الملف السياسي: تسلم رئيس الوزراء ايهود باراك رئاسة الحكومة الإسرائيلية في ظل اقتصاد يعاني من ركود مزمن، استمر ثلاثة اعوام، هي مدة حكم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو، حيث وصل النمو إلى صفر في المئة. بينما ارتفع الاقتصاد وسجل معدلات نمو قياسية خلال حكم باراك، لكن انتفاضة الأقصى وجهت ضربة سياسية لانجازات باراك الاقتصادية، فيما يؤكد الخبراء ان الاقتصاد يحتاج إلى ثلاث سنوات على الاقل، ليعود إلى الوضع الذي كان عليه قبل الانتفاضة، وهذا في حال توقف الانتفاضة الآن. ولكن تعسف شارون، وحماقاته العسكرية نسفت كل ما حاول باراك ان يقدمه للاقتصاد الإسرائيلي. حقق الاقتصاد في عهد باراك نموا ايجابيا في الاشهر الاخيرة من عام 1999، وبلغ اوج ازدهاره في الربع الثالث من العام 2000، مسجلاً معدل نمو سنوي 9%، بفضل حدوث طفرة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة التي جذبت كماً قياسياً من الاستثمارات الأجنبية، فقد زادت صادرات المعدات والبرامج الالكترونية بنسبة 50% في عام 2000 لتبلغ 15 مليار دولار، وعززت إسرائيل موقعها بين الدول التي تتصدر الاقتصاد الجديد (اقتصاد وتكنولوجيا المعلومات)، وبلغ معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي عام 1999 نحو 2.2% وانخفض التضخم من 8.6% عام 1998 إلى 1.3% عام 1999. وخلال عام 2000 سجل الاقتصاد معدلات نمو عالية أيضاً خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة وكانت على النحو الآتي: 5.1%، 7.8%، 9.1% مما يعني ان معدل النمو خلال تلك الفترة بلغ 7.33% في المتوسط، ومما ذكرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية ان معدل النمو في الربع الرابع تراجع إلى 1.6% فقط بسبب الانتفاضة، فيما أكدت البيانات ان التضخم الذي تم تسجيله عام 2000 بلغ (0%) وهو أدنى مستوى تم تسجيله. كما ارتفع دخل الفرد بمعدل 4.3% بعد جمود عميق عام 1999. ويعد تدفق الاستثمارات الأجنبية احد انجازات باراك، حيث وصل مجموعها منذ يوليو 1999 وحتى اندلاع الانتفاضة نحو 12 مليار دولار وكان بنك إسرائيل قد أعلن في يناير 2001 ان الاستثمارات الاجنبية في إسرائيل بلغت مستوى قياسياً قدره 11.4 مليار دولار خلال عام 2000 مقابل تسعة مليارات تقريباً في العام السابق. بهذا نستطيع القول إن باراك قدم الكثير لاقتصاد إسرائيل ممهداً الطريق لشارون في اكمال ما قد بناه باراك، و لكن الواقع ينقل لنا صورة اخرى عن اقتصاد إسرائيل بعد تولي شارون الحكومة الإسرائيلية ومع استمرار الانتفاضة الفلسطينية، حيث تذهب معظم التحليلات إلى ان مستقبل الاقتصاد في عهد شارون سيكون غامضاً، ومن الصعب التنبؤ بمصيره خلال عام 2001 في ظل الظروف الراهنة وتعسف شارون. الركود الاقتصادي لقد اصاب الاقتصاد الإسرائيلي حالة ركود تجاري سادت في افرع الحواسيب والعمران، فتشير التقارير الإسرائيلية عن حالة الاقتصاد إلى ان هناك انخفاضاً قدره 6% بهذه القطاعات منذ اندلاع انتفاضة الأقصى والذي يعتبر أول انخفاض في مبيعات الحواسيب في السنوات الأخيرة. ويتضح من معطيات الأرباح التي نشرها المكتب المركزي للاحصاء الإسرائيلي، ان هناك جموداً بمجموع الأرباح من الفروع التجارية والخدمات التي ارتفعت بـ 1% فقط مقابل ارتفاع 8%، وهذا يدل على ان الركود الإسرائيلي اعمق هذه السنة من الربع الأول من العام الحالي استمر الانخفاض في الانتاج، في التشغيل، وفي بيع الصناعة للسوق الإسرائيلية. وطال الجمود الاستثمارات حيث بدأ هناك تراجع في الصادرات. ويلاحظ انخفاض مستمر في الانتاج الصناعي يصل إلى 41% من المصانع التي قلصت انتاجها. ولقد تركز اساس الارتفاع في فروع الغذاء، والكسارات ومنتجات البناء، بالمقابل استمر اقالة العمال في الصناعة إلى درجة أن 35% من المصانع قلصت عدد العمال 16%. ويتوقع صندوق النقد الدولي تراجعاً في الدخل القومي الإسرائيلي اسندت اسبابه إلى التوتر في المنطقة بصورة حادة منذ بداية العام 2001 وفي الربع الأخير من عام 2000. وقد تسببت انتفاضة الأقصى التي اندلعت في الأرض المحتلة رداً على المجازر الإسرائيلية وتدنيس المسجد الأقصى في خسارة اقتصادية ومادية كبيرة لإسرائيل تقدر بـ 62.5 مليون دولار. واستناداً إلى تقارير غرفة تجارة إسرائيل، ان إسرائيل تخسر يومياً منذ اندلاع المواجهات في قطاع غزة والضفة الغربية نحو 40 مليون شيكل نتيجة لاضراب العمال العرب، بالاضافة إلى اغلاق بعض الطرق والذي جعل العمال الإسرائيليين عاجزين عن الوصول لأماكن عملهم، فضلاً عن الاضرار المادية التي ألحقت بالشركات والمصانع الإسرائيلية، وتخريب 40 بنكاً إسرائيلياً، و1000 وسيلة نقل، ومئات من المحاصيل بالمزارع الإسرائيلية، فضلاً عن قيام بعض الافواج السياحية بإلغاء رحلاتهم إلى إسرائيل، مما سيؤثر على مستقبل صناعة السياحة. تراجع في القطاع السياحي أدت الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ ثمانية اشهر إلى تراجع ملحوظ في قطاع السياحة، حيث سجلت حركة المسافرين في مطار بن جوريون الاسرائيلي تراجعاً بـ 7.4% مقابل الفترة ذاتها عام 2000 حيث بلغ مجموع العابرين في المطار في الأسابيع الثلاثة الأولى من ابريل نحو 255 ألف مسافر في المطار الدولي الوحيد في اسرائيل مقابل 564 مسافراً في الفترة المماثلة عام 2000. ومن خلال فحص توزيع المسافيرن في المطار تبين أن بين 1 ـ 21 ابريل 2001 دخل اسرائيل عبر المطار حوالي 275 ألف مسافر مقابل 273 ألفاً في الفترة المماثلة عام 2000 أي ارتفاع بـ 0.95%، وبلغ عدد المسافرين المغادرين من مطار بن جوريون في الأسابيع الأولى من ابريل بحوالي 247 ألف مسافر، مقابل 291 ألفاً في الفترة المقابلة عام 2000 وهو انخفاض بـ 15.2%. وكان عدد المسافرين الذين دخلوا المطار في طريقهم إلى دول أخرى بين 1 ـ 21 ابريل عام 2001 (3.100) مقابل 7000 مسافر في الأسابيع الثلاثة الأولى من ابريل 2000 وهو انخفاض بـ 65.2% وعدد المسافرين العابرين يدخل عادة ضمن المسافرين الوافدين. ونظراً لاستمرار الانتفاضة وتراجع السياحة في اسرائيل تنوي الخطوط الجوية الإسرائيلية (العال) فصل 500 موظف في محاولة لتوفير 50 مليون دولار سنوياً بعد أن تضرر نشاطها بشدة من جراء الانتفاضة وانها ستقلص طائراتها بالتخلص من كل طائرات 474/200. وتخطط لخفض النفقات بسبب التراجع الحاد في النشاط السياحي. وتقدر خسائر الشركة العام الماضي بنحو 109 ملايين دولار. وقدم اتحاد أرباب الصناعة الإسرائيلية الذي يترأسه عوديد يترا لشارون خطة لإنقاذ الاقتصاد من التباطؤ في اجتماع عقد نهاية يناير 2001، وقد تضمنت الخطة ما يلي: ـ انخفاض التضخم بنسبة 1 ـ 3% العامين المقبلين. ـ خفض ضريبة الدخل للأفراد 37% خلال ثلاث سنوات. ـ تقليص النفقات الجارية 4 مليارات شيكل في السنوات الثلاث المقبلة. ـ زيادة الاستثمارات بمقدار مليار شيكل (أي نصف في المئة من الناتج المحلي) في كل سنة من السنوات الثلاث المقبلة. ـ زيادة ميزانية الأبحاث والتطوير 800 مليون شيكل (0.2% من الناتح المحلي) ورفع ميزانية التعليم التكنولوجي والمهني بالقدر نفسه. ـ تحديد أسعار الفائدة في إسرائيل بمستويات مماثلة للموجودة في دول مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا وفرنسا، باعتبارها الدول الأساسية التي تتبادل التجارة مع إسرائيل. توقعات لعام 2001 ألقت الانتفاضة بظلال قاتمة على التوقعات الاقتصادية لعام 2001، فمن المتوقع ان يتراجع النمو إلى 1.9% فقط متأثراً بالتباطؤ في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا. بينما بلغ نمو الصادرات 7.8% عام 2001 فقط مقابل 24.1% عام 2001، كما يتوقع ان تصل البطالة إلى 9.2%، وكما يقول رئيس اتحاد الصناعات عوديد تيرا ان ما بين 15 و20 ألف شخص سيفقدون وظائفهم. كا أعد الاقتصادي الإسرائيلي امير حايك تقديرات أولية حول الاتجاهات الأساسية للاقتصاد خلال المرحلة المقبلة أهمها: ـ استمرار عدم الاستقرار سيدفع اسعار الاسهم نحو الانخفاض. ـ إذا أقدمت الحكومة على توسيع الميزانية سيرتفع العجز والتضخم، وهناك احتمال أن يرتفع التضخم من 1.6 إلى 1.8%. ـ استمرار الهبوط الزاحف لسعر صرف الشيكل، ولكن ليس من المتوقع حدوث انخفاض حاد والانخفاض الزاحف هو نتيجة لعدم اليقين في الاستقرار وهروب الأموال الأجنبية. ما يمكن استخلاصه في ختام هذا التقرير الموجز عن الاقتصاد الإسرائيلي أن الانتفاضة وجهت ضربة قاصمة لانجازات باراك السياسية والاقتصادية، وان استقرارها ودعمها كفيل بإلحاق المزيد من الخسائر والأزمات بها، بعد أن أثبتت الأحداث ان عملية التسوية ساهمت وبشكل كبير في تعزيز قوة إسرائيل السياسية والاقتصادية والعسكرية. ومع استمرار شارون بالتنكيل على الشعب الفلسطيني الأعزل، وزيادة ميزانية الدفاع، واستخدام جميع أساليب العنف بجميع وسائل الدمار الشامل، ينحدر شارون باقتصاد إسرائيل إلى الهاوية.