ان الوضع الحالي للتعليم الجامعي في اليمن، يشبه الفاجعة، جامعات حكومية وخاصة جرى انشاؤها وتوظيبها وسلقها على عجل وسباق مع ارتفاع نسبة مخرجات التعليم الثانوي، الطلاب الحفاة، فجاءت النتيجة وجبة بلا طعم ولارائحة، لم تنجح في تسويقها في سوق العمل، وا أسفاه! وضع مؤلم كهذا، تناولته، العديد من الابحاث والدراسات التشخيصية بشيء من الرثاء والحسرة، اجمعت بان الجامعات اليمنية تعاني من زيادة معدلات الرسوب والتسرب وتدني مخرجاتها وضعف مواصفات الخريجين لاداء الوظائف والمهن في المجتمع، وكذا ضعف وفاء التعليم الجامعي باحتياجات التنمية وانشطة السكان وبيئات المجتمع وهذا يعود الى نشأة الجامعات اليمنية وبصفة خاصة منذ منتصف العقد الاخير من اجل تلبية احتياجات عاجلة، تمثلت في الجانب السياسي والاجتماعي والاداري، اضافة الى الجمود وعدم متابعة الجديد والمستحدث في المعارف والعلوم وتطبيقاتها التكنولوجية وانشغال قياداتها في القبول السنوي للطلاب والمعيدين والتعيينات والترقيات العلمية وفي القضايا الادارية والمالية وكذلك في البحث عن فرص استثمارية وتجارية خاصة. ولايقف الوضع المزري الحالي عند هذا الحد، بل انه لايتم تقييم لاداء هيئة التدريس السنوي ولا الى عطائهم العلمي، ومبدأ الثواب والعقاب محدود جدا في العملية التعليمية في الجامعات، كما ان اعضاء هيئة التدريس ـ البعض منهم ـ منشغلون في الاستشارات الخاصة للوزارات والمصالح والهيئات في الدولة وكذلك في المنظمات الاقليمية والدولية دون فائدة تذكر تعود للجامعات ولجوء البعض الثاني الى اعمال «البزنس» وكله يهون امام الفلوس. وهناك العديد من النقاط التشخيصية الاخرى من اهمها ان مؤسسات التعليم الجامعي تمت وانتشرت بصورة متماثلة ان لم تكن متطابقة معها، تشبه الاخرى من الكليات، الاقسام، التنظيم الاداري والمالي والاكاديمي والفني، وفي تنظيم القبول والمحتوى العلمي للموارد والاساليب التعليمية والانشطة الجامعية ومنح الدرجات العلمية والتقويم، وكذلك تتصف الجامعات الحالية بين تقليديه وموروثة تنظيميا واداريا وشكلا ومحتوى واساليب تم استنساخ هذه التقاليد من بعض الجامعات في الوطن العربي فظهرت اكثر نمطية واكثر جمودا ورتابة. كما ان الجامعات الحكومية والخاصة توسعت في الكليات النظرية وفي قبول اكبر عدد من الطلاب مقابل ضيق في اعداد الطلاب في الكليات العلمية التطبيقية، فيما تعاني من عجز نوعي في اعضاء هيئات التدريس فيها وتكدس كمي في بعض التخصصات ضمن اطار القسم الواحد، كما تعاني من العجز في ميزانياتها وضيق فرص مصادرها المالية واثر هذا الوضع بحسب الدراسات التشخيصية على عدم توفر الكتاب الجامعي والدوريات العلمية وتوفير مستلزمات المعامل والمختبرات القائمة. وتتبع الجامعات سياسة الباب المفتوح في اختيار المبعوثين لتحضير الماجستير والدكتوراه كي يصبحوا فيما بعد اعضاء هيئة التدريس في مجال مواضيع تحدد رسائلهم العلمية، فمن الملاحظ ان هذه السياسة لاتقوم وفق احتياجات الجامعة والمجتمع، وفي معظم الحالات يجري اختيار موضوع الدكتوراه او الماجستير دون العودة لخريطة للاحتياجات الواقعية، بل المصيبة ان مثل هذه الخريطة لا وجود لها على الاطلاق في الجامعات الحكومية، وايضا هناك التكرار الدائم للتخصصات والموضوعات التي تتناولها رسائل الماجستير والدكتوراه فيما يتم اغفال موضوعات حيوية ومهمة اخرى والجامعة والمجتمع بحاجة لها في الوقت الحاضر والمستقبل القريب والبعيد. ان هذا الوضع المتردي قد تعرض ومازال يتعرض للعديد من الانتقادات الموضوعية والبناءة من الاساتذة المشتغلين في الحقل الجامعي والاكاديمي الى جانب وضعه باستمرار تحت مجهر التشخيص والتحليل العلميين، ولم يقف الامر عند ذلك، بل تعداه الى وضع كم هائل من الحلول النوعية والمجدية فالاستراتيجية العامة للتعليم الجامعي حتى عام 2025 والتي اعدت مؤخرا والمرتبطة مباشرة بالتنمية البشرية في اليمن، قد تضمنت العديد من الخطوط الرئيسية والمهمة في هذا المجال، من ابرزها ربط التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل وان يعمل على الارتقاء بمستوى معيشة الناس وتحسين اوضاعهم المعيشية والاهم هو توفير التعليم للسكان من اجل تنمية قدراتهم واكتساب المهارات والمعارف القادرة على تلبية احتياجات المجتمع. ومن ابرزها ايضا تنمية قدرات الفرد وتزويده بالمعارف والاساليب العلمية والافكار التي تمكنه من فهم ماحوله من متغيرات ومستجدات متواصلة وكيفية التعامل معها وكذلك المشاركة الفاعلة في تطوير المجتمع وكذا تأهيل الانسان في التخصص المناسب والملائم لميوله وقدراته ليتمكن من المشاركة الاقتصادية والمساهمة في الانتاج اكثر باقتدار وتزويده بمهارات التنظيم والادارة كي تمكنه من المساهمة في خطط التنمية الشاملة، اضافة الى تسخير التعليم الجامعي لخدمة الفرد، بحيث يكسب قيما واتجاهات وانماطا وسلوكا تثمن شخصيته في المجتمع وتمكنه من التفاعل الايجابي والخلاق مع قضايا مجتمعه المختلفة.