تحولت الدبابات الاسرائيلية في الذكرى الاولى لعيد التحرير والانسحاب الاسرائيلي المخزي من الجنوب الى لعب اطفال يلهون بها وسط العاصمة بيروت كألعاب العيد النارية تماما، وانمحت من الذاكرة صورتها كرمز للغطرسة والعدوان خلال الاجتياح الصهيوني للبنان واحتلال بيروت عام 1982. الا ان عشرين عاما من المقاومة حولت تلك الدبابات الى نمور بلا انياب وجعلتها هدية العيد لاطفال لبنان المقاومة. ففي ساحة الشهداء في الوسط التجاري لبيروت استحدث الجيش اللبناني امس الاول معرضا عسكريا مؤقتا يستمر اربعة ايام وضع فيه اليات عسكرية كان قد خلفها الجيش الاسرائيلي وحلفاؤه في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي قبيل انسحابهم من الجنوب. وكانت اسرائيل انهت في مايو من العام الماضي 22 عاما من احتلالها لجنوب لبنان تحت ضغط مقاومة مسلحة قادها حزب الله بدعم من سوريا وايران. ضم المعرض ثلاث دبابات من طراز «تي 55» روسية الصنع كان قد استولى عليها الجيش الاسرائيلي في حروبه مع الدول العربية وثلاث ناقلات جند من طراز «ام 113» امريكية الصنع المعدلة في اسرائيل وثلاثة اليات نصف مجنزرة من طراز «زحلان» اسرائيلية الصنع. ويأتي هذا المعرض في اطار الاحتفالات الرسمية والشعبية التي تجري في لبنان بمناسبة مرور عام على الانسحاب الاسرائيلي من لبنان وقد حمل عنوان «معرض المقاومة والتحرير». وتحولت المعروضات الى مدينة ملاهي لمئات الاطفال يتزحلقون على مدافعها ويطلقون ابواقها او يقفزون من فوق ابراجها ببهجة وفرح فيما يرقبهم اهلوهم عن كثب وياخذون لهم الصور التذكارية كما لو انهم في نزهة. وقال الطفل حسن قاسم «ستة اعوام» لـ «رويترز» وهو يمتطي مدفع دبابة بفرح كبير «انا اعرف ان الدبابة تقتل الاطفال ولكني غير خائف منها». وعند سؤاله عما اذا كان يعرف لمن هذه الدبابة قال قاسم القادم من بلدة مروحين في جنوب لبنان «لليهود» مضيفا ان الحزب اخذها من الاسرائيليين «لنلعب نحن فيها». وطالب محمد عبد الله «سبع سنوات» الدولة بأن تبقي على هذه «الالعاب» في مكانها قائلا لرويترز «يا ليت يتركون هذه الالعاب هنا حتى نجيء بالعطلة نلعب عليها لانها حلوة وكبيرة وانا حبيتها.» وقال والد عبد الله الذي كان يصوره بآلة تصوير فيديو انه من بلدة الخيام التي تقع في عمق ما كان يعرف بالشريط الحدودي الذي كانت تحتله اسرائيل ويقع فيها المعتقل الذي حمل اسمها وكانت تديره ميليشيا جيش لبنان الجنوبي الحليفة لاسرائيل باشراف ضباط اسرائيليين. واضاف الوالد «كنا نعيش كابوسا مرعبا لان في قريتنا المعتقل الشهير الذي قاسى به آلاف اللبنانيين اصناف تعذيب مخيفة. كنا نسمع صراخ المعتقلين تحت التعذيب ونعض على المنا لننام على امل الحرية الذي كان يبدو بعيدا جدا». ورفعت داخل المعرض لوحة اعلانات ضخمة مثلثة الجوانب حمل الاول منها شعارا للجيش اللبناني «منا التحرير ولكم التعمير» فيما رفع في الجانب الثاني رسم لوردة حمراء خلف قضبان سجن تحت شعار «لا ننسى اسرانا» ولائحة باسماء 13 لبنانيا معتقلين في سجون اسرائيل احدهم منذ اكثر من 20 عاما ومعظمهم من دون محاكمة. اما الجانب الثالث فهو عبارة عن لوحة الكترونية متقلبة لعرض اسماء 1934 هم «شهداء المقاومة والوطن والجيش» سقطوا في مواجهات مع القوات الاسرائيلية خلال سنوات الاحتلال. ومن بين هذه الاسماء 59 جنديا للجيش اللبناني اثنان منهم برتبة نقيب و187 شيوعيا. وتصدح في المعرض مكبرات الصوت بأغان قومية ووطنية وابرزها اغنية عبد الحليم حافظ «يا سلام على لبنان» التي اضفت مناخا من الكبرياء والعزة لدى الجمهور الكبير الذي كان يتقاطر بلا انقطاع. كما رفعت شاشة كبيرة في احدى واجهات المعرض الذي زينته اعلام لبنان والجيش وصور الرئيس اللبناني اميل لحود. ومع ساعات المساء الاولى بدأت تعرض على الشاشة افلام وثائقية حول الهجمات الاسرائيلية على لبنان. وعرضت في هذه الافلام صورة لسيارة الاسعاف التي قصفتها الطائرات الاسرائيلية خلال ما اسمته الدولة العبرية عملية «عناقيد الغضب» في عام 1996 التي قالت انها تستهدف نزع سلاح المقاومة اللبنانية فتسببت بقتل اطفال ونساء كانوا يفرون بها بعيدا عن الجنوب. كما عرضت مشاهد لمجزرة قانا في العام نفسه عندما قصفت المدفعية الاسرائيلية قاعدة تابعة للامم المتحدة في بلدة قانا الجنوبية فقتلت اكثر من مئة شخص معظمهم من الاطفال والنساء. لكن صور الاشلاء والدماء لم تكن لتلهي الاطفال عن العابهم بالرغم من دموع بعض الاهالي التي انحدرت لا شعوريا على الماقي لكنها بقيت مغلفة بشعور من الاعتزاز بما يعتبرونه نصرا تاريخيا على اسرائيل. وقال جمال حيدر «43 عاما» القادم من مدينة بعلبك في شرقي لبنان وهو يمسح دموعه «لم تذهب دماء هؤلاء الابرياء هدرا لقد انبتت نصرا لم يشهد العالم العربي له مثيل في تاريخ صراعه مع اسرائيل.» رويترز