتى وزير الداخلية زرهوني غلّطوه فدفعوه الى كذبة كبرى حين قال بأن ماسينيسا ليس طالبا وإن عمره 26 سنة ثم تراجع بعدما شنت الصحافة المستقلة حملة ونشرت صورة لكشوف نقاط امتحاناته هذا العام وتدخل مدير الثانوية ليزيل اللبس وليؤكد أنه تلميذ بمؤسسته. وقال صاحب مقهى بوسط بلدة أميزور كان من بين الحاضرين في جلستنا مع بعض السكان: «جميل أن يعترف وزير الداخلية بخطئه ويقول صراحة إن التقارير التي وصلتني بخصوص الطالب كانت خاطئة، لكن كان لابد أن يتخذ تدابير ضد الذين غلطوه ودفعوه الى الكذب و تبرير الجريمة. لايكفي ـ خاصة بالنسبة لوزير في قطاع السيادة ـ أن يتراجع عن موقفه لأن ذلك الموقف كان جارحا لجميع أهل المنطقة فهو السند الذي اعتمده من نعتوا ماسينيسا بالسارق لتبرير قتله» وقاطعه واحد من الحضور (فضل أن لا يذكر اسمه) بقوله:«حتى إذا كان من ألقي عليه القبض سارقا هل يجوز قتله برشاش داخل ثكنة الدرك؟ لا... لا... هذا لا يحدث إلا عندنا. مع هذا فقد سمعتم خطاب الرئيس وفيه من اللوم علينا نحن الضحايا أكثر مما على الجلاد». وتوجه الي بالكلام: «سمعتَ يا أخ... أكبر مشاكل البلاد هي غياب من يزيل الحيف على المظلومين... أنا صريح ولا ألف حول الموضوع. المشكل مشكل رجال». كلام الرئيس أقراص مسكنة وليس بعيدا عن بلدة أميزور تقع قرية كبيرة أخرى على سفح جبل شامخ اسمها برباشة كانت من القرى الأولى التي تحركت للتضامن مع الطلاب المعتقلين الثلاثة. برباشة هذه من البلديات الفقيرة جدا، وأغنى سكانها هم من يوجد أحد ذويهم بالمهجر وفرنسا على وجه التحديد. وأكبر طموحات الشباب والأطفال هي إيجاد منفذ للإقامة بفرنسا. أما باقي الناس ففقراء وميزانية البلدية ضعيفة جدا لاتكفي لترقية أهلها وإخراجهم من ظلمات العوز. حتى أن المطرب البربري الكبير لونيس آيت منجلات قام ذات عام بتنظيم حفلات وتخصيص مداخيلها لمد قنوات تصلهم بالماء الصالح للشرب. ولايزال السكان في كثير من القرى التابعة لهذه البلدية يدفعون الاشتراك عند شق طريق أو بناء مسجد أو مدرسة أو لمساعدة أحدهم حلت به مصيبة عجز على مواجهتها، تماما مثلما كانوا يفعلون منذ اندلاع ثورة التحرير عام 1954 حين كانوا كغيرهم من الجزائريين يقدمون اشتراكات لمساعدة الثورة وتقوية عضدها بالسلاح والرجال. دخلنا برباشة غداة إلقاء الرئيس بوتفليقة خطابه الخاص بأحداث منطقة القبائل، وكان علينا أن نسأل الناس قبل كل شيء عن رأيهم في ذلك الخطاب، كان اسماعيل أول من تجرأ على الكلام، كون أهل القرية كتومين ونادرا ماقصدهم صحفي لطلب آرائهم ونقل حالة عيشهم، قال اسماعيل وهو في العقد الرابع من العمر: «كان الرئيس أمس مثل الطبيب الذي يستعجل انهاء فحص مريض على عتبة الموت ثم يعطيه أقراصا مسكنة للتخلص من أنينه. هو أقصر خطاب في حياة بوتفليقة، لقد حسبت له سبع عشرة دقيقة من الكلام فقط، كان معظمها في شكل لوم غير مباشر للذين أتلفوا الممتلكات وثناء مجاني على سكان المنطقة لأدائهم واجبهم في تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي قبل أربعين عاما. ويعلم الرئيس نفسه أن السواد الأعظم ممن شاركوا في الأحداث التي تناولها خطابه لا يعرفون عن الثورة التحريرية الا ما قرأوه في الكتب أو روي لهم ممن عاشوها. أنا لم أطمع في يوم من الأيام بموقف ايجابي من حكام البلاد لكنني لم أكن أتصور أن معالجة أحداث أليمة وضخمة خلفت أكثر من سبعين قتيلا في ظرف أربعة أيام واعترف حتى الرئيس بخطورتها التي ستعالج بصيغة تشكيل لجنة تحقيق أنا متيقن بأنها لن تصل الى أية نتيجة» كان اسماعيل يتحدث والكثيرون يهزون رؤوسهم تأييدا لما يقول فهو واحد من عقلاء البلدة رغم أن ثقافته متوسطة ولا ترقى الى مستوى تحليل أحداث سياسية معقدة كتلك التي عرفتها منطقة القبائل. وقال شاب في الثلاثين إن الرئيس تأسف على الذي حدث وترحم على الضحايا وعزى عائلاتهم وذويهم ومنطقة القبائل وعبر عن ألمه أمام الذي وقع، هو أول رئيس جزائري يتألم مع القبائل ويصرح بأن ما أصابهم أصابه، ويا حبذا لو جسد هذا الموقف بالإعلان عن قرارات تطال المسئولين الذين تسببوا في المأساة كما سماها هو، لكنه لم يفعل. ونشب خلاف بينه وبين آخر قريب منه حين قال هذا « إن الرئيس لم يتخذ قرارات ملموسة لأنه لا يملك زمام الحكم كله. هناك من يقرر من وراء الستار» فرد عليه الآخر مذكرا بأن « بوتفليقة علاوة على كونه رئيس الجمهورية، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو وزير الدفاع، والدرك فصيل تابع لوزارته يستطيع إذن اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تعيد لمنطقة القبائل كرامتها وكبرياءها وهدوءها أيضا لكنه لم يفعل، وقع الذي وقع من جماعة يقودها هو شخصيا، ثم يقول بأنه قرر تكوين لجنة تحقيق سبقه إليها البرلمان والقضاء، لماذا لم يُقل القائد العام للدرك بسبب تشويه سمعة ماسينيسا وهو قتيل وبرر الجريمة في بلد يذكر انتسابه الى المنهج الديمقراطي عشرات المرات في اليوم في نشرات الأخبار والخطابات الرسمية؟ ولماذا لم يُقل وزير الداخلية رغم أنه اعترف بعجزه في تسيير الأزمة وأنه كان ضحية تلاعب من كانوا يوصلون إليه التقارير من الميدان؟ ولماذا؟ ولماذا؟ أسئلة أخرى كثيرة» وقيل لنا فيما بعد أن ذلك الشاب المندفع جدا فقد أخاه في المواجهات بعدما نجا من الأحداث التي شهدتها المنطقة عام 1998م. اتجاه عام هذه آراء تعكس عموما الموقف الغالب ليس في برباشة فحسب ولكن في منطقة القبائل كلها. فالناس هناك وإن استحسنوا اعلان الرئيس على أنه تألم معهم وهي لفتة لم يألفوها من رؤساء سابقين إلا أنهم لم يبخلوا بتوجيه انتقادات سواء في أحاديثهم أو في لقاءاتهم مع الصحافة الجزائرية والأجنبية، وأصيب عدد كبير بخيبة أمل كبرى كون الخطاب، على أهمية الدوافع التي أفرزته، كان فارغا. في قرى برباشة الفقيرة وعددها يتجاوز العشرين لم ينتظر السكان الحكومة لشق الطرق أو لتزويدهم بالماء الصالح للشرب أو الكهرباء أو حتى بناء المدارس أو غير ذلك، فقد أنجزوا باشتراكهم ما استطاعوا من المرافق وكفوا منذ وقت طويل عن مطالبة البلدية بمساعدتهم على تسهيل عيشهم. وحتى هذا الوقت لا تزال بعض الطرق غير معبدة وتحتاج باستمرار الى ترميم لاسيما في مواسم الأمطار والثلوج. ويدرك الجميع هنا أن البلدية لا تملك موارد وأنها لا تستطيع فعل أي شيء مالم ترفع لها السلطات المركزية من ميزانيتها. ولم يخف نائب رئيس البلدية انشغال الهيئة بالوضع الاجتماعي الصعب للسكان. وقال إن هذا دفع الشباب خاصة الى التفكير في أن الدولة تخلت عنهم وتركتهم يصارعون وضعهم الصعب لوحدهم ولذلك أصبحت بالنسبة اليهم جسما غريبا. وصحّح زميل له كان جالسا معنا بقوله: «بل قل إنهم يرونها ( يقصد) الدولة مصلحة كبرى لجمع الضرائب... نعم مصلحة كبرى للضرائب لا أكثر» وأعقب ملاحظته بابتسامة وبهز خفيف للكتف. والحال أن مصداقية المسئولين بصرف النظر عن مستواهم سقطت أمام الهموم المتراكمة في شتى المجالات، بدليل أن أحداث القبائل استفحلت غداة إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن ضخ أكثر من سبعة مليارات من الدولارات لإنعاش الاقتصاد على مدى السنوات الأربع المقبلة ووعد بتوفير أكثر من مليون ونصف مليون منصب عمل وتلبية جميع طلبات السكن وتشييد آلاف المدارس وشق المزيد من الطرقات وما الى ذلك من المشاريع في برنامج وصف بأنه الأكبر الذي يعلن عنه دفعة واحدة في تاريخ الجزائر. لكن هذا الاعلان بالنسبة لعدد كبير من الشباب هو «مجرد وعود سيكون مصيرها مثل المشاريع السابقة التي ولدت ميتة لأن إنجازها أسند إلى رجال عينوا على رأس هيئات ليس لكفاءتهم وقدراتهم ولكن لاعتبارات سياسية وجهوية في كثير من الأحيان يطيعون الجهة التي عينتهم طاعة عمياء وإن على حساب مصلحة الشعب والوطن» على حد تعبير حنان عضو المجلس الشعبي لولاية بجاية