ما اشبه الليلة بالبارحة فإن ماحدث في مديرية صيرة محافظة عدن قبل حوالي عشرة ايام من تخريب لانابيب المياه المركزية التي تمون المديرية بمياه الشرب، ليس الحالة الاولى ولن تكون الاخيرة، بالطبع كما ان سكان المحافظة قد تعودوا على انقطاعات المياه المتكررة لايام واشهر وخلال الحرب والسلم. هذه الانقطاعات المتكررة تقود الناس الى التوجه الفوري الى المساجد وفتح آبارها والتضرع الى الله لرفع البلاء والعطش عن العباد، كان الله بعونهم. آبار المساجد الاسعافية من وقت الى اخر يصحو مواطنو بعض المدن اليمنية على مفاجآت تذكرهم بما ينتظر البلاد من ازمات مائية مميتة خلال العقد الحالي جراء استنزاف الاحواض المائية وعدم تغذية المياه الجوفية بالامطار، وهي مشكلة اضحت مؤرقة للناس، والحكومة اليمنية على حد سواء والتفكير بموضوع شحة المياه ونضوبها المرتقب، تعاود المواطنين بين حين واخر وترسم لهم صورة حياتهم المقبلة على نحو قاحل ومجدب، تعاودهم بصورة اعطال فنية وتفجر انابيب الضخ، وكأن هذه الحوادث العرضية، مجرد بروفات أولية لاعداد المواطن وتهيئته لتقبل وضع الحياة الصحراوية المتفشية في قلب المدن الضاجة بالحركة والعمران هذا ماحدث تماما الاسبوع قبل الماضي في مديرية صيرة محافظة عدن، حين تحطمت انابيب المياه المركزية التي تمون المديرية وادى الى انقطاع المياه عنها طيلة يومي الثلاثاء والخميس في مناخ صيفي لايحتمل تتجاوز درجة الحرارة فيه الى 40 درجة. واعطال طارئة كتلك وفي صيف قائض كصيف عدن المدينة البركانية التي وصفها الشاعر الفرنسي «ارثر رامبو» الذي اقام فيها في القرن التاسع عشر بانها عبارة عن فرن ملقى في قعر جهنم، هذه الاعطال الفنية في عدن وفي توقيت كهذا، قادت الناس الى التوجه الفوري الى المساجد وفتح ابارها وتموين الاسر بالمياه. وعلاقة الانسان في عدن بالمساجد عملية روحية وحياتية ملحة في آن واحد، وكانت لدور العبادة مواقف انقاذية مشرفة في لحظات قاسية داهمت المدينة، وتحديدا تلك المتصلة بانفجار دورات العنف التي شهدتها عدن في كل من يناير 86 وفي الحرب الاخيرة صيف 94 حين ضربت خزانات المياه المركزية والممولة للمدينة باحتياجاتها من المياه الصالحة للشرب وعلى وجه الخصوص خزان «بئر ناصر» الذي يقع في الخط الفاصل بين محافظتي عدن ولحج، فكانت مساجد عدن هي ملاذ الجميع للتضرع الى الله لازالة الغمة وانهاء حمامات الدم ورفع البلاء والعطش عن العباد، لقد فتحت ابواب السماء امام دعاء وتضرع المواطنين واهدتهم الخبرة التاريخية الى مواقع تواجد الآبار والصهاريج، حيث اغيث السكان وانقذوا باعجوبة من الموت المحقق عطشا. وفي عدن تتكثف صور المنافع بين الموروث الحضاري للمدينة وبين احتياجات الناس في الحقب والمراحل المتعاقبة، لقد افاد السكان كثيرا من الهندسة الحضارية الرائعة، فقد شهدت عدن قبل عشر سنوات عملية بناء عند اسفل سفح الجبل عدد من الخزانات الضخمة والصهاريج الواسعة التي يضاهي بعضها بمدرجاته وتصميماته هيئة وشكل مسرح روماني قديم، وهذه الصهاريج متدرجة في الانخفاض وتستقبل المياه القادمة من الجبال، فاذا فاض الصهريج الاول نزعل الماء الى الثاني، وتبلغ سعة الصهريج الواحد حجم باخرة عملاقة محملة بالنفط، ان الصهاريج السبعة التي ظلت تحفظ المياه شكلت الى جانب الابار الجوفية وتحديدا تلك المتواجدة في المساجد، احتياطيا استراتيجيا ان جاز التعبير لمد المدينة باحتياجات من المياه قديما، وراهنا في حال حدوث اي من المعوقات البشرية كالحروب والاعطاب الفنية وغيرهما. ويؤكد الجيولوجيون عذوبة المياه الجوفية في عدن وغناها وصفو العروق التي تتغذى منها والتي تجري تحت الارض من الشمال الى الجنوب تستمد تغذية خزانها الجوفي من مياه الامطار القادمة من جبال الشمال والمنحدرة صوب الجنوب. علاقات التضاد ان ماحدث في عدن الاسبوع قبل الماضي من خراب الانابيب المفاجيء، يعد اثارة علاقات التضاد بين المدينة بتوسعاتها العمرانية وامداداتها العصرية الحديثة، وبين الهندسية القديمة ومنجزات الاجداد وتحديدا في مجال المياه، وهذا التضاد قد حسمته الملمات التي اجتاحت المدينة، واثبتت اهمية الحفاظ على انجازات العصور السابقة كالصهاريج وابار المياه لا كهندسة عمرانية راقية وكشاهد على الرقي الحضاري فحسب، بل كحاجة ملحة للسكان في حال انقطاع مورد المياه لسبب او اخر كالحروب والارباكات الفنية المفاجئة. وقبل ارتباط عدن بشبكة المياه الحديثة منتصف القرن الماضي العشرين كانت تحتفظ بعدد كبير من الابار ففي صيرة كريتر وحدها 35 بئرا معظمها داخل المساجد، وفي المعلا 13 بئرا وفي التواهي 15 وفي الشيخ عثمان نحو 36 بئرا، كما توجد بعض الابار في عدد من المنازل ردمت بعضها واهملت البعض الاخر، واذا كانت حاجة الانسان من المياه في تزايد مستمر على عكس ما كان عليه الحال عام 1946 حين كان يستهلك مع بدء تدشين شبكة المياه الحديثة عشرة جالونات، فإن آبار عدن في ظل الزيادات السكانية المتعاقبة تظل عرضة للنضوب في حال الانتقال من الانقطاع الطاريء الى الجفاف المستديم.