جان دارك مثلها الأعلى، انديرا تنخرط في القضايا العامة بفضل الظروف المحيطة في العام التالي توجهت العائلة لزيارة باريس. وهناك تعرفت إنديرا أكثر فأكثر على جان دارك ودورها في حرب البريطانيين الذين كانوا يحتلون فرنسا. وكانت علاقة روحية قد نشأت بينها وبين البطلة الفرنسية الأسطورية قبل ذلك بسنتين لأن والدها كتب لها في رسائله أكثر من مرة عن جان دارك. وتذكر عمتها كريشنا التي نشرت أكثر من كتاب عن آل نهرو ان إنديرا كانت تقف على الشرفة أثناء طفولتها وتصرخ: أنا أتدرب لأصبح جان دارك الهند. يوما ما سأقود شعبي إلى الحرية مثلما فعلت... وفيما بعد، قالت في مقابلة مطولة عام 1967: لقد افتتنت باستشهاد جان دارك... «لقد ماتت حرقاً في سبيل قضية شعبها. وتلك هي نوع النهاية التي أريد أن أتصورها لنفسي». في تلك المرحلة، وبعدها بقليل، انتقلت العائلة مجدداً إلى لندن. وكانت الأم كمالا تمر بمرحلة حاسمة. كانت تشعر أنها، وبسبب مرضها، عديمة النفع، وأنها تعيق زوجها عن أداء مهامه وعمله كما يجب. ورأت الأم فجأة في تحرر ابنتها وانطلاقتها العوض الذي كانت تبحث عنه. رأت فيها صورة عن كمالا الحقيقية التي كانت تحب أن تكونها لولا قيود المجتمع والتقاليد البالية. وكان لتفتح تلك الرؤية المفاجئ أكبر الأثر في تحول الأم من قناعاتها المحافظة إلى الجانب المقابل تماماً: مناصرة أولى لتحرر المرأة. في أواخر 1927 عادت العائلة إلى الهند. كانت إنديرا قد بلغت العاشرة تقريباً، وازداد طولها حتى أصبحت بطول والدتها، وتحسنت صحتها كثيراً، وأصبحت تتقن الفرنسية والإنجليزية كأهلهما، كما قطعت شوطاً مهماً في تعلم الألمانية. وكان على إنديرا أن تراقب صحة والدتها تتدهور من جديد، وأن تراقب والدها وهو يتحدث بعد العودة مباشرة وفي أول ظهور علني له أمام اجتماع قيادة حزب المؤتمر، فيدعو للاستقلال التام عن بريطانيا. ولم يكن ذلك ليتطابق مع تفكير غاندي الذي كان على استعداد، كما أعلن أمام الاجتماع لقبول استقلال منقوص يتضمن انضمام الهند للدومنيون البريطاني. وإذا كان نهرو قد تغيب عن الاجتماع الحاسم الذي سيتم فيه التصويت على الاقتراحين، فإن ذلك لم يكن استسلاماً منه أمام رغبة زعيمه غاندي، كما شرحت إنديرا فيما بعد. فقد كان غاندي يرفق موافقته على الاستقلال المنقوص بشرط أن تقبل بريطانيا بذلك خلال عام واحد. وكان غاندي وموتيلال نهرو، زعيم حزب المؤتمر وابنه جواهرلال واثقين أن ذلك لن يحدث. ولذا كان نهرو الابن يقضي جل وقته يجول ولايات الهند لإعداد الأنصار للمرحلة التالية من النضال، وهي التي تهدف لتحقيق الاستقلال التام. وعندما قرر الأب التقاعد، وطرحت قضية خلافته في زعامة الحزب، اتجهت الأنظار نحو جواهرلال نهرو. الأحداث تصقل العزيمة وتتسارع الأحداث بعدئذ. وبنفس وتيرة التسارع تنخرط إنديرا أكثر فأكثر في القضايا العامة على الرغم من سنها اليافعة. وكان ذلك شيئاً طبيعياً. فمنزل الأسرة أصبح محجاً للجماهير يزوره أهل مدينة الله آباد وغيرهم ويندر أن تمضي ساعة في الليل أو النهار دون أن يكون حول البيت حشد من البشر. وفي عام 1930 أتيحت لها الفرصة لإثبات قدراتها على نحو مفاجئ. ففي تلك السنة بدأت معركة الملح الشهيرة، التي حاولت فيها بريطانيا إجبار السكان على شراء الملح البريطاني وعدم استخراجه من الممالح الطبيعية أو من البحر. وكانت البلاد بحاجة إلى جهد الجميع، حتى الأطفال. وعندما رأت إنديرا أمها المريضة تهجر فراش المرض وتنطلق إلى الشارع مغالبة ضعفها وهزالها، تركت كتبها واتجهت إلى المدارس تنظم التلامذة لدعم حركة الإضراب العام. كان المطلوب من التلاميذ إجبار المحلات غير المشاركة في النشاط الوطني على تغيير موقفها، إضافة لتوزيع المنشورات المعادية للاستعمار. وخلال فترة وجيزة نجحت الأم وابنتها بتنظيم أكثر من ألف طالب. وربما كان السبب المباشر في اندفاع إنديرا آنذاك هو غياب والدها شبه الدائم عن المنزل، بعد عودتهم من أوروبا، حيث كان يقيم باستمرار تقريباً في منزله الثاني، وهو الاسم الذي كان يطلقه على السجن في رسائله لإنديرا. وكان نهرو قد غدا الرمز الأهم للنضال بعد غاندي. ولعل ما كان يقلق الإنجليز علمهم بأن هذا الرجل سيهجر أفكار المقاومة السلبية في اللحظة التي يختفي فيها غاندي عن الساحة لأي سبب كان. ولم يكن المستعمرون بحاجة لأدلة حول مدى شعبية نهرو واتساع نفوذه. ففي 14 نوفمبر 1930،الذي يصادف عيد ميلاد نهرو، اشتعلت شوارع جميع مدن الهند من أولها لآخرها بالمظاهرات الضخمة التي لم يسبق لها مثيل. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي استطاع الهنود من خلالها التعبير عن محبتهم لزعيمهم بعد أن أطلقوا على ذلك التاريخ اسم «يوم جواهر» وفي مدينة الله آباد، وجدت إنديرا نفسها ذات يوم تتقدم مظاهرة ضخمة جابت شوارع المدينة وانتهت في حلقة عامة حيث أخذ الناس يطالبونها بالتحدث إليهم. وكانت تلك أول مرة تتصدى فيها الصبية لعمل قيادي سياسي. وتتزايد الضغوط على إنديرا، حيث اعتقلت أمها لأول مرة في اليوم الأول من سنة 1931 فكان ذلك بداية جديدة أخرى لها، ومزيداً من المسئوليات التي تحتم عليها أن تواجهها وألا تنهار تحت وطأتها. وما من شك أن رسائل والدها التي جمعت فيما بعد تحت اسم «لمحات»، والتي كان يوافيها بها بانتظام كان لها أكبر الأثر في قولبة شخصيتها وتفكيرها. في تلك الفترة كتب لها نهرو يذكرها للمرة الألف ربما بأن ميلادها المتزامن مع الثورة الشيوعية لم يكن صدفة. لكنه في الوقت الذي يعتنق فيه نظرية توماس كارلايل الخاصة بدور «البطل» في صناعة التاريخ، فإنه يشدد على أن التاريخ لم يصنعه فقط أشخاص مثل سقراط الأكبر والإسكندر المقدوني وجاريبالدي وبسمارك وغيرهم... «والتاريخ ليس مجرد سجل لأعمال العظام من ملوك وأباطرة وزعماء، بل هو سجل لأفعال الشعب بمجمله، للأمة». زوج المستقبل وعلى الصعيد الشخصي، كانت تلك أيضاً هي السنة التي التقت إنديرا فيها، بطريق الصدفة المحضة بزوج المستقبل، فيروز غاندي، الذي كان طالباً في مدرسة ثانوية بمدينة الله آباد. ولم يكن فيروز يهتم كثيراً بالأمور العامة حتى رأى كمالا وابنتها إنديرا أثناء قيامهما بتحريض الطلبة على الانضمام للحزب ومقاومة الاستعمار. وفي اليوم التالي توجه إلى منزل آل نهرو وقدم طلب الانتساب للحزب، وأصبح من التابعين المخلصين لكمالا التي أخذ نجمها يبزغ بسرعة، وهو الأمر الذي أتاح له مشاهدة إنديرا باستمرار. وتشتد الأيام سواداً، وكأنها تختبر عزيمة إنديرا. وكانت اللطمة الثانية بعد اعتقال أمها بشهر وفاة جدها موتيلال الذي كانت تحبه بدون حدود. وما لبثت السلطات الاستعمارية أن نقلت نهرو من سجنه القريب من مدينة الله آباد لسجن آخر يبعد مئات الأميال لتبعده عن عائلته. ويمر الوقت متثاقلاً أحياناً ومتسارعاً أحياناً أخرى، فيكسب إنديرا مزيداً من النضوج والحكمة. وعندما بلغت السادسة عشرة طلب فيروز يدها، فرفضت هي وأمها طلبه على الفور لأنها «ما زالت صغيرة». وقد مرت إنديرا في تلك المرحلة بفترة من العناء النفسي الذي قررت مواجهته بالعزلة. لكن والدها الذي لم يعش خارج بيته الثاني لأكثر من أيام قليلة في كل مرة يطلق سراحه فيها، رأى في عزلتها تخاذلاً لم يكن يحب أن يراه، وعبر عن عدم رضاه على سلوكها ذاك في رسائله لشقيقته. كما أنه استغل اللحظة المناسبة ليبلغها برأيه. وكان ذلك عندما كتبت إليه تقول ان مدير مدرستها الجديدة لم ينصحها بالسكن في القسم الداخلي في المدرسة لأنه يخشى ألا تستريح للطعام هناك. واقترحت أن يوافق على استئجارها غرفة قريبة من المدرسة على أن تجلب معها خادماً من بيت العائلة ليساعدها في الطبخ وغير ذلك. وسرعان ما جاءها الرد الحاسم: «لم يعجبني اقتراحك قط، وخاصة لأنك ستبقين بعيدة عن عموم الطلبة. اسكني حيث تحدد لك المدرسة وتقبلي الطعام الذي يأكله الجميع. أخشى إن انتقلت للسكنى وحدك أنك ستكونين موضع عناية أكثر مما ينبغي لأنك تنتمين لعائلة معروفة وهذا شيء لا يمكن أن أقبله». وكانت رسالة الأب حاسمة التأثير لأن إنديرا لم تطلب بعدها أية معاملة خاصة على الإطلاق. ولا ننسى أن نهرو كتب رسالته هذه بعد ان تلقى كشف علامات ابنته، فإذا بها ممتازة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، بينما بالكاد نالت علامات النجاح في المواد الأخرى. ويبدو ذلك في رسالة بعث بها لإدارة المدرسة يشير فيها لظروف ابنته ويشير أيضاً لحيرته بالنسبة لمستقبلها وماذا تحب أن تدرس. كما أنه يعتبر أن إعجابها بما يقوم به والداها لا يعتبر مؤهلاً يمكن لها أن تعتاش منه وتحقق الاستقلال الاقتصادي الذي كان يرجوه لها. وتظهر هذه الرسالة بوضوح أن نهرو لم يكن يفكر في تلك الأيام أن إنديرا قد تخلفه في قيادته للعمل الوطني أو الحزبي. ولو توسعنا قليلاً في بحث نوايا نهرو تجاه ابنته، لاسترعى انتباهنا رسالة كتبها لشاعر الهند العظيم طاغور، يقول فيها: إن لدي أفكار خاصة قد تبدو غريبة بالنسبة لتعليم البنات. إنني لا أحب التعليم الذي يعد الأنثى للعمل في غرفة الرسم في المصنع فقط... أود لو أن إنديرا تبدأ حياتها بالعمل سنة في المصنع كأي عامل آخر كجزء من تعليمها. لكني أرى استحالة تطبيق ذلك في الهند حالياً. واصل فيروز غاندي ملاحقة إنديرا مواجهة أو في الرسائل. وواصلت هي صده. وكان الشاب الذي يكبرها بخمسة أعوام قد أصبح من الوجوه المعروفة في العمليات النضالية ضد الإنجليز، واعتقل مرات عديدة. كما اكتسب لذلك السبب عداء عائلته. فالشاب ينتمي لطبقة البارسيين المعروفة بمتانة صلاتها مع البريطانيين. ولذا فإن اعتقاله كان بالنسبة لأقربائه وصمة عار! وقد استغلت أكثر من جهة الرابطة المتينة التي كانت تجمع بين فيروز وكمالا، واعتباره لنفسه واحداً من أتباعها المخلصين فأخذت بنشر شائعات مفادها أن هناك علاقة آثمة تجمع بين فيروز وكمالا. لكن تلك الشائعات كانت أبعد ما يكون عن الصحة لأسباب عدة ربما يكون أهمها اعتلال كمالا الدائم وتمسكها الشديد بالتعاليم البراهمية التي تجعل الخيانة الزوجية على رأس المعاصي. ولا شك أيضاً أن تلك الشائعات وصلت أذن إنديرا الني لم تعرها اهتماماً لأنها كانت أدرى الناس بأمها. كانت إنديرا قد بدأت تنتبه لفيروز كشاب وسيم مفعم بالحيوية. لكن إعجابها به لم يصل لمرحلة القبول به زوجاً. بل على العكس من ذلك فإنها وجدت نفسها للمرة الأولى في حياتها تنجذب نحو مساعد مدرس ألماني كان من بين تلامذة طاغور ومريديه. لكن هذه العلاقة لم يكتب لها أن تتطور، لأن تدهور أوضاع أمها الصحية دفعها لترك المدرسة ومرافقة أمها إلى ألمانيا ثم النمسا لاستشارة مزيد من الأطباء هناك. في رحاب فينا وهناك في رحاب فينا استغلت إنديرا ما أتيح لها من الوقت لصقل معلوماتها، فزارت المتاحف والمراكز الأثرية والثقافية. وهناك أيضاً أخذت تستعد لإجراء فحص القبول في كلية سومرفيل التي ستؤهلها للدراسة في جامعة أكسفورد. وكانت تخشى كثيراً ألا تنجح في فحص القبول. لكنها اجتازته بصعوبة وانتظمت في دروسها. كانت إنديرا تنتهز كل فرصة تتاح لها لتزور والدتها التي بقيت في المستشفى أمداً. وما لبث نهرو نفسه أن قدم من الهند جواً بعد إطلاق سراحه. لكن الأب وابنته لم يكونا يدريان أنهما سيفقدان كمالا خلال أسابيع. كانت كمالا تزداد ضعفاً وهزالاً. وقد صار واضحا للأطباء أن المرض استفحل لدرجة لم يعد من الممكن التفكير إلا بتخفيف آلام المريضة. وخلال أيامها الأخيرة أسرت كمالا لنهرو مخاوفها من أن تقبل إنديرا فيروز زوجاً لها. وقالت انها ترى أن الرجل ليس مستقر التفكير. ثم أضافت قائلة لابنة شقيقة زوجها التي جاءت تزورها: إنديرا لا تصغي لأحد غيري. كان بوسعي أن أبعدها تدريجياً عن فيروز، لكن نهايتي أصبحت أقرب من أن أحاول ذلك. والدها غير قادر على إسداء النصح لها. وإذا سمح لها بالزواج منه، فستكون قد ارتكبت الخطأ الأكبر جسامة في حياتها. وفي 28 فبراير 1936 ماتت كمالا، وكان زوجها وابنتها إلى جانبها عندما لفظت أنفاسها الأخيرة. كما كان إلى جانب الاثنين فيروز نفسه. وكان لوقوفه إلى جانب إنديرا في تلك المحنة أثر مباشر على قرارها.