الملف السياسي: لا يملك المراقب للمذبحة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أن يغالب الشعور بالأسى العميق، مرة بسبب الدماء الزكية التي تراق كل يوم.. ومرات بسبب التقصير.. وإذا شئنا الدقة فلنقل التخاذل الرسمي العربي والإسلامي في مواجهة المجازر الوحشية التي يرتكبها المجرمون الصهاينة ضد شعب شقيق يدافع ببسالة عن المسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية والمسيحية في أرض الرسالات. ولا يقل الأسى إزاء الفتور الذي يتسم به رد الفعل الجماهيري العربي والإسلامي تجاه (المحرقة الفلسطينية)، رغم المشاهد المروعة للقتل والتدمير وتمزيق الرصاص الإسرائيلي لأجساد الشهداء من شبان وفتيان وأطفال لم يكن أولهم محمد الدرة ولن تكون آخرهم إيمان حجو. ولاشك أن المشاهد المروعة للمجزرة اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون تثير الحزن والغضب لدى جماهير الشعوب العربية والإسلامية فهى ليست في نهاية الأمر مشاهد لمجزرة تحدث على كوكب آخر!! وإنما في بلد عربي وعلى أرض مقدسة، وضد شعب عربي لا يفرق المعتدون بين أغلبيته المسلمة وأقليته المسيحية.. بل يحصد رصاصهم الجميع على السواء. لكن الحزن والغضب مهما تكن مرارتهما لا ينفيان حقيقة نلمسها جميعنا.. هي أن رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي على المجزرة الوحشية ضد الفلسطينيين يتسم بفتور واضح، يمكن القول إنه أقرب إلى نوع من التعاطف أو التضامن السلبي منه إلى التضامن الإيجابي أو الدعم النشيط، الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني في ظروفة الحالية بالغة الصعوبة، والذي تقتضيه ضرورات مواجهة العدوان الهمجي الإسرائيلي. والمفارقة اللافتة للنظر أن التضامن والدعم الشعبي (الرسمي) العربي خصوصا مع إنتفاضة الأقصى في بدايتها كانا أقوى بكثير منهما الآن، بينما يتسع نطاق العدوان الصهيوني وتتزايد وحشية وهمجيته!! واللافت للنظر أيضا هو ما يمكن أن نطلق عليه (قصر نفس) هذا الدعم الشعبي. فبعد أن أثار تدنيس شارون للمسجد الأقصى غضب الفلسطينيين، وتفجرت الإنتفاضة العارمة، شهدت أغلب البلدان العربية والإسلامية موجة واسعة من المظاهرات الجماهيرية الغاضبة وتشكلت لجان دعم الإنتفاضة في أماكن كثيرة. ونشطت الحركة لجمع التبرعات والأدوية وموا د الاغاثة، ولكن ذلك كله لم يلبث أن بدأ يتباطأ ويهدأ خلال أسابيع أو شهور قليلة.. ويبدو الفارق واضحا بين مدى اتساع واستطالة (وطول نفس) الدعم الشعبي العربي والإسلامي لإنتفاضة الأقصى، وما لاقته الانتفاضة الفلسطينية الأولى من دعم نشيط ممتد. ولا يمكن الفصل بين ذلك كله وبين المواقف الرسمية العربية خصوصا (والإسلامية) والمناخ السياسي في المنطقة العربية عموما تجاه عملية التسوية وطرفها الصهيوني، و(راعيها) الأمريكي من جهة، ولا بين هذه العناصر كلها وأوضاع الحركة الجماهيرية في البلدان العربية خصوصا، ومدى استقلا ل هذه الحركة وتمتعها بالحريات الديمقراطية. أوهام التسوية تفجرت إنتفاضة الأقصى في مناخ عربي مفعم بأوهام (التسوية السلمية) وقرب التوصل إلى حل نهائي على المسار الفلسطيني، وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وكانت الإنتفاضة الفلسطينية الأولى وحرب الخليج الثانية قد أسفرت عن عقد مؤتمر مدريد(1992) الذي أفضى بدوره وإن يكن في مسار مستقل إلى عملية أوسلو، وعقد اتفاق (غزة أريحا أولا) وبغض النظر عن تقيبمنا لعملية أوسلو، فالمؤكد أن هذه العملية وما رافقها وتلاها من مفاوضات وإتفاقات ومراحل إنتقالية وغير إنتقالية.. الخ، قد ساهمت في ترويج أوهام كثيرة حول طبيعة الدولة الصهيونية، ونواياها (السلمية).. بل وضرورة الحوار مع (قوى السلام) المزعومة فيها... الخ، وضرورة اعتماد العرب (لثقافة السلام) بدلا من (ثقافة الحرب) أو (المواجهة) أو (العنف)... إلخ. وفي ظل هذه الأجواء نجحت إسرائيل في تحقيق اختراقات هامة بإقامة علاقات رسمية مع عدد من الدول العربية أغلبها بعيد بآلاف الكيلومترات عن الدولة الصهيونية ولا صلة من قريب أو بعيد بالتسوية بمعناها المباشر!! كما عقدت أربع دورات للقمة الاقتصادية الشرق أوسطية بمشاركة إسرائيل وتحت إشراف أمريكي، حيث جرت لقاءات واتفاقات عربية إسرائيلية كثيرة، تحت زعم أن المنطقة تنتقل من أجواء المواجهة إلى أجواء التعاون!! وأنه مادام أصحاب القضية الاصليون قد دخلوا في (عملية سلمية) مع إسرائيل، فلم يعد هنا داع لاستمرار العداء العربي للدولة الصهيونية! وأصبح التأكيد على (السلام كخيار عربي استراتيجي) لازمة ممجوجة ليس فقط في كل لقاء عربي إسرائيلي، أو عربي أمريكي، بل وأيضا في كل لقاء عربي عربي تقريبا.. وبغض النظر عن موقف إسرائيل الواضح في معاداته للسلام. وأدى هذا المناخ السائد منذ مؤتمر مدريد، وبصوت أخص منذ عملية أوسلو إلى خلق حالة من (التحذير) العربي العام بأوهام السلام، لم يكن يمكن لها إلا أن تسمح بتمرير أشكال مختلفة من القبول بالعدو الصهيوني و(تطبيع) العلاقات معه من جانب شرائح من المثقفين والاعلاميين والسياسيين والاقتصاديين في عديد من البلدان العربية. وزاد من خطورة وإنتشار حالة (التحذير) المشار إليها ذلك الماراثون التفاوضي المشبوه من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي أشرفت عليها وشاركت فيها إدارة كلينتون بصورة مكثفة خلال الأسابيع السابقة على تفجر إنتفاضة الأقصى و الأدهى من ذلك.. الأسابيع التالية لاندلاع الإنتفاضة.. ورغم شلال الدم الفلسطيني الذي كان يتدفق على يد العدو!! ولابد من الاعتراف بأن حالة (التحذير) هذه كان لها تأثير سلبي على الرأي العام العربي والإسلامي جعله أقرب إلى (الاسترخاء) في تأييده التاريخي المعر وف للشعب الفلسطيني ونضاله، رغم استمرار العداء الشعبي العربي والإسلامي للدولة الصهيونية. وزاد من هذه (الاسترخاء) إصرار القيادة الفلسطينية على المضي قدما في المفاوضات و(العملية السلمية) رغم نكوص الجانب الإسرائيلي المتكرر عن اتفاقاته وتعهداته.. وما شاع على أوسع نطاق حول الفساد في أجهزة السلطة الفلسطينية، وانتهاكها لحقوق الإنسان، وقمعها للفصائل الفلسطينية المعارضة، وخاصة (حماس) و(الجهاد). وقد كان من شأن ذلك أن يجعل بريق المثال النضالي الفلسطيني يخبو بصورة أو بأخرى، وأن يؤدي في تفاعله مع أجواء التسوية وأوهامها إلى حالة (الاسترخاء) التي تحدثنا عنها في التأييد الشعبي العربي والإسلامي التاريخي المعروف للنضال الفلسطيني ولاشك أن مثل هذا التطور السلبي كان مواتيا من زوايا عديدة لأنظمة عربية مختلفة سواء منها تلك التي ولجت، أو تلك التي تستعد لولوج طريق التسوية.. دائما تحت ضغوط أمريكية عنيفة (للتطبيع) مع إسرائيل والتعايش أو التعاون معها. صدمة الإنتفاضة وقد كان اندلاع انتفاضة الأقصى بمثابة (صدمة إيجابية) للشعوب العربية والإسلامية أزاحت عن أعينها إلى حد كبير غشاوات الأوهام التي راجت في فترة انتعاش التسو ية ومفاهيمها الزائفة.. وأيقظت هذه الشعوب إلى حد كبير من حالة (التحذير) التي سبق لنا الحديث عنها. كما مثلت الانتفاضة وما رافقها من قمع إسرائيلي وحشي للشعب الفلسطيني صدمة وإحراجا كبيرا للأنظمة العربية المرتبطة بعملية التسوية، والتي كانت تأمل ألا يضعها (الشريك) الإسرائيلي في تلك الزاوية الصعبة التي وجدت نفسها محشورة فيها بسبب تدنيس شارون للأقصى الشريف، ثم القمع الصهيوني الوحشي للانتفاضة. ولم يكن هناك مفر من الدعوة للقمة العربية (في القاهرة) التي اتخذت قرارات قد تختلف الآراء بشأن فاعليتها، لكن أسوأ ما فيها أن أهمها لم يتم تنفيذه.. وتم اتخاذه منذ البداية على نحو يبدو معه وكأنه لا مجزرة هناك ولا حصارا قاتلا للشعب الفلسطيني نعني بذلك القرار الذي اتخذته القمة بدعم الفلسطينيين بمليار دولار.. يناط أمر إتفاقها بلجنة ينعقد أول اجتماع لها بعد شهرين كاملين!! و يحاط توصيلها وإنفاقها (بضوابط) ومماحكات تترك الشعب الفلسطيني الجائع المحاصر فريسة للعدوان والتجويع الصهيونيين.. وتجعل الموت أقرب إليه من وصول المليار دولار العتيدة! وحينما اجتمعت القمة التالية (الدورية الأولى) في عمان بعد نحو خمسة أشهر من القمة الأولى، لم يكن قد تم جمع ولو نصف المليار المقرر!! ولم يكن قد وصل إلى الفلسطينيين إلا أقل القليل مما تم جمعه.. ولا يتسع المجال هنا لتقييم ردود الفعل العربية الرسمية بالتفصيل. والثابت أن ردود أفعال الدول الإسلامية تتوقف إلى أبعد حد على الموقف العربي فيما يتعلق بفلسطين (اللهم إلا إيران لحسابات وملابسات تخصها). ما يعنينا هنا هو إنعكاس المواقف الرسمية العربية على ردود الأفعال الشعبية فبعد إندلاع الإنتفاضة، وتفجر الغضب الشعبي العربي على تدنيس الأقصى الشريف وقمع الشعب الفلسطيني، أرخت أغلب الأنظمة العربية العنان لهذا الغضب الشعبي.. ولم يكن الأمر.. ليختلف عن ذلك على أية حال.. فهي أنظمة عربية في نهاية المطاف، والمسجد الأقصى خط أحمر بالنسبة لها، والتصرفات الإسرائيلية وضعتها في مأزق حرج. وهكذا سمحت الأنظمة العربية بقدر لا بأس به من حرية الحركة للجماهير الغاضبة بل أعطى بعضها الضوء الأخضر لهذه الحركة فرأينا تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات يخرجون عن بكرة أبيهم مرددين الهتافات ضد إسرائيل، وحتى أمريكا في بعض الأحيان ورأينا الاعلام الرسمي يغطي هذه التحركات بصورة مكثفة. هناك حدود!! ولكن حينما بدأت الحركة الجماهيرية تهدد بالخروج عن نطاق السيطرة. وبدأ الشارع يستعيد وعيه المفقود ويضيق من حالة (التحذير)..وبدأت المظاهرات توجه غضبها للمصالح الأمريكية أو الغربية.. وتتعالى الدعوات لمقاطعة البضائع الأمريكية.. حينما بدأت الحركة الجماهيرية تتخذ هذا المسار ضاقت بها الديمقراطيات العربية!! فبدأ التضييق على المظاهرات، والقبض على نشطائها، وخاصة من الطلاب، وإرهابهم وضربهم. وبدأ التعتيم الإعلامي على الفعاليات الجماهيرية. نعم (فالديمقراطية العربية) لا تتسع لتحركات تخرج عن الحدود المرسومة. وانطلقت الأقلام والاصوات تتحدث عن ضرورة الإنضباط، وتحذر من تخويف الاستثمارات الأجنبية ودفعها إلى الهروب! وتهاجم الدعوات إلى مقاطعة السلع الأمريكية.. وكأنما كان أحد يدعو إلى مقاطعة أجهزة الكومبيوتر وآلات المصانع وليس سلع تافهة لها بدائل عديدة مثل البيبسي كولا ومحلات (كنتاكي) و(مكدونالدز) وما شابهها من سلع تمثل رموزا أمريكية مطلوب توصيل رسالة غضب شعبي عربي إلى واشنطن من خلال مقاطعتها. وكان طبيعيا أن يكون لذلك كله تأثيره السلبي على الحركة الجماهيرية العربية الداعمة للإنتفاضة الباسلة، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أن هذه الحركة ليس لديها أطرها التنظيمية المستقلة والراسخة.. فالأحزاب والتنظيمات السياسية والجماهيرية العربية ـ حيث توجد ـ تعاني من ضعف شديد بسبب القيود المتنوعة،وبسبب تاريخ طويل من مصادرة الحريات السياسية وإذا أضفنا إلى ذلك كله ما سبق لنا الحديث عنه من (أوهام السلام) و(ثقافته) والاختراقات (الإسرائيلية في مجال التطبيع) وما أصاب النظام العربي من تفسخ انعكس على الأفكار القومية والعروبية بالوهن.. يصبح مفهوما ورغم كونه محزنا إلى أبعد حد ذلك الفتور الشعبي العربي تجاه إنتفاضة الأقصى الباسلة، ولأن العالم العربي هو قلب العالم الإسلامي، يصبح مفهوما كذلك فتور الشارع في تلك البلاد الإسلامية الأبعد منا عن الصراع المصيري ضد الصهيونية، وحماقتها. ـ كاتب مصري