الملف السياسي: دخلت منطقة الشرق الأوسط ومنذ مجئ شارون الى الحكم في اسرائيل أجواء الحرب فالرجل لم يتورع عن استخدام كل الوسائل الدنيئة من أجل تحقيق أغراضه وأهدافه، وجه طائراته ودباباته، ومدافعه لدك عظام الأطفال الفلسطينيين ومعلنا على الملأ منذ أن تولى رئاسة الحكومة أنه أعطى مهلة مئة يوم للانتهاء من ذلك ولم يقتصر الأمر على ذلك بل توسعت القوات الاسرائيلية في عملياتها فقامت بضرب قاعدة رادار سورية في الأراضي اللبنانية.. وما زالت طائراتها تنتهك المجال الجوي اللبناني بصورة مستمرة رغم انسحابها ذليلة من الجنوب.. وأطلق معاونوه تهديدا بضرب السد العالي.. (الملف) التقى لواء د. محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ليجيب عن السؤال الصعب هل المنطقة مقبلة بالفعل على حرب شاملة في ضوء الاستفزازات الاسرائيلية الحالية؟ د. قدري أكد أن هذا الأمر وارد وعلينا أن نستعد له جيدا بالتنسيق العربي العسكري المستمر وعقد الاجتماعات وليكن من خلال جامعة الدول العربية وعلى مستوى رؤساء وأركان الجيوش العربية. وقال ان القدرات العسكرية العربية لا يستهان بها وأن مواجهة عربية اسرائيلية في المستقبل لن تكون خسائرها عربية فقط ولكن سوف تكلف اسرائيل هي الأخرى خسائر موجعة وأضاف أن العرب لديهم الكثير من أوراق الضغط التي يمكن من خلالها أن يحققوا أهدافهم دون الدخول في مواجهة عسكرية، وفيما يلي نص الحوار: ـ في رأيكم هل نفهم ما يحدث حاليا من ممارسات اسرائيلية همجية ضد الفلسطينيين أن شارون يريد جر المنطقة لحرب شاملة؟ ـ حرب شاملة في المنطقة خلال الفترة المقبلة أمر يمكن حدوثه ووارد ولكن هذا ليس هو الهدف الذي يخطط له شارون ولكنه قد يحدث في اطار التداعيات والتوترات الموجودة حاليا ولاشك أن شارون قد أعد عدته للتعامل مع ذلك، فمثلا لو ردت سوريا على الاعتداء الاسرائيلي على قاعدتها في لبنان فمن المؤكد أن اسرائيل كانت سترد هي الأخرى وبما يؤدي بالمنطقة الى الاشتعال.. أي أن اندلاع حرب في المنطقة احتمال وارد ولكنه ليس هدفاً اسرائيلياً في الوقت ا لراهن، ويمكن القول انها تهدف من التصعيد الجاري حاليا الضغط على الفلسطينيين وبكل الوسائل الممكنة وبما فيها استخدام الآلة العسكرية الاسرائيلية الحديثة حتى يوقفوا الانتفاضة والقبول بأقل مما رفضوه من قبل في كامب ديفيد2، وخاصة في ظل المساعدة الدولية المتمثلة في الولايات المتحدة والجانب الأوروبي واللذين فضلا ترك الساحة لاسرائيل وشارون لكي يسعى لتحقيق هذا الهدف دون أدنى معارضة أو لوم له وهو ما يعني موافقة أوروبية وأمريكية ضمنية على مخطط شارون. ـ ولكن بما تفسر هذا الموقف الغريب من الطرفين الأوروبي والأمريكي؟ ـ لقد تولد لدى الأوروبيين والأمريكيين وبعد فشل مباحثات كامب ديفيد شعورا وإنطباعا بأن الاسرائيليين قدموا ما عليهم وما يمكن قبوله، وأن باراك قدم من وجهة النظر الأمريكية تنازلات كبيرة للفلسطينيين وخاصة فيما يتعلق بالانسحاب من الأرض والقدس وأن الجانب الفلسطيني هو المسئول عن فشل وانهيار المباحثات، وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا التي رأت الولايات المتحدة أنها مسئولة عن تجميد المفاوضات رغم التقدم الذي حدث فيها.. هذه القناعة والانطباع الذي تولد عند الأوروبيين والأمريكيين جعل هناك شبه اتفاق غير معلن بينهما على إعطاء الضوء الأخضر للاسرائيليين لكي يستخدموا كل الوسائل من أجل خفض مستوى التوقعات لدى العرب بصفة عامة والفلسطينيين بصفة خاصة بمعنى اجبارهم على القبول بما هو أقل عن الذي عرض عليهم في كامب ديفيد ومن هنا كان غض الطرف الأوروبي والأمريكي عن زيارة شارون للحرم القدسي والتي فجرت الموقف ثم عدم تدخلها بعد ذلك عندما تصاعدت الأحداث، بل إن الولايات المتحدة عارضت كل مشروعات القوانين التي أعدها مجلس الأمن لادانة اسرائيل واستخدم ولأول مرة منذ فترة طويلة حق الفيتو لتحقيق هذا الهدف وما زالت أمريكا حتى الآن تعارض أي قرار يصدر عن هذا المجلس خاص بتوفير حماية دولية للفلسطينيين رغم كل المجازر التي ترتكب في حقهم وبصورة مستمرة. ـ نحن هنا نتحدث عن طرف اسرائيلي يسعى لتحقيق أهدافه بكل الوسائل الممكنة حتى لو أدى ذلك الى نشوب حرب شاملة في المنطقة فأين العرب من ذلك؟ وهل لديهم من القوة في الوقت الحالي لردع اسرائيل؟ ـ لابد أن نكون على يقين أن القوة العسكرية العربية حاليا لا يستهان بها ويمكن أن تلحق بالجانب الاسرائيل أكبر الضرر إذا هي دخلت في صدام ومواجهة كبيرة معه وخاصة أن عنصر الوقت هو في صالح القدرة العسكرية العربية وهو الذي سيساعد على هزيمة اسرائيل اذا حدثت المواجهة.. فالوقت هو الذي سيهزم شارون الذي راهن على أنه سينهي الانتفاضة في مائة يوم ومرت هذه الأيام وما زالت الانتفاضة موجودة بل وتصاعدت حدتها فلجأ الى الطائرات والدبابات وكل الآلة العسكرية الاسرائيلية ومع ذلك لم ينجح حتى الآن في وقف الانتفاضة ومن الممكن أن تأتي هزيمته بسببها لاستمرار الضرر الذي يقع على اسرائيل فمعروف أن العقيدة العسكرية الاسرائيلية تقوم على أمرين الأول العمل على منع حدوث أي حروب على أرضها لأن ذلك ليس في صالحها وقد ثبت من استمرار الانتفاضة أن هذا العنصر لم تستطع اسرائيل تحقيقه، والثاني وهو ألا تطول أية مواجهات عسكرية تقدم عليها مع أي من الأطراف العربية المجاورة لها، وهذا أيضا فشلت اسرائيل في تحقيقه في حربها مع المقاومة اللبنانية والتي استمرت لفترة طويلة وكانت الهزيمة الاسرائيلية ومن ثم فإنه لو حدث واندلعت حرب شاملة في المنطقة واستطاعت القدرة العسكرية العربية أن تلعب بعنصر الوقت فسوف تكسب معركتها مع اسرائيل. ويضيف د. قدري سعيد: الموقف في ظل الظروف الحالية يتطلب أن يكون هناك مستوى معين من التنسيق على المستوى العسكري ويمكن أن يتم ذلك من خلال عقد اجتماعات لمجلس الدفاع العربي المشترك التابع لجامعة الدول العربية والذي لم ينعقد منذ فترة طويلة، ولتكن مثل هذه الاجتماعات على مستوى رؤساء أركان الجيوش العربية، فالأخطار والتهديدات التي تتعرض لها المنطقة يجب أن يتم تدارسها على المستوى العسكري وهذا لا يعني أن مجرد عقد هذه الاجتماعات هو اعلان للحرب ولكن لبحث ومناقشة الوسائل المختلفة للرد على أي عدوان قد يقع علينا، فهل يعقل أن يجتمع الأوروبيون والأمريكيون لتقييم الموقف في المنطقة بمستوياته المختلفة ومنها المستوى العسكري ونحن لا نجتمع!! ـ هناك من يرى أن التفوق النوعي الاسرائيلي فيما يتعلق بالأسلحة والذخائر سوف يحسم أية جولة عسكرية مقبلة لصالحها فما هو تعليقكم على ذلك؟ ـ نعم اسرائيل تتفوق علينا فيما يتعلق بالأسلحة الحديثة فلديها امكانيات للضرب والتدمير بدقة، ولديها أيضا الكثير من الأسلحة ذات المدى البعيد، كما تنتج الكثير من أنواع التسليح و يتم تصدير بعضها، إلا أن لديها الكثير من نقاط الضعف التي تؤثر على امكانياتها العسكرية مثل قلة عدد السكان، ووجود عناصر بشرية مضادة لها في الداخل، ضعف العمق الاستراتيجي لها وغيرها من نقاط الضعف، ولذلك لو حدثت الحرب الموسعة من المؤكد أنها ستصيب الجانب العربي بخسائر كبيرة عند استخدامها لترسانتها المتطورة ولكن في الوقت نفسه ستعاني هي الأخرى من الخسائر التي سيلحقها بها الجانب العربي وحتى ولو كانت هذه الخسائر أقل فإنها ستكلفها الكثير وخاصة اذا تم اجادة اللعب بورقة الوقت التي هي في صالحنا و ليست في صالحهم. ـ هل ترى أن تدمير جزء كبير من الآلة العسكرية في حرب الخليج الثانية قد أضعف من القوة العسكرية العربية؟ ـ نعم.. لقد كان العراق قوة عسكرية كبيرة تضاف الى رصيد القوة العربية ولكن بعدما حدث في حرب الخليج الثانية لم تعد هذه القوة كما كانت، ودعني هنا أن أطرح تساؤلا هل لو كانت عملية التسوية استمرت، واستمر في الوقت نفسه تطوير وتحديث القدرات العسكرية العراقية وكانت مؤيدة لهذه العملية، ثم حدثت المشكلة وتأزم الموقف على صعيد عملية التسوية هل كانت اسرائيل ستتصرف بهذه الصورة أم كانت ستعمل ألف حساب للقدرات العسكرية العراقية وخاصة في ظل ما كان يتردد من امتلاك العراق لأسلحة متطورة جدا من حيث النوع والكم؟. ـ كيف ترى ما ستكون عليه مواقف الأطراف الدولية مثل روسيا والصين وأوروبا في حالة نشوب حرب موسعة في المنطقة؟ لا أعتقد أن كلاً من روسيا والصين ستقدمان على مساعدتنا فمعروف أن للصين علاقات قوية للغاية باسرائيل وخاصة فيما يتعلق بتطوير الأسلحة وهي لن تغامر بخسارة هذه العلاقات والمصالح، كما أن روسيا هي الأخرى ترتبط بشبكة مصالح متشعبة وقوية مع الجانب الأوروبي ولن تقدم هي الأخرى على التفريط بهذه المصالح بسهولة ومن أجل دعم الموقف العربي.. من الممكن أن يقوم الطرفان بتزويد الجانب العربي بالأسلحة ولكن بحدود.. وعموما يجب علينا عند النظر للمواقف الدولية أن نراهن على خوف الأوروبيين والأمريكيين من ضياع نفوذهم تماما في المنطقة اذا هم أيدوا بشكل سافر أي عدوان اسرائيلي على أي دولة عربية، وأن هناك أطرافا أخرى دولية قد تمد لنا يد العون وتقدم الأسلحة التي نحتاجها مع العلم بأنه لا يوجد نقص كبير في كميات الأسلحة الموجودة لدى الجانب العربي فالمنطقة اشترت خلال الفترة الماضية كميات رهيبة من الأسلحة. ـ هل هناك وسائل أخرى تتيح للعرب تحقيق أهدافهم ودون الحاجة للتورط في حرب مع الجانب الاسرائيلي؟ ـ لاشك أن العرب لديهم العديد من الأوراق ووسائل الضغط التي تمكنهم من التأثير وتحقيق أهدافهم ومنها الوسائل الاقتصادية، والمقاطعة الشعبية والاقتصادية على الولايات المتحدة واسرائيل. وايقاف المفاوضات، تهديد تواجدهم في الخليج فالمفروض أن يتم تفعيل هذه الوسائل وبطريقة متدرجة فهذا أفضل من الدخول في حرب مباشرة ولكن اذا ساءت الأمور وفرض الحل العسكري نفسه على سطح الأحداث فيجب أن نكون مستعدين له بالتنسيق المستمر والاعداد الجيد وعندها سوف نلحق باسرائيل خسائر كبيرة، فعناصر القوة العربية كثيرة واذا تم تفعيلها فسوف تؤتي ثمارها، ولابد أن نعمل خلال الفترة المقبلة على أن يكون الصراع بين العرب مجتمعين واسرائيل وليس بين الفلسطينيين واسرائيل والعرب يكونوا مجرد خلفية للموقف، وهنا لابد من زيادة الدعم المالي للفلسطينيين والعمل على ألا تتوقف الانتفاضة والمقاومة فهي عنصر ايجابي ويجب استمراره وأن أية تضحيات ناجمة عنه فلا مجال هنا لأي تراجع مهما كانت التضحيات والخسائر لأن هذا هو طريقنا الى كسب المعركة الدائرة.