أعلن الجنرال كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة موقف بلاده من تقرير لجنة ميتشيل ومن ثم قرار الادارة الأمريكية تشكيل فريق من الدبلوماسيين للمساهمة في تسهيل تطبيق خطوات وقف اطلاق النار ، واعادة بناء الثقة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي طبقاً لتوصيات ذلك التقرير، الا ان تصريحات الوزير باول تضمنت قدراً متعمداً من الغموض، وهو غموض قد يفيد في بدء عملية «هبوط الدرج» باستخدام تعبير الوزير، اي تهدئة الأزمة تدريجياً، ولكنه قد يعقد في وقت لاحق من احتمالات حلها بصفة نهائية. فخلال عرض باول لموقف بلاده من التقرير لم يقل بصورة صريحة أبداً ما هو هذا الموقف على وجه الدقة، اي انه لم يقل بصورة واضحة ما اذا كانت واشنطن تقبل التقرير كاملاً، ام انها تتحفظ على بعض اجزائه، بدلاً من ذلك قال الوزير ان الولايات المتحدة تعتقد ان لجنة ميتشيل قد قدمت للجانبين افكارا يمكن ان تساعد في ايجاد حل، ثم قال اننا نعتقد ان على الطرفين ان يمنحا اهتماماً جاداً لتوصيات اللجنة. ويعني ذلك ان وزارة الخارجية الأمريكية تجاوزت عبر صيغة «حث الأطراف على الاهتمام» هذه العقدة الأساسية التي وضعها تقرير ميتشيل امام باول، ان عقدة توصية اللجنة بوقف اي نشاط استيطاني بالمرة ان كان للتعاون الأمني ولاجراءات اعادة بناء الثقة ان تثمر عن اي نتائج ايجابية، وبدا واضحا ان هذا المخرج جاء بعد اعلان اسرائيل رفضها الموافقة على توصية لجنة ميتشيل المتعلقة بالمستوطنات، اي رفضها الجزئي لتقرير ميتشيل، وهو رفض احاطته بسيل من التصريحات عن قبولها اياه بـ «صفة عامة». الا ان تصريحات باول خلال اعلانه لـ «موقف» واشنطن من التقرير تضمنت مساساً متكرراً لقضية المستوطنات، فقد قال الوزير مثلاً في معرض تأكيده على ضرورة تجنب الطرفين لاي اجراءات استفزازية، وفي هذا الصدد فقد لاحظنا ما قاله التقرير عن الاثر السلبي لاستمرار الأنشطة الاستيطانية على عملية السلام. ولا يمكن ـ بطبيعة الحال ـ اعتبار عبارة مثل «لاحظنا ما قاله التقرير عن ..» باعتبارها مساوية لاعلان رفض الولايات المتحدة للنشاط الاستيطاني باعتباره أهم عوامل نسف الثقة بين الجانبين، وعلى أساس مخالفته الصريحة للقانون الدولي. الا ان هذا الغموض ازاء قضية المستوطنات الذي وظفه الجنرال باول لتغليف موقف واشنطن من تقرير لجنة ميتشيل اثار حيرة الصحافيين الذين سمعوا الوزير، وحين بدأت الاسئلة كان لابد لها من ان تتجه الى تلك النقطة المحيرة، واكتفى الوزير بتلخيص موقف الادارة الحالية بحذر قائلاً: «ان السناتور ميتشيل يذكر بوضوح في تقريره ان كل ادارة أمريكية خلال العشرين عاماً الماضية اثارت قضية المستوطنات باعتبارها مشكلة، ورداً على سؤال آخر في الاتجاه نفسه قال باول: «لقد قال السناتور ميتشيل في تقريره بوضوح كامل ان من الضروري تجميد المستوطنات بما في ذلك النمو الطبيعي في المستوطنات القائمة، وهذا سيكون أمراً صعباً للغاية للجانب الاسرائيلي، لقد قالوا ذلك بالفعل». وتعني كل هذه الاجابات ان الجنرال باول تملص في كل مرة يواجه فيها حديثاً عن تجميد النشاط الاستيطاني، من اعلان موقف أمريكي واضح، سواء من هذه القضية بصورة مباشرة، أو بالاعراب عن موافقة واشنطن على نص تقرير لجنة ميتشيل موافقة كاملة. ما هو البديل إذن؟ عرض وزير الخارجية الأمريكية تصورا عاما يقضي باتخاذ مسلسل من الاجراءات يبدأ أولاً بوقف اطلاق النار على نحو غير مشروط، يلي ذلك اجراءات بناء الثقة، ثم المفاوضات .. ولكن أين تقع قضية وقف النشاط الاستيطاني في هذا المسلسل؟ ان هذا السؤال يكشف عن أكثر جوانب الغموض الذي اكتنف تصريحات باول اثارة للحيرة، فقد قال الوزير «كما تعرفون، فإن السناتور ميتشيل وبقية أعضاء اللجنة وضعوا قضية المستوطنات في سياق اجراءات بناء الثقة، ان هذه القضية لا تتصل بأي حال بدعوته قبل ذلك الى وقف الاجراءات العدائية بصورة فورية، ان قضية المستوطنات يجب التعامل معها في نهاية اليوم (أي في مفاوضات الوضع النهائي كما ذكر في مقطع آخر) مع ان هناك رأيين مختلفين في هذه المسألة يتشبث كل طرف من الطرفين بأحدهما بقوة في الوقت الراهن. يمكن القول اذن ان الجنرال باول وضع قضية المستوطنات «إما» في مرحلة بناء الثقة، «أو» في نهاية اليوم، وبافتراض أقل الحلين سوءاً، أي ان الجنرال وضعها في مرحلة بناء الثقة وليس في مفاوضات الحل النهائي، فإن الجنرال أوضح ان هذه القضية (أي قضية المستوطنات) هي اجراء مهم في بناء الثقة وهو اجراء يجب أن يتعامل معه الطرفان، بعبارة أخرى تجنب وزير الخارجية الأمريكية ولو مجرد «التوصية» بوقف النشاط الاستيطاني خلال مرحلة بناء الثقة، وآثر ترك هذه القضية كي يتعامل معها الطرفان، وذلك بعد ان تجنب تبني توصيات تقرير لجنة ميتشيل على أي نحو صريح. ولكن لماذا فعل باول ذلك؟ من زاوية نظر الأمريكيين كان ينبغي البدء أولاً من وقف اطلاق النار وذلك لبناء مناخ موات للتبادلات الدبلوماسية، ونظراً لان الجنرال شارون رفض بصورة قاطعة توصية لجنة ميتشيل، فقد اضطر الوزير الى صياغة الموقف الأمريكي متجاوزاً هذه النقطة ـ بالغموض المتعمد الواضح في تصريحاته ـ كي تبدأ العجلة دورانها .. ثم سوف نرى بعد ذلك. ولكن ما سوف «نرى بعد ذلك» يمكن أن يتأثر كثيراً بما قيل قبل ذلك، فإذا افترضنا مثلاً ان الجانب الفلسطيني وافق على وقف اطلاق النار، وان اجراءات بناء الثقة دخلت مرحلة التطبيق، اي ان الاجتماعات الأمنية الثنائية الفلسطينية ـ الاسرائيلية عادت الى الانعقاد، وفجأة ظهر ان الاسرائيليين يواصلون توسعة المستوطنات الحالية، أو إقامة مستوطنات جديدة .. ألا يعني ذلك انهيار اجراءات بناء الثقة هذه؟ يُقرأ الكتاب عادة من عنوانه كما يقولون، فإذا تم ترك هذا العنوان غامضاً على نحو ما حدث في تصريحات كولن باول، فإن الفصول التالية لابد ان تكون بدورها حافلة بالغموض، ومن ثم بالعثرات، وهي «وصفة» قد تنتهي باعادة القارئ دائماً الى المربع الأول، أو باعادة الوضع بأكمله إلى حيث هو الآن. لقد واجه الجنرال باول سؤالاً صريحاً حول هذه المسألة حين سأله أحدهم «هل بوسعك أن تقول ما هو الموقف الذي ستتخذه الولايات المتحدة اذا ما توقف العنف وبدأت المفاوضات وعندئذ عاد النشاط الاستيطاني مرة أخرى؟»، وقال باول لا استطيع الاجابة عن هذا السؤال لانه افتراضي .. واتمنى أن تكون هذه الافتراضات (ان توقف العنف وبدء المفاوضات) صحيحة وانني أواجه هذه المشكلة وحدها (أي عودة النشاط الاستيطاني) في ذلك الوقت.. الا اننا لا نزال بعيدين عن رؤية ذلك، ولذا فإن علي أن أقول اننا مضطرون إلى رؤيتها في سياق اتفاقية الحل النهائي التي سيتم التوصل اليها في نهاية عملية التفاوض. ويعني كل ذلك ان الولايات المتحدة قدمت إلى الحكومة الاسرائيلية كل ما ارادته تقريباً. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز