الملف السياسي: تتصاعد باضطراد حملة القمع والبطش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، ويسقط كل يوم عشرات القتلى والجرحى الفلسطينيين الأبرياء، وتستمر اسرائيل في سياستها تلك دون أن تعبأ بأي اعتبارات انسانية أو قانونية. لقد بلغ العنف الاسرائيلي المستمر ضد الفلسطينيين مبلغا لا يمكن الصمت ازاءه، خاصة مع استخدامه لجميع أنواع الأسلحة ضد المتظاهرين الفلسطينيين، بما في ذلك طائرات إف16 والاباتشي والهليوكبتر في قصف المدن والقرى الفلسطينية، وكذلك المدافع الثقيلة والأسلحة الرشاشة في ضرب المدنيين الفلسطينيين، الذين يسعون للدفاع عن أرضهم ووطنهم واستعادة حقوقهم. هذه حرب حقيقية وشاملة، تشنها اسرائيل بكل جبروتها العسكري المنفلت، ضد الشعب الفلسطيني الأعزل المحروم من أي حماية. هذه حرب ابادة كاملة يستخدم فيها الاحتلال الاسرائيلي الشرس، كل الأسلحة القذرة، والمحرمة دوليا، ويدك خلالها البيوت والأحياء والتجمعات السكانية على رؤوس أهلها، مستخدما الدبابات والطائرات والصواريخ والمدافع، اضافة الى الاغتيالات والخطف والتصفيات الجسدية. كما يواصل السفاح شارون نشاطه الهادف الى شن حرب ابادة على الشعب الفلسطيني وتفجير المنطقة بالكامل، حيث أعطى توجيهات باستئناف عمليات الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية، كما أصدر تعليمات غير مسبوقة منذ احتلال اسرائيل للقدس الشرقية في عدوان يونيو 1967، بالسماح لليهود بدخول ساحة المسجد الاقصى، وهو الامر الذي يتوقع ان تترتب عليه مواجهات دموية واسعة النطاق، بعد أن يتصدى ابناء الشعب الفلسطيني للدفاع عن المقدسات في مواجهة غزو يهودي تحت حراسة جيش الاحتلال. ولابد هنا من القول انه رغم كل مايفعله شارون، وكل مايمارسه في ظل غطرسة القوة، فإن اللوم لا يمكن أن يقع عليه وحده.. بل يقع في المقام الأول على الجانب الذي وفر له هذه القوة وأمده بمقوماتها، ثم تركه يعربد بها في المنطقة كيفما شاء. انها الادارة الأمريكية المستسلمة بشكل غير مفهوم لكل اهواء اسرائيل وانحراف حكومتها. ولا يمكن أن تنطلي على أحد تلك المغالطات الأمريكية التي تقول برغبة واشنطن في الوقوف موقف المتفرج من مقعد خلفي والامتناع عن الانخراط السياسي في تطورات الشرق الأوسط، ملتزمة بموقف يتسم باللامبالاة بعملية السلام حتى تنتهى من بلورة موقفها، وانها ستكتفى بتسهيل وتأييد مايتوصل اليه الطرفان الاسرائيلي والفلسطينى من اتفاقات عبر مفاوضات مباشرة. فالولايات المتحدة (منخرطة) فعلا وتماما في كل مايحدث من تطورات وذلك عبرت بنيها للمواقف الاسرائيلية أو في تجاهلها لكل الانتهاكات الاسرائيلية أو في استخدامها سلطة الفيتو في مجلس الأمن لمنعه من التصرف. كما لا ننسى في هذا المقام انسياق نواب الكونجرس الأمريكي وراء الشطط العنصري الصهيوني، حيث وقع مؤخرا مايقرب من ثلاثمئة عضو في مجلس النواب والشيوخ وثيقة تطالب بوقف التعامل الأمريكي مع السلطة الفلسطينية، وعدم دعوة عرفات أو أى مسئول فلسطيني الى واشنطن، بل الى اعادة تقويم الاتصالات والعلاقات الأمريكية الفلسطينية، حتى (يوقف عرفات العنف). ان مواصلة الادارة الأمريكية الدفاع الأعمى عن اسرائيل واستمرار اتهامها الظالم للفلسطينيين بالعنف من جانب واحد، وبقائها على رفضها القاطع للمطالبة بحماية دولية للشعب الفلسطيني واعتراضها على اثارة الموضوع مرة أخرى في مجلس الأمن وتهديدها باستخدام الفيتو لإحباط أى محاولة لتوفير هذه الحماية، انما يعني كل ذلك متابعة واشنطن لاخطائها الفادحة ضد عملية السلام، وخاصة في أسلوب تعاملها مع المعوقات التي تصنعها حكومة اسرائيل أمام مسيرتها. إن اصرار واشنطن على استخدام (الفيتو) ضد مشيئة المجتمع الدولي، لكل مايصدره مجلس الأمن من قرارات فيها أي ادانة لأعمال اسرائيل، هو اجراء لا يتفق مع مسئولية الدولة العظمى.. الراعية الأولى للسلام في الشرق الأوسط، كما انه موقف ينال من مكانتها الدولية. إن تجنب واشنطن الانجراف السياسي في تطورات الشرق الأوسط، انما يعني التستر على ماتقوم به اسرائيل في عهد رئيس الوزراء ارييل شارون، كما أن اهتمامها الأوحد بالنواحي الأمنية انما هو لمساعدة اسرائيل في اخفاء موضوع الاحتلال وابعاده عن الواجهة لأن الجريمة الاساسية في فلسطين هي الاحتلال. إن اسرائيل تخرق القوانين، وتنتهك الالتزامات في سياستها الاستيطانية، وفي فرض الحصار، وفي اجراءات العقاب الجماعي الاقتصادية، وحجب أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية وفي استخدامها المكثف للذخيرة الحية. ومن واجب الولايات المتحدة الاخلاقي عدم التستر على هذه الانتهاكات تحت غطاء (وقف العنف) الفلسطيني أولا، فهذا العنف لا يأتي من فراغ كما تتصور الادارة الأمريكية، والاجراءات الأمنية وحدها لن توقفه كما تتوهم هذه الادارة، لأن مايجري على أرض الواقع اليوم هو حرب اسرائيلية تشنها ضد الفلسطينيين في اطار اختلال فادح لموازين القوى لصالح العدوان الصهيوني الآثم. إن هذه المفاهيم الأمريكية التي يتم تبنيها لتغطية مغالطات السياسة الأمريكية تجاه السلام، لا يمكن ان تتفق مع مسئوليات الراعي الأول للسلام، ولا الوسيط النزيه الذي يوفق الأوضاع بين أطراف الصراع، ولا يتجاوز ابدا لجانب على حساب جانب آخر. إن مثل هذه التصرفات انما تعطل عملية السلام ولا تخدمها، وهي لا تمثل مفهوم الرعاية أو تعكس روح الوساطة النزيهة، مالم يكن المفهوم الأمريكي للسلام هو الاستسلام العربي لكل ماتطلبه اسرائيل، والخضوع الكامل لادعاءاتها الكاذبة وأطماعها التي لا تتوقف عند حد. فهكذا تتحول السياسة الأمريكية والفيتو الأمريكي الى اداة لفرض اليأس والإستسلام على العرب، والى مظهر صارخ للتعسف السياسي، والذي لا يقدم أي بديل متوازن يتفق مع الادارة السياسية الحكيمة والسليمة للقضايا الحيوية المطروحة. كما أنه يعكس استهانة بالغة بمصالح الشعوب العربية، يدفعها الى اليأس وبالتالي الالتجاء الى العنف للتعبير عن حالة السخط والأحباط. إن توجه الدبلوماسية الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط، انما يعكس عقلية الحرب البادرة المتأثرة بطروحات عنصرية يفرضها الفكر الصهيوني المتطرف، والذي يتعارض جذريا مع فكرة السلام الحقيقي بين الدول، السلام الذي لا يقوم على عناصر القهر والردع والإستسلام، انما يقوم على مبادئ العدل والمساواة والقبول بالآخر. إن تعطيل فاعلية الشرعية الدولية في توفير الحماية للفلسطينيين العزل انما يعرض سفينة السلام لأعاصير عاتية ويتركها في خضم أحداث بلا بوصلة توجهها الوجهة الصحيحة، ولا خريطة لمرجعية سياسية، تعتمد عليها. الأمر الذي يجعلنا نتساءل بقلق بالغ عن المصير المنتظر لمثل هذه السفينة التي سيكون مآلها هو الغرق بلا أدنى شك، فهل هذا هو الهدف الذى تسعى اليه الادارة الأمريكية، وهل هذا هو نوعية السلام الدائم المنشود الذي يحمي المصالح، ويصون الأمن ويشيع الاستقرار؟ إن الموقف حاليا لا يحتمل أي تأخير، فالقضية باتت تتعلق بتوفير الحماية الدولية لشعب أعزل من بطش احتلال مدجج بأحدث منتجات تكنولوجيا السلاح، وبات مطلوبا من الدول العربية العمل المكثف من أجل وضع المجتمع الدولي والقوى الكبرى أمام مسئوليتها في حفظ الأمن والاستقرار الدوليين اللذين يتعرضان للعصف من قبل حكومة احتلال تواصل قمع شعب خاصة إحتلال، والقانون الدولي يعطيه الحق في مقاومة هذا الاحتلال بكل ما أوتي من قوة. لابد من العمل الجماعي الجاد لوقف التدهور في الاراضي الفلسطينية وحماية ابناء الشعب الفلسطيني من سياسات حكومة شارون، والجهود المطلوبة تقتضي عملا مشتركا من جانب جميع القوى المؤيدة للسلام والاستقرار الاقليمي، كما لا يمكن توقع نجاحها دون دور أمريكي فاعل ونشيط. إن السبيل الوحيد هو أن تمارس الولايات المتحدة دورها الذي يتفق مع مسئولياتها ومع وزنها وقدرها، حتى يمكن العودة الى الحديث عن الشريك الذي ينبغي أن يتصف بالنزاهة، وعن الوسيط الذي يمارس نشاطه الايجابي الملتزم بشروط الحياد. إن منطقة الشرق الأوسط تواجه الآن مرحلة حاسمة، أنها مرحلة في أمس الحاجة للمواقف الجادة والقرارات الشجاعة القادرة على مواجهة التحدي، ووضع حد لهذا الجموح الإسرائيلي المتصاعد، وتحييد عناصر الهدم التي تهدد مسيرة السلام بالانهيار وتشل حركتها وقدرتها على الاستمرار. أن الوضع برمته ومصير الصراع العربي الاسرائيلي أمام مفترق طرق حاد، فإما أن يستكمل هدفه نحو التسوية المرجوة، واما أن يعود الى نقطة الصفر، التي تفقد فيها القوى الاقليمية الدولية قدرتها على التحكم في طوفان الأحداث ومايمكن أن ينجم عن ذلك من كوارث. إن الأمر لا يحتمل ترف التردد وادعاء عدم الرغبة في التورط، بل يحتاج الى اصرار قوى على الانطلاق الجاد للجم الأمور والمواجهة الحاسمة. إن المرحلة الحالية التي انتهت اليها التطورات المأساوية في الاراضي الفلسطينية، تضع السياسة الأمريكية على المحك، وتحدد مدى قدرة ورغبة واشنطن في اتخاذ مواقف مسئولة وممارسة نفوذها لوقف التدهور الشديد الذي يتعرض له السلام في الشرق الأوسط. إن مايجري في الاراضي الفلسطينية المحتلة من أعمال قتل وتخريب وتدمير على يد قوات الاحتلال الاسرائيلية وعصابات المستوطنات يشكل جريمة حرب متكاملة الجوانب لابد من طرحها بشكل قوى والعمل على التحرك السريع من أجل توفير الحماية الدولية لابناء الشعب الفلسطيني، ولمنع حكومة شارون من تفجير المنطقة بالكامل ودفعها باتجاه المجهول. إن المجتمع الدولي الذي تمثله الأمم المتحدة مطالب بتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين من البطش الاسرائيلي، وهذا حق تكفله الشرائع القانونية وتنظمه الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المدنيين تحت الاحتلال. لقد آن الآوان لمواجهة التحدي ووضع حد للعبث الاسرائيلي الذي دفع بالأوضاع في الاراضي الفلسطينية الى الحضيض. إن أطماعا صهيونية متهورة وجامحة تضر بكل المصالح الكبرى، وتزرع الألغام على طريق السلام، وتبعثر القنابل الموقوتة في منطقة غاية في الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية، وتحول قضية حيوية تتعلق بمصير شعوب هذه المنطقة ومستقبلها، الى ملهاة سوف يسبب استمرارها وقوع كارثة كبرى. ـ كاتب مصري