الملف السياسي: على مدى تاريخها الطويل، مثلث الصهيونية حاضنة للارهاب والعنصرية واستخدمت كل الوسائل الاجرامية لتنفيذ مخططاتها وتحقيق اهدافها. فمنذ تيودور هرتزل وتأسيس المؤتمر الصهيوني العالمي عام 1897 الذي اصبح هرتزل اول رئيس له، والصهيونية تعمل في السر وتناور علنا لتجميع شتات اليهود من مختلف الاصقاع في موطن يخصهم ويجعلونه «جيتو» جماعيا لهم بدلا من «الجيتوهات» المتعددة كما كانوا دوما لاكثر من الفي عام. وبعد ان وقع اختيار المؤتمر الصهيوني الاول على الارجنتين كموطن لليهود، من بين خيارات متعددة اخرى، جاء المؤتمر الرابع ليغير اختياره الى فلسطين، لاستغلال تاريخها الديني ومكانتها الروحية في الدعاية واستعطاف الدول الغربية التي كانت تسعى للتخلص من اليهود بأي ثمن، وفي الوقت نفسه ادراكا منهم للمصلحة المشتركة بين الصهيونية وحكومات الدول الاستعمارية في اخضاع الامة العربية واضعاف المسلمين. وبعد سلسلة طويلة من زعامات الارهاب الصهيوني، من بن جوريون الى باراك، مرورا بكل من دايان وجولدا مائير وبيجن ورابين وغيرهم.. جاء الدور الى ارييل شارون ليكمل مسيرة الحقد والعدوان وجرائم الحرب ضد كل ماهو انساني وحضاري، ضاربا عرض الحائط بكل القيم والشرعيات دون رادع او حسيب؟ بداية مبكرة لم يكن الارهاب ممارسة طارئة او قناعة فكرية متأخرة بالنسبة الى شارون، بل انخرط فيه مبكرا قبل ان يبلغ الحلم! ففي عام 1932، وهو لايزال في الرابعة عشرة من عمره، التحق شارون بعصابة «الهاجاناة» التي خرجت الكثير من المجرمين أمثاله، وكانت احدى الايدى الخفية للوكالة اليهودية لممارسة الاغتيالات ومختلف العمليات الارهابية الاخرى لترويع السكان الفلسطينيين وارغامهم على الهجرة من وطنهم تمهيدا لاحتلاله واقامة الدولة العبرية الاستيطانية فيه. وفي عام 1953 حين كان شارون لايزال ضابطا صغيرا في جيش الاحتلال، قام بتشكيل مجموعة ارهابية خاصة من عناصر جيشه باسم «القوة 101» ضم اليها مجموعات من السجناء المحكومين بفترات طويلة، وتخصصت في عمليات الاغتيال والمجازر التي كان من بينها مجزرة قبية التي قتل فيها نحو سبعين مدنيا من المواطنين الفلسطينيين وهدمت العشرات من منازلهم. وعندما تولى القطاع الجنوبي، بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 عرف بممارساته القمعية واسلوبه الوحشي ضد السكان المدنيين وعمليات النهب وتدمير المنازل بدم بارد وشهية مفتوحة للقتل والارهاب. وبلغ الارهاب الشاروني ذروته عندما تولى قيادة الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 حين كان وزيرا للحرب حيث قام بالتخطيط وتولى الاشراف على تنفيذ مذابح صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها اكثر من ثلاثة آلاف قتيل معظمهم من الاطفال والنساء وهذا ما اعترفت به لجنة تحقيق شكلتها الحكومة الاسرائيلية نفسها في علاقة شارون بهذه المذابح التي اثارت استهجان وتنديد العالم. ولايجد شارون في كل هذا السجل الاجرامي ما يثير الخجل او الندم، بل على العكس من ذلك فانه يفخر بهذا الماضي الاسود، حيث اختار لمذكراته عنوان «المحارب» وهي بالتأكيد المرة الوحيدة التي كان صادقاً فيها مع نفسه ومع الآخرين، فهو قد امتهن الكذب والدسائس بشهادة معلمه واستاذه الذي يقول عنه «لو ان شارون تخلى عن عيوبه مثل عدم قول الحقيقة والدس، لاصبح قائدا عسكريا مثاليا»! ويذهب شارون ابعد من ذلك متبجحا بانه حتى الحيوانات الاليفة تشمئز من منظره وترهب رؤيته حيث يعترف «ان النعاج التي املكها تنظر الي بخوف شديد ورعب كلما نظرت اليها»! وفي المقابلة نفسها التي اجرتها معه صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية، يؤكد الارهابي العتيد انه لم يتغير وان أفكاره لا تزال كما كانت. «لا يوجد شارون جديد. وانما كنت كما أنا الآن.. لم أتغير أيضا ايديولوجيا، وأفكاري كما هي»! ملف أسود لم تقتصر فضائح شارون وجرائمه على العرب وحدهم، بل شملت أيضا قادته ومجتمعه الصهيوني. فقد كشفت الصحف الاسرائيلية ذاتها في بداية عام 1999 ان الشرطة قامت بتحقيقات سرية في فضيحة بطلها ارييل شارون الذي كان حينها وزيرا للخارجية. وأعلنت الصحف ان التحقيق يجري حول رشاوى قدمها شارون لجنرال احتياط ليشهد لصالحه في قضية رفعتها ضد احدى الصحف الاسرائيلية. وقد أدلى الضابط الذي يدعى افيجدور بن جال بشهادة كاذبة لصالح شارون حول دوره في اجتياح لبنان عام 1982 أمام لجنة التحقيق التي شكلت لهذا الغرض. وقد بدأت القضية بشكوى قدمتها صحيفة «هآرتس» ضد بن جال الذي قاد الجيش الاسرائيلي خلال غزوه للبنان عندما كان شارون وزيرا للحرب. وفي عام 1997 اتهم بن جال علنا شارون بأنه خطط سرا لعملية أكبر بكثير من تلك التي حصل على موافقة حكومة بيجن عليها. غير ان بن جال تراجع عن هذه الاتهامات خلال نظر القضية التي رفعها شارون ضد «هآرتس» التي نشرت الفرضية ذاتها. وقبل اسبوعين من بدء المحاكمة شارك بن جال الذي كان يعمل في مؤسسة خاصة في زيارة قام بها شارون إلى روسيا حيث فاوض بصفته وزيرا في الحكومة الاسرائيلية لشراء الغاز الطبيعي الروسي. واشتبهت الشرطة في ان شارون حاول تفضيل الشركة التي يعمل فيها بن جال مقابل مساعدته لشارون في المحكمة. وكان شارون قد تمت اقالته قبل ذلك من فرع التعليم في الجيش لكذبه على قائده. وكل ذلك ليس غريبا على شخصية متأصلة في الاجرام والدسائس مثل شارون، حتى ان أقرب المقربين منه لا يثقون فيه ولا يستطيعون التنبؤ بنواياه العدوانية وانتهاكاته المزمنة لكل القوانين والأعراف، بما فيها تلك التي وضعها صهاينة آخرون مثله كان دائما أحد قياداتهم الفاعلة. هوية ارهابية ليست هناك صفة يمكن أن تحدد هوية شارون وتنطبق عليه بصدق وموضوعية أكثر من صفة «الارهابي». هذه الصفة، الممارسة التي بدأ بها شارون حياته ومازال يمارسها حتى الآن بصفته رئيسا لوزراء الكيان الصهيوني، وهو في الرابعة والسبعين من عمر الجريمة وسنوات الارهاب. ولد ارييل صموئيل موردخاي شرايبر (ارييل شارون) في قرية ميلان الفلسطينية التي أصبحت مستوطنة يهودية تحمل اسم «كفار ملال» لأب وأم عرفا بالتشدد والصلف حتى في عيون من كانوا حولهم من المتشددين اليهود، وهما من أصل بولندي فرا من بطش النازيين وقدما إلى فلسطين حيث عملا في مزارع الموشاف هناك أثناء الانتداب البريطاني. عمل شارون نفسه حارسا لاحدى المزارع عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، وبعدها بسنة واحدة التحق بعصابة «الهاجاناة» الارهابية الصهيونية التي استمر فيها حتى اعلان «دولة اسرائيل» عام 1948 حيث شارك في احدى فرق المشاة الصهيونية. كان دائم البحث عن غطاء يستر به شخصيته المختلة وعقده الكثيرة، فدرس التاريخ والاستشراق والزراعة والقانون في اسرائيل، ثم درس العلوم العسكرية في فرنسا وانجلترا. في عام 1953 ترأس وحدة العمليات الخاصة التي شكلها باسم «الوحدة 101» للقيام بعمليات ارهابية ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، والتي قامت خلال عام واحد بأكثر من 70 عملية ضد المدنيين العزل في هذه المخيمات، وارتكبت الكثير من المجازر ضد أهلها. وفي احدى المرات سمح لاحد جنوده باعتقال سبعة من البدو العرب وقتل ستة منهم بعد وقوعهم في الأسر، وترك السابع يعود ليروي لعائلته ما حدث، كنوع من الارهاب والتخويف. وفي عام 1966 ترأس شعبة التدريب في الجيش الصهيوني قبل أن يرقى إلى رتبة جنرال عام 1967 حيث تولى قيادة القطاع بعد الحرب العربية الاسرائيلية الثانية في ذلك العام. شكل حزبا سياسيا في أواخر عام 1966 تحت اسم «سلام صهيون» فاز بمقعد في الكنيست، قبل أن ينضم إلى حزب الليكود. دخل شارون نفسه الكنيست لأول مرة عام 1977، وبين عامي 75 و1977 عمل مستشارا لرئيس الوزراء آنذاك اسحق رابين، ومن عام 1977 وحتى عام 1981 تسلم منصب وزير الزراعة والاستيطان في حكومة بيجن وظل في هذا المنصب إلى أن تسلم وزارة الحرب عام 1982 في نفس الحكومة، اضافة إلى وزارة التجارة. من عام 1984 حتى عام 1990 عمل وزيرا للصناعة، ثم وزيرا للانشاء والاسكان حتى عام 1992، حيث قام بتوسيع المستوطنات القائمة وانشاء مستوطنات جديدة في أكبر عملية استيطانية منذ عام 1948. وتسلم مهام وزارة «البنى التحتية» من عام 1996 إلى 1998 في حكومة نتانياهو، ثم وزيرا للخارجية في الحكومة نفسها حتى عام 1999. وبعد هزيمة نتانياهو في انتخابات عام 99 تولى شارون زعامة حزب الليكود الذي اوصله الى رئاسة الوزراء في فبراير 2001 . وقبيل الانتخابات الاخيرة التي فاز فيها على سلفه جنرال الارهاب ايهود باراك، قام شارون بزيارته الاستفزازية للحرم القدسي الشريف، فكانت انتفاضة الاقصى التي اندلعت بعد يوم واحد من الزيارة في 29 سبتمبر 2000 ومازالت تقدم شهداءها الابرار دفاعا عن مقدساتنا وكرامتنا التي مازالت تواجه القمع والارهاب الصهيوني اليومي بقيادة المجرم السفاح شارون الذي اختار شعارا له على الدوام انه «لا يقتنع إلا بقوة القوة».