في فبراير 1942، بينما كانت القوات البريطانية تتراجع أمام الزحف الياباني في جميع الجبهات، نشرت صحيفة ليدر في الله آباد في صدر صفحتها الأولى خبر خطبة إنديرا وفيروز. وفي اليوم التالي تناقلت الخبر بقية صحف الهند، فقوبل على الفور بردود فعل معارضة في غالبيتها العظمى. واضطر نهرو إزاء ذلك لنشر بيان رسمي يؤكد فيه خبر الزواج ويوضح أنه سيتم بمباركته ومباركة المهاتما غاندي الذي أصدر أيضاً بياناً صحفياً مماثلاً. لكن كل هذا لم يخمد لهيب المعارضة الضخمة لهذا الزواج «المختلط». والحقيقة هي من لا يعرف تماماً الطبيعة بالغة القسوة للتقاليد الهندية في شأن الزواج، سوف يستغرب حتماً تلك المعارضة رغم أن الزواج أصبح يحظى بدعم أكبر زعيمين في الهند، أحدهما والد العروس بنفسه. كانت إنديرا وفيروز في واقع الأمر يعصيان وينتهكان ويضربان بعرض الحائط الأساسين اللذين تقوم عليهما مؤسسة الزواج في الهند: العائلتان تختاران العروسين منذ طفولتهما، ولا يملكان أي حق في المعارضة، ولا يجوز أبداً زواج اثنين ينتميان لطبقتين اجتماعيتين أو طائفتين دينيتين مختلفتين. ولنلاحظ أن الاثنين لم يكونا ينتهكان بزواجهما التقاليد الطبقية البالية، وإنما أيضاً القانون الذي وضعته بريطانيا للهند وحرمت فيه الزواج بين طبقات اجتماعية مختلفة. لكن كل تلك المعارضة فشلت في إثناء العريسين. وفيما انهمرت عشرات الألوف من الرسائل التي تضمن أقلها التهاني، وأكثرها تعبيرات الاعتراض والسباب والتهديد بالقتل، تدفقت أيضاً آلاف الهدايا على إنديرا, وكان معظمها يعاد لفه بعناية ويعاد مع كلمة شكر رقيقة للمرسل لأنه غير معروف للعائلة. وقد اتبع نهرو وابنته من بعده طوال حياتهما هذا التقليد البديع في رفض أية هدية إن لم تكن في إطار العائلة أو علاقة عائلية. وفي 26 مارس 1942 عقد القران في احتفال كبير، وانتصرت إرادة إنديرا رغم كل شيء. وقد فوجئت إنديرا بعد عودتها أن والدها خطََّ، وللمرة الأولى وصيته وهو في السجن. لم يكن موضوع الوصية قد خطر بباله من قبل، إذ كان يظن أن كل شيء يملكه سيعود آلياً لابنته الوحيدة. كما أنه لم يكن يظن أن ما سيخلفه وراءه، في حال وفاته، سيكون ذا قيمة تذكر. ومن المعروف عن نهرو أنه لم يكن يهتم بالمال أبداً، وأنه لم يؤمن على حياته. لكنه الآن، وهو في السجن بدأ يقلق على مستقبل إنديرا، خاصة لو تزوجت فيروز، لأن الزواج لن يكون مشروعاً بحسب القوانين البريطانية التمييزية السارية في الهند. وكان من الطبيعي أن يجعلها الوريث الوحيد لثروته الهزيلة التي كانت تشمل بيت العائلة ومحتوياته، والقليل من بقايا أسهم وسندات وبعض المال الذي لا يكاد يغطي مصروفات ستة أشهر. إنديرا في السجن كانت الأحداث على الصعيد السياسي تتسارع أيضاً في كل الاتجاهات. فبالتزامن مع الزواج زارت الهند لجنة حكومية بريطانية لإجراء مباحثات مع قادة البلاد بغية الحصول على دعم الهند للحلفاء في الحرب. لكن اللجنة التي جاءت لتأخذ لم يكن لديها شيء لتعطيه. ولذا أطلق نهرو عليها واحداً من تشبيهاته البارعة التي طالما اشتهر بها: هذه اللجنة تشبه شيكاً مؤجلاً على بنك مفلس. وفي يوليو أقرت اللجنة المركزية لحزب المؤتمر قراراً حاسماً موجهاً للبريطانيين: غادروا الهند. وكانت إنديرا وزوجها بين الحاضرين في ذلك المؤتمر التاريخي. والواضح أن بريطانيا أصابها الذعر من حجم التأييد الذي استقبل به الشارع ذلك القرار. فأصدرت أوامرها لقواتها هناك باعتقال جميع أعضاء قيادة الحزب، بمن فيهم نهرو وغاندي. وما لبثت الحملة أن طالت عمتيها وزوجيهما، وارتفع عدد المعتقلين حتى نهاية العام إلى أكثر من 60 ألفاً من القياديين والناشطين. وأفلت فيروز من الاعتقال بفضل براعته في التنكر. أما إنديرا فقد وجدت نفسها فجأة مسئولة عن قيادة حملة «غادروا الهند» انطلاقاً من منزل العائلة. لكنها ما لبثت أن لحقها الدور، وتم اعتقالها أثناء خطابها في تجمع كبير في الله آباد. وتعرضت أثناء الاعتقال لضرب مبرح أدى لتمزيق ثيابها، وعندما هب فيروز الذي كان يحضر متخفياً لنجدتها، اعتقل هو أيضاً. وهكذا وجدت إنديرا نفسها نزيلة السجن نفسه الذي طالما زارت فيه أبيها وجدها وصهريه وكثيرين غيرهم. وقد اضطرت إنديرا ونزيلات السجن الأخريات ممن تعرفت عليهن هناك إلى خوض المواجهات مع السلطات والقيام بإضرابات متقطعة بين الحين والآخر عن الطعام للحصول على بعض المطالب. وكان أهمها بالنسبة إليها أن يسمح لها ولأبيها بتبادل الرسائل. والحقيقة أن إنديرا كانت الوحيدة تقريباً بين الشخصيات المعروفة في حزب المؤتمر التي لم تذق طعم السجن. ولذا فإنها كما يبدو كانت مصممة على دخوله. وهي تذكر في يومياتها بوضوح: لقد سررت لأنني اعتقلت. والحقيقة الثانية التي لا بأس من ذكرها أن جو السجن وطعامه على ما يبدو ناسبا إنديرا أكثر مما فعلت أفخم مستشفيات سويسرا. فعندما أطلق سراحها بعد 243 يوماً كان وزنها قد ازداد حوالي عشرة كيلوغرامات، كما اختفى تقريباً خرير صدرها الذي طالما عانت من أعراضه في الماضي. لكن فرحها بالتحرر من قيود السجن لم يكن بدون ثمن فغياب والدها كان يثقل عليها كثيراً، وجاء فوقه خبر وفاة زوج عمتها في السجن بسبب سوء المعاملة وعدم توفير العناية الطبية اللازمة للسجناء. كما أنها حملت بصورة مفاجئة، ولم يكن حملها مريحاً على الإطلاق، حيث رافقه الكثير من الأعراض المزعجة وعودة صحتها إلى التدهور. والحقيقة أن الحمل جاء معاكساً للنصائح الطبية التي تلقتها طيلة حياتها بأن تمتنع عن إنجاب الأولاد لأن جسدها لا يحتمل مصاعب الحمل. لكن كل ذلك لم يكن ليجدي نفعاً بمواجهة عزيمتها: لو كان الأمر متروكاً لي لأنجبت 11 ولداً. لكن فيروز لم يكن يريد غير اثنين. أنا أحب الأطفال. وفي 20 أغسطس، وضعت ابنها الأكبر بعد ولادة سهلة نسبياً، فيما كان الأب ينتظر الأخبار في زنزانته. لكن اختيار اسم للوليد لم يكن بسهولة قدومه إلى الدنيا. فقد استغرق الأمر أكثر من شهرين من المشاورات والرسائل بين نهرو وإنديرا وبقية أفراد العائلة حتى استقر الرأي على اسم مركب طويل: راجيف (زهرة اللوتس) راتنا (حجر كريم) بيرجيس (السماوي) نهرو غاندي. وقد اصطحبت إنديرا طفلها الأول لزيارة المهاتما غاندي قبل أن يبلغ شهره الأول. والغريب أن الناس عندما كانوا يتحدثون عن الأم والابن، بمن فيهم الذي يعرفون أن لا صلة قرابة تربط فيروز غاندي الأب بالمهاتما غاندي، كانوا يقولون: ابنة وحفيد المهاتما غاندي. سيل من المشكلات في منتصف عام 1945، بعد سنتين ونصف من السجن، خرج نهرو ليقود الحزب في معركة على جبهتين، الأولى مفاوضات الاستقلال والثانية التفاوض مع مجموعة جناح التي كانت تطالب بانفصال المناطق المسلمة في الهند. وفي الانتخابات التي جرت قبيل نهاية العام، انتزع حزب المؤتمر الفوز في جميع الولايات ماعدا البنغال والسند والبنجاب. وفي شهر مايو أصبح نهرو رئيساً للحزب ورئيساً للوزراء، إضافة لحقيبة الخارجية. وكانت إنديرا آنذاك تحيا حياة هادئة مع زوجها عندما اكتشفت في صيف العام التالي أنها حامل للمرة الثانية. وقد تزامن ذلك مع مشاكل من نوع جديد بينها وبين زوجها. كان الأب قد دبر تعيين صهره مديراً لصحيفة الهيرالد مقابل راتب 600 روبية شهرياً لكن شهر العسل بين الأب والصهر لم يدم أكثر من نصف شهر اكتشف نهرو بعدها أن صهره كان يتصرف بعنجهية وغرور كبيرين، وأنه قام بوضع يده على بعض أموال الصحيفة بدون وجه حق. وكأنما لم يكن ذلك كافياً، فالصهر لم يقنع بالاستيلاء على المال فقط وإنما أقام سلسلة من العلاقات النسائية مع نساء مختلفات. وقد اكتشفت إنديرا لسوء حظها أن إحدى تلك النساء لم تكن غير ابنة عمتها التي استغل فيروز عملها معه في الصحيفة ليغويها. لكن الضربة القاسية كانت عندما أقام علاقة مختلفة مع فتاة مسلمة أبوها وزير في إحدى الولايات. وعندما أخبرها أنه ينوي طلاق إنديرا والزواج منها، طارت فرحاً وسارعت لإخبار والدها الذي طار فزعاً وسارع لإخبار نهرو. واستدعى الأب صهره الذي واجهه بالحقيقة وأنه يريد طلاق إنديرا، ولم يجد نهرو عندها بداً من استدعاء ابنته وإطلاعها على الأمر. لكن إنديرا رفضت الطلاق. وبعد مداخلات عدة أمكن إقناع الفتاة بالتخلي عن تلك العلاقة. لكن انتصار إنديرا كان أجوف بكل ما في الكلمة من معنى. لأنها علمت كيف تم حل الأمر وأنها لم تعد صاحبة أية مكانة في قلب فيروز. منذ ذلك الوقت انتقلت إنديرا وابنيها راجيف وسانجاي الذي كان قد ولد في تلك الظروف، للإقامة مع والدها في نيودلهي، تاركة زوجها يواصل غزواته النسائية. وكان عليها هناك أن تواجه بشكل غير مباشر شخصاً جديداً دخل حياة أبيها سكرتيراً شخصياً له، فأخذ يتحكم بكل دقائق حياته. كما أن الاستقلال الذي احتفلت به الهند فجر 15 أغسطس 1947 جاء باهظ الثمن. فقد أصبحت الهند محصورة بين جناحي باكستان الشرقية (بنغلادش فيما بعد) والغربية. والغريب أن الشخص الذي رسم الحدود كان بريطانياً لم يصل قبل ذلك أبعد من جبل طارق، واستغرق الأمر منه خمسة أسابيع فقط ليقوم بتلك المهمة. بداية التحول في أكتوبر 1949، قامت إنديرا بمرافقة والدها في زيارة رسمية للولايات المتحدة بدعوة من الرئيس هاري ترومان الذي أرسل طائرته الرئاسية إلى لندن لتقل الوفد الهندي. وكان نهرو قد طار من نيودلهي إلى لندن على رحلة عادية، وأصر على دفع ثمن بطاقة ابنته رغم أن وزير المالية الهندي وافق على تخصيص بطاقة سفر لها وبدل مصروف شخصي يومي باعتبارها مرافقة «شبه رسمية» لرئيس الوزراء. وتعتبر تلك الرحلة بداية انخراط إنديرا المباشر في السياسة الخارجية للهند. وستقوم إنديرا طوال تولي والدها رئاسة الحكومة بمرافقته في 24 رحلة ذات طبيعة سياسية إلى الخارج. إلا أن رحلة واشنطن على وجه التحديد لم تكن من دون مفاجآت غير سارة على الإطلاق بالنسبة للسياسية الناشئة. فشقيقة نهرو فيجايا التي كان يطلق عليها اسم نان بانديت، كانت أيضاً سياسية معروفة، وعضواً قياديا في الحزب. وكانت قد عينت قبل أشهر سفيرة لبلادها في واشنطن. ولم تكن نان على استعداد لنسيان العداء بينها وبين إنديرا. ولذا فقد نجحت في استثناء ابنة أخيها من جميع المناسبات الرسمية التي كانت هي ترافق نهرو خلالها، بما فيها زيارته لجامعة برينستون حيث التقى العالم الشهير ألبرت أينشتاين. والحقيقة أنه رغم نجاح الزيارة على الصعيد الرسمي، والاستقبال الحافل الذي يخصص عادة لأرفع طبقة من الزعماء الأجانب، لكنها كانت زيارة صعبة، إذ أن الأب وابنته أصيبا بصدمة عندما واجها للمرة الأولى المادية المطلقة في الحياة الأمريكية. كما أن المناخ السياسي الذي أشاعه السيناتور جوزيف مكارثي اليميني المتطرف الذي سحق حرية القول والرأي تحت ذريعة محاربة الشيوعية أصاب الاثنين بكثير من الاشمئزاز. لكن الأمور تحسنت نوعاً ما بعد مغادرتهما العاصمة واشنطن. وفي نيويورك تعرفت إنديرا على الصحفية اليسارية المعروفة دوروثي نورمان، التي كانت تكتب عموداً يومياً في نيويورك بوست، ونشأت بين الاثنتين صداقة متصلة بالمراسلة التي استمرت 34 عاماً، لتصبح فيما بعد واحداً من أهم المراجع الخاصة بتطور تفكير إنديرا غاندي.