الملف السياسي: كفر شوبا ـ جنوب لبنان ـ من العام 1973: كان «زوربا اليمني» يرقص تحت اطلال منزل ابو خالد المتداعي وكان الشباب حوله يصفقون. المنزل قصفه الطيران الاسرائيلي قبل شهرين، فانهار أحد جدرانه ولكن السقف بقي ثابتاً، وتحت ذلك السقف كان رجال المقاومة يعقدون حلقات نقاشية، ثم يتناولون عشاءهم، وهو غالباً من الحبوب مع اللحم والارز و.. في ليلة الجمعة كانوا يتسامرون و.. يرقصون. يقول ابوخالد: ابو خالد مزارع لبناني من كفر شوبا، البلدة التي مازالت تتعرض للقصف الاسرائيلي منذ ثلاثة عقود وحتى اليوم. التحق ابنه خالد بالمقاومة الفلسطينية وتحول المنزل الى قاعدة. ابو خالد لم يكن يشارك في الحلقات النقاشية عن المقاومة، كان يختصر الموقف كله بعبارة واحدة: هذه حرب وجود وليست حرب حدود، إما نحن أو.. هم» وكان يطبق شفتيه بشدة، تحت شاربه الابيض الكثيف، بعد ان يطلق الكلمة الأخيرة، كانوا يسمونه «المختار» ولم يكن يعرف أهالي المنطقة كلها فحسب، بل كان يقرأ تفاصيل كل تلة وجبل ووادي في المنطقة، ويحفظ عن ظهر قلب مجاري الوديان التي يمكن التسلل عبرها إلى أراضي فلسطين للقيام بعمليات فدائية، كان يرافق الشباب في جولات ليلية عبر ممرات محمية بعيدة عن واقع مراقبة العدو، ويعودون مع الفجر لرسم الخرائط وتحديد الطرق، وعندما قصف الطيران الاسرائيلي منزله بصاروخ، احتفظ أبو خالد بغلاف الصاروخ، وكان يقول: بعد التحرير سأعيد ترميم المنزل وأحوله الى متحف حربي «وكان أبو خالد يقصد تحرير فلسطين وليس جنوب لبنان، بما فيه كفر شوبا، الذي تم احتلاله ثم اعادة تحريره. اليمني في اثر الاجداد شباب المقاومة، أو الفدائيون، لم يكونوا فلسطينيين كلهم، كان فيهم اللبناني والجزائري واليمني وتلك الفتاة الايطالية الساحرة «تتسيانا»، ولا أعرف من أين حصل «زوربا اليمني» على ذلك اللقب، قال انه جاء من عدن، وقد استدان ثمن تذكرة الطائرة، الى دمشق من عمه، ومع انه كان في قدمه عرج بسيط فقد زعم انه قطع منطقة الحدود السورية عبر البقاع وصولا الى الجنوب مشياً على الاقدام كي يتجنب المرور على نقاط تفتيش الجيش اللبناني، وكان ماهراً في اطلاق النار من الكلاشينكوف وكذلك في الرقص الفولكلوري اليمني، كان فرحاً دائماً، يضحك من أعماق قلبه، ويستطيع ان يرقص على مدى ساعات، متقافزاً في الهواء، أو مقرفصا على قدميه، من دون أن يشعر بالتعب، كان يقول: لا أعرف لماذا، ولكنني أعشق هذه الأرض، وعندما قلت له مرة إن اللبنانيين كانوا تاريخيا ينقسمون الى عصبيتين، عصبية قيسية وعصبية يمنية، ضحك حتى كاد يستلقي على قفاه، قال: إذن لم اقطع كل تلك المسافة من عدن الى هنا عبثاً، فأنا أرحل في إثر عصبيتي اليمنية. تتسيانا. تتسيانا أيتها العاشقة الايطالية «تتسيانا» كانت ذات جمال خارق، شعر أشقر طويل، وعينان زرقاوان صافيتان، وجسد ممشوق يعجز الجينز عن اخفاء مفاتنه. كانت تقيم في منطقة الحمر في بيروت ولكنها كانت تزور الجنوب أسبوعيا تقريباً، وتتحاور مع الكوادر السياسية والعسكرية بالانجليزية، جاءت من جنوب ايطاليا بعد ان جندّتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في صفوفها، كانت مقاتلة أممية، وعندما سألتها مرة: ماذا يعني لك تحرير فلسطين؟ أجابت: تحرير العرب واليهود معاً، واقامة دولة ديمقراطية. الصهيونية عنصرية، وهي أقرب الى النازية والفاشية، نحن في ايطاليا دفعنا ثمن الفاشية غاليا عشرات الألوف من العمال والفلاحين والمثقفين تمت تصفيتهم ببرودة، لأنهم رفضوا ديكتاتورية موسوليني، اليوم أرى في كل جنرال اسرائيلي موسوليني جديداً، إن تحرير فلسطين هو تحرير لليهود وايضا، لأن جنرالاتهم العسكريين والسياسيين يربطون وجودهم ووجود الدولة بالحرب، وسوف يكون اليهود وقودها، كما العرب. كانت تتسيانا مثقفة جادة، ولكن عندما ضبطتها مرة تقرأ رواية «دون كيشوت»، ربما لاحظت الابتسامة على وجهي، فقالت: اعرف فيما تفكر، إن في داخل كل منا دون كيشوت صغيراً، ولكن من قال ان اسرائيل ليست سوى طواحين هواء في نهاية المطاف. وكما عرفت فيما بعد فان تتسيانا هامت حباً بأحد الثوريين السوريين وكانت عاشقة عظيمة. سعيد حمامي: الحياة تصير ملحمة سعيد حمامي لم التق به في جنوب لبنان، ولكن عندما اجتمعنا في لندن في العام 1978 قال انه يعرف كفر شوبا جيداً، وانه تسلل الى الأرض المحتلة ما يزيد على «30» مرة في عمليات فدائية، قبل ان يعيّنه ابو عمار ممثلاً لمنظمة التحرير في لندن. سعيد حمامي تعرفت اليه عندما كنت اقيم في سوريا، كنا طلابا وانتسبنا، بعد انفصال سوريا عن مصر، الى حركة القوميين العرب معاً، قام بتنظيمنا بلال الحسن، وهو مقيم في لندن حالياً، ويكتب في الزميلة «الحياة» كان سعيد فقيراً، وعندما هام حباً بتلك الفتاة وأراد ان يتزوجها، لم يكن يملك قرشاً في جيبه. ولكنه قرأ اعلانا عن مباراة ملاكمة ضد بطل الجيش السوري، وفي شروطها ان من يفوز على البطل يحصل على (4) آلاف ليرة سورية جائزة، اما اذا هزم فإنه يحصل على ألفي ليرة سورية فقط. وصرخ سعيد حمامي «وجدتها.. وعلى الأقل فإن الالفي ليرة مضمونين». لم يكن سعيد يعرف الملاكمة ولكنه كان يتمتع بجسد متين وعضلات قوية، تدرب على الملاكمة اسبوعين فقط، وعندما خرج من المباراة كان مثخناً بالجراح، فقد اشبعه البطل لكماً حتى غطت وجهه الدماء، ولكن سعيد حصل على الألفي ليرة سورية واحتفلنا بزواجه. وفي لندن سقط سعيد مضرجاً بدمائه، بعد ان اردته طلقات من مسدس كاتم للصوت، وتبيّن فيما بعد ان جماعة ابو نضال كانت وراء عملية الاغتيال. شباب الانتفاضة في فلسطين يتساقطون اليوم شهداء، تعرفهم بالصور والأسماء، أمّا حياتهم فإنها تحمل تراث الملحمة، وفصولها مازالت مستمرة.