تعتبر محافظة الحسكة من المناطق ذات التاريخ العريق الموغل في القدم، حيث نشأت بين ظهرانيها العديد من الحضارات والثقافات، عبر مختلف المراحل التاريخية.. وإذا كانت مصادر التاريخ تؤكد أن أول استقرار دائم في هذه المنطقة تم منذ مايقارب عشرة آلاف عام أي منذ الألف الثامن ق.م.. فإن المكتشفات الأثرية بينت أن أول استقرار لمجتمع زراعي فيها يعود الى الألف السادس ق.م، أما أول حضارة فظهرت في الألفين الخامس والرابع ق.م. ونظراً لوجود الماء والأرض الخصبة والانسان المجتهد النشيط، ظهر في محافظة الحسكة نشاط اقتصادي واضح أدى الى نهوض حضاري متميز على مختلف الصعد. ويرجح أن هذه المنطقة كانت تقع ضمن مملكة اسوبارتوب التي سادها الرخاء واتسعت وازدهرت حتى الألف الثاني ق.م كونها تعتبر ممراً تجارياً طبيعياً... والممرات لها أهميتها الجغرافية والتجارية والفكرية وتساعد في توجيه عملية التمازج الحضاري هذه العوامل كلها انقلبت وبالاً على منطقة الجزيرة السورية وسكانها، حيث جعلتها محط أنظار الفاتحين الطامعين بخيراتها من مختلف أنحاء العالم، فكانت عرضة للغزو والنهب والسلب من هذا الشعب أو ذاك بين الحين والآخر. ولهذا ظهرت في المنطقة حضارات متعددة وثقافات مختلفة منذ قديم الزمان وحتى الآن.. وقد أماطت المكتشفات الأثرية الأخيرة اللثام عن العديد من هذه الحضارات.. فماهي آخر المكتشفات الأثرية في محافظة الحسكة؟ ولاسيما أن عدد البعثات الأثرية العاملة في المحافظة، خلال الموسم الأثري الأخير، وصل الى خمس عشرة بعثة أثرية وطنية وعربية وأجنبية، توصلت الى العديد من المكتشفات الهامة، التي أكدت أن الجزيرة السورية كانت مركزاً اقتصادياً وثقافياً وتجارياً هاماً على مر العصور. ففي تل الأوبيض الواقع على الضفة اليمنى لنهر الخابور على بعد 15 كم جنوب الحسكة، توصلت البعثة الأثرية السورية العاملة في التل، الى الكشف عن قصرين يعودان الى كل من العصر الآشوري الوسيط والحديث... حيث تم هذا العام اظهار جدران القصر الآشوري الحديث والبوابة الرئيسية، وبرجان متناظران على جانبي البوابة، بالاضافة الى سوية حضارية تعود الى الألف السادس ق.م. وفي تل شاغر بازار الواقع على الطريق الواصل بين الحسكة وعامودة، كشفت البعثة الأثرية السورية الانجليزية البلجيكية المشتركة عن عمارة مبنية من اللبن، احتوت على مجموعة من المدافن والتنانير، تفصل بينها طرق، ويتخلل بعضها قنوات لتصريف المياه، تعود الى الألفين الثالث والثاني ق.م. كما تم التعرف على السويات الحضارية للتل المتعاقبة من الألف الخامس وحتى الألف الثاني ق.م. وفي تل عربيد الواقع على طريق الحسكة القامشلي، توصلت البعثة الأثرية السورية البولونية المشتركة الى الكشف عن مجموعة من الغرف احتوت على قبرين وتنورين ومحل لبيع الصدف البحري كلها تعود الى الألف الثاني ق.م. أما في تل بيدر الذي يقع على طريق الحسكة الدرباسية، فقد تابعت البعثة الأثرية السورية الأوروبية المشتركة، أعمالها في الاجزاء المكتشفة من المنشأة المعمارية العائدة الى النصف الثاني من الألف الثالث ق.م.. وتم الكشف عن منشأة معمارية تتخللها طرقات وأقنية ودرج من الحجر البازلتي يؤدي الى القصر، إضافة الى مجموعة من اللقى الاثرية الطينية والفخارية والبرونزية. وفي تل الحرية احموكارب كشفت البعثة الاثرية السورية الأمريكية المشتركة عن أجزاء من غرف مبنية من اللبن احتوت على قبور تعود الى العصر الآشوري الحديث، وجزء من منشأة معمارية هامة احتوت على غرف تعود الى النصف الثاني من الالف الثالث ق.م. وتوصلت البعثة الاثرية الانجليزية في تل براك الى اكتشاف مبنى ذي مخطط بيضاوي الشكل، يضم مجموعة غرف مبنية من اللبن، الى جانب بقايا مبان تعود الى الالف الثالث ق.م وتابعت البعثة الاثرية الايطالية في تل بري، الكشف عن سويات حضارية تتواصل منذ العصر البابلي القديم وحتى فترة الحضارة العربية الاسلامية، احتوت على مستودع وتنور يعود لفترة الحضارة الاسلامية، وتم الكشف عن منشأة معمارية تعود الى العهد البارثي، واجزاء من غرف مبنية من اللبن وعن تنورين وقبرين يعودان للفترة الفارسية بالاضافة الى جدران وقبرين من العصر الآشوري الحديث وفي تل محمد ذياب، دل الكشف الاثري لهذا الموسم من قبل البعثة الاثرية الفرنسية على ابنية بأشكال مختلفة عبارة عن جدران وتنانير وأرضيات خارجية، اضافة الى اظهار اربعة فراغات من القص احتوت على ثلاث غرف كبيرة وساحة مرصوفة باللبن المشوي تعود الى بدايات الالف الثاني ق. م. واخيرا في تل دغيرات، الذي بدأت اعمال التنقيب فيه هذا الموسم من قبل بعثة أثرية ألمانية، كشفت عن مجموعة من الابنية المبنية من اللبن والحجر الكلسي تعود الى الفترة البيزنطية.