الملف السياسي: ها قد سنحت الفرصة الذهبية أمام أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية من العرب ليصموا آذاننا ليل نهار، بالواقعة التي وفرت هذه الفرصة، متوهمين بأن تلك الواقعة تؤكد خضوع الامبريالية الأمريكية للحركة الصهيونية وكيانها. أما الواقعة فتمثلت في انزعاج رئيس وزراء الكيان الصهيوني آرييل شارون من اتصال هاتفي لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول بعد لحظات (مساء الجمعة 18/5) من قيام طائرات اف16 أمريكية الصنع، بقصف مدن رام الله، ونابلس وطولكرم وغزة لأول مرة منذ انطلاقة (انتفاضة الأقصى والاستقلال) في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني (28/9/2000) وأنهى شارون المكالمة الهاتفية مع باول، من طرف واحد بأن أغلق رئيس الوزراء الصهيوني سماعة الهاتف في وجه وزير الخارجية الأمريكي. تطرح هذه الواقعة جملة من الأسئلة لعل في مقدمتها: هل تؤكد هذه الواقعة الخضوع الأمريكي للصهيونية؟ أم تؤشر الى مدى ما وصل اليه فتى الامبريالية الأمريكية المدلل من نزق؟! أم توضح مدى التعارض في الموقفين الأمريكي والاسرائيلي؟ أم هي مجرد سلوك رجل عنصري أبيض يتعامل مع زنجي أمريكي بفوقية، وازدراء؟! الخضوع الأمريكي استمرأ بعضنا التحدث عن خضوع الامبريالية الأمريكية بجلالة قدرها للنفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة، والمتمثل في المجالات الاقتصادية، والاعلامية، والثقافية أساسا. لعل هذا البعض ينطلق من ضعف في المعلومات، أو من رغبة تبرئة السيد الأمريكي مما تقترف ضد امتنا من قتل بالأسلحة الأمريكية، حيث تبدو الامبريالية الأمريكية مسيرة بجهاز التحكم الصهيوني، ما يجعلها تسير مذعنة، بلا حول ولا طول، لدرجة تدعو الى رثائنا على هذه الامبريالية المسكينة. فيما الحقيقة غير ذلك، فأولا أرقام الاحتكارات الأمريكية في مجالات الصناعة، والبترول، والتسليح تفوق تماما تلك الأمريكية اليهودية، وكذلك الأمر في مجال الاعلام. أما (اللوبي الصهيوني) في الولايات المتحدة فهو حاجة أمريكية بالدرجة الأولى، حيث تتذرع بضغوطه، وأنشطته الواسعة، وأذرعه الأخطبوطية، الادارة الأمريكية في كل موقف تتحيز فيه هذه الادارة للصهيونية وكيانها. وليس أدل على صحة ما ندعيه من أن الرئيس الأمريكي الأسبق داويت أيزنهاور (1953 ـ 1961) أرغم رئيس الوزراء الاسرائيلي سنة 1956 ديفيد بن جوريون على سحب قواته من سيناء، فقطاع غزة، دون أن يعبأ بـ(ضغوط) اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بل إن أيزنهاور حصل على نسبة أعلى من أصوات اليهود الأمريكيين في انتخابات الرئاسة الأمريكية (أواخر 1956) عن تلك التي نالها في انتخابات 1952. أما حين طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش، سنة 1991، الى رئيس وزراء الكيان الصهيوني، آنذاك، اسحق شامير، عدم الرد على الصواريخ العراقية التي توجه الى اسرائيل، فإن شامير استسلم لارادة بوش، صاغرا، على ما في عدم رد الجيش الاسرائيلي على صواريخ العراق من تأثير معنوي ضار بالجيش الاسرائيلي والمستوطنين الاسرائيليين على حد سواء. التعارض أما احتمال التعارض بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة فلا يزال الحديث عنه سابقا لأوانه، وكل ما في الأمر أن الولايات المتحدة مع مصالح اسرائيل، ولكن كما تراها الأولى، وفي النقطة الأخيرة يكمن أساس كل خلاف ينشب بين الادارة الأمريكية وبين حكومة تل أبيب، بيد أن الأمر لم يصل الى حد التعارض، أو التطاحن. الى ذلك فإن حكومات (العمل) الصهيونية المتعاقبة ظلت تتعامل بمرونة مع نقاط التباين مع الادارة الأمريكية حرصا من الأولى على التحالف الاستثنائي بين الولايات المتحدة واسرائيل، وللحيلولة دون صعود التناقضات الهامشية بين الولايات المتحدة واسرائيل الى مرتبة التناقضات الرئيسية، أما الليكود فيتعامل مع هذا الأمر، وقد أدار ظهره للمرونة تماما. ربما لأن شارون يعي حسب تصريح صحفي له سنة 1980 بأن على الادارة الأمريكية بأن لا تمن على اسرائيل بالمعونات المالية التي تمنحها اياها تلك الادارة، لأن اسرائيل تقوم بحراسة مصالح الولايات المتحدة في الوطن العربي، الأمر الذي كان سيكلف الادارة الأمريكية أضعاف ما تمنحه لاسرائيل من معونات، في حال خصصت الادارة الأمريكية قوات أمريكية للقيام بهذه المهمة. ثم أين هو التعارض والرئيس الأمريكي ووزير خارجيته سارعا الى ادانة العملية الاستشهادية الفلسطينية في نتانيا (18 مرة) فيما تجاهلا تماما الغارات الجوية الاسرائيلية الوحشية على مدن الضفة الغربية وقطاع غزة في اليوم نفسه؟! الدلال لعل في ذلك التصريح لشارون ما يلقي الأضواء على أسباب الدلال الذ ي يحس به شارون، قبل غيره من القادة الصهاينة، وهو الدلال الذي تعزز بعد أن أصاب المارينز ما أصاب من قتل بالجملة في عاصمة البهجة بيروت، غداة انسحاب القوات الاسرائيلية منها خريف 1982. الى ذلك، ما كان للانتصارات الرخيصة السريعة، التي لطالما حققها (جيش الدفاع الاسرائيلي) على مختلف الجبهات العربية، وفي مواجهة المدنيين العرب العزل، إلا أن تزيد من هذا الدلال، وتطعمه بالغرور. أما اندحار جيش الاحتلال الصهيوني من لبنان، تحت ضربات المقاومة (25/5/2000) فقد زاد من غطرسة وشراسة شخصية شارون، في محاولة لاستعادة صورة (الجيش الاسرائيلية الذي لا يقهر) وهنا فإن شارون لن يعبأ بالمحاولات الرسمية الأمريكية لضبط ايقاعه مع ايقاع السياسة الأمريكية في الوطن العربي. بالتداعي، فإن شارون أعجز من أن يخفي وجهه العنصري البشع في تعامله مع زنجي أمريكي، حتى ولو كان اسمه كولن باول، ويتولى منصبا رفيعا في الادارة الأمريكية، هو وزير الخارجية إننا هنا أمام رجل أبيض مشبع بالعنصرية في مواجهة زنجي، سريع الغضب، يضطر شارون الى التعامل معه بفوقية وبازدراء. الاستنتاجات لا تزال اسرائيل أداة في يد الامبريالية الأمريكية، وإن دخل على هذه الاداة بعض التعديلات، بعد أن شبت عن الطوق، وتحدت شريكا صغيرا مع تلك الامبريالية، ما يدفعها، أحيانا، للتعامل مع الادارة الأمريكية بندية، فترد هذه الادارة باعادة اسرائيل الى صوابها، وحجمها الطبيعي، على غرار أزمة المليارات العشرة قبل عقد من السنين، بين بوش وشامير، وفيها توترت العلاقة بين الحكومة الاسرائيلية والادارة الأمريكية، على نحو غير مسبوق، وحاول (اللوبي اليهودي) في الولايات المتحدة تلطيف الجو بينهما، إلا أنه أخفق، فسارع الى الانحياز للادارة الأمريكية، وصعد بوش الموقف، وهدد بكشف أوراق اسرائيل في الولايات المتحدة، فتراجعت اسرائيل، واستبدلت بشامير وحزبه (الليكود) رابين وحزبه (العمل). كما لا تزال وظائف اسرائيل تجاه الامبريالية الأمريكية على ما كانت عليه حماية المصالح الأمريكية في الوطن العربي، وإجهاض كل محاولات التنمية والتقدم في هذا الوطن، والحيلولة دون قيام وحدة عربية، وحراسة خطوط المواصلات بين الغرب وبين الشرق الأقصى، أما التعديل فكان من نصيب وظيفة اسرائيل في التصدي للاتحاد السوفييتي و(المعسكر الاشتراكي) بعد أن انفرط عقد الأول (1991) وانهار المعسكر (1989) على النحو الدراماتيكي المعروف ما جعل الصهيونية وكيانها يسارعان الى احلال (بعبع) جديد محل (البعبع الشيوعي)، فكان تلويحهما بـ(الارهاب الاسلامي) ونجحا في هذا المضمار الى حد بعيد. نعود الى حدود اعتراض الادارة الأمريكية على التصعيد الاسرائيلي الأخير في مناطق الحكم الذاتي، حيث تخشى الادارة الأمريكية من ردود الفعل العربية عليه، إذ يبالغ هذا التصعيد في إذلال الأمة العربية، ما يهدد بانفجار الشارع العربي، المحتقن سلفا بأسباب شتى، داخلية وخارجية، والمهيأ للانفجار في وجه حكامه في معظم الأقطار العربية، وخاصة في وجه حكومات صديقة للامبريالية الأمريكية. مما قد يضطر هذه الحكومات الى الرد على التصعيد الاسرائيلي، في محاولة لاحتواء شارعها الغاضب، وإلا فقد يكون البديل سقوط تلك الحكومات. كما أن هذا التصعيد من شأنه رفع معدلات العداء للامبريالية الأمريكية في الوطن العربي، خاصة وأن الأسلحة المستخدمة ضد الشعب الفلسطيني (صنع في الولايات المتحدة الأمريكية)، ناهيك عن الدعم الاقتصادي، والسياسي الأمريكي غير المحدود لاسرائيل. ولا يزال (ضمان تفوق اسرائيل العسكري على مجموع الدول العربية) هدفا أمريكيا ثابتا، ورغم حصول جورج دبليو بوش على أصوات يهودية قليلة في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة. ذلك أن الاستراتيجيات الأمريكية ترسمها مؤسسات سياسية، ومراكز أبحاث، مسخرة لخدمة مصالح الاحتكارات الأمريكية. أما التباينات الهامشية بين الادارات الأمريكية المتعاقبة، في هذا الصدد، فتعود الى شخصية الرئيس الأمريكي بالدرجة الأولى. وبعد فلا تزال الادارة الأمريكية مطمئنة الى مصالحها في الوطن العربي، ما دام العرب أعجز عن توظيف هذه المصالح في تعزيز موقفهم السياسي، بل حتى في مجرد مساومة الادارة الأمريكية، عبر هذه المصالح. ـ كاتب فلسطيني