بيان الاربعاء: يبدو ان الجنرال كولن باول نسي نفسه كوزير لخارجية امريكا وراح يتصرف وكأنه وزيرا لخارجية اسرائيل .وبالتالى فانه يثير حاليا موجة من الغضب والحقد ضد الولايات المتحدة في شتى ارجاء العالم العربي، بسبب مواقفه التي تفتقر للصواب وتبتعد عن الحكمة وتجافي الحقيقة تماما لدرجة انه جعل نفراً غير قليل في اوساط السياسيين العرب يترحمون على ايام السيدة اليهودية اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة. فالجنرال الذي دخل الى الخارجية الامريكية من باب «حرب الخليج» قد تفوق على شيمون بيريز المتمرس في الكذب والخداع وقلب الحقائق لمجرد ارضاء شارون ويزيف الواقع للحفاظ على روابطه من حلفائه الجدد في الليكود! ويمكن القول ان باول هو اول وزير خارجية امريكي منذ العام 1948 يبتعد عن الواقع ويبدي جهلا غير مبرر بالصراع العربي الاسرائيلي واسبابه ويتعمد الحاق الضرر بالمصداقية الامريكية الامريكية في الشرق الاوسط عبر انجرافه المطلق في تيار شارون المدمر وعدم اعطاء نفسه فرصة من الوقت للتعامل الواقعي مع الصراع الدامي وجذوره وابعاده ومخاطره. بعد مرور شهر واحد على تسلمه المنصب الذي تلقفه كمنحة له على قيادته للقوات الامريكية في حرب الخليج الثانية، اثار زوبعة في العالم كله حينما قال انه سوف ينقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس؟ وبعد مرور شهرين اصر باول على ضرورة وقف العنف الفلسطيني ضد اسرائيل وحمل الجانب الفلسطيني مسئولية الوضع المتفجر حال ياليس في الاراضي الفلسطينية فحسب وانما في المنطقة العربية ككل. وبعد ان احتفلت ادارة بوش بمرور 100 يوم على وصولها الى البيت الابيض، دافع باول عن شارون وقال انه يريد السلام في الوقت الذي كانت فيه مدافع شارون وصواريخه ودباباته تقصف الاخضر واليابس في مدن وقري فلسطين، وكأنه يقدم مباركة امريكية رسمية للعدوان الاسرائيلي ضد الاهداف المدنية الفلسطينية في الضفة والقطاع! لا امل في باول الذي ظن بعض العرب انه سوف يتخذ موقفا يعيد الاعتبار الى المصداقية الامريكية، لانه يتصرف الان وكأنه شريك لشارون وبيريز ونسي ان امريكا مازالت تحتكر دور الراعي الرئيسي لعملية السلام . اننا لانريد من باول سوى التعرف على تاريخ الصراع ان كان يجهله والاعتراف بالحقيقة وليس الهروب منها، ولانريد منه سوي العودة إلى مقررات مؤتمر مدريد واخيرا الى تقرير ميتشل رغم مرارته لكي يعرف ان الارهاب الاسرائيلي هو المشكلة وان الاستيطان الصهيوني هو السبب الرئيسي لتدفق شلال الدم الفلسطيني المقاوم ضد الاحتلال العنصري البغيض. ولايمكن لاي انسان عاقل في موقع القرار ان يصدق باول وهو يحمل الطرف الفلسطيني مسئولية التدهور الخطير، فهل الفلسطينيون هم الذين سلحهم باول بطائرات الاباتشي لكي يقصفوا ارواح البشر والشجر في غزة وخانيونس ورفح والقرارة ودير البلح ورام الله وجنين وبيت لحم ونابلس والخليل وبيت جالا؟ ان الحل يا مستر باول لن يبنى على اسس مصلحية او ذاتية فاذا كانت لك مصلحة مع اللوبي الصهيوني على امل الوصول الى رئاسة الولايات المتحدة في الدورة المقبلة، فيجب الا تضحي بأمن واستقرار الشرق الاوسط كله دفعة واحدة، وعليك الا تستخف بالاصدقاء العرب بهذه الطريقة، لان العرب في نهاية المطاف لن يؤيدوك ولن يؤيدوا رئيسك المستنكف عن الدخول مباشرة في صلب الازمة، لن يلتفت اليك احد حتى من حلفائك الاوروبيين وانت تسير في ركاب شارون وعصابته المجرمة التي لم تفرق بين اغتيال شرطي يؤمن الحراسة او قتل طفل رضيع في احضان امه! حتى كتابة هذه السطور بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 537 شهيدا وهناك اكثر من 20 الف جريح ومعاق واكثر من ربع سكان فلسطين يعيشون تحت خط الفقر بسبب الدمار الذي الحقته الالة العسكرية الوحشية بالفلسطينيين على مدى الاشهر الثمانية الماضية، وسيكون الفلسطينيون يا مستر باول بحاجة الى 10 سنوات اخرى مقبلة للتغلب على الاثار الفادحة التي الحقها العدوان بهم في حين ان الشهداء الذين سقطوا في سبيل طرد الاحتلال والاستيطان لن يعوضهم احد، فلماذا اذن التعامي عن الحقيقة؟ انه امر مفزع جدا، ان يغض باول الطرف عن الجلاد ويمارس مهاراته اللفظية في تحميل الضحية مسئولية موته؟ ففي ذلك تناقض صارخ في القيم والاعراف والاخلاق التي تتغنى بها الديمقراطية الامريكية، كان على باول ان يستمع قليلا الى ماقاله تيري لارسن مسئول الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين خلال زيارة قام بها الى مخيم خانيونس مؤخرا «ان هذا عدوان اسرائيلي غير اخلاقي على لاجئين ابرياء، الدمار الاسرائيلي حولهم الى لاجئين للمرة الثانية والان يعيشون في العراء». وعلى باول ان ينصت قليلا الى ماقالته وزيرة خارجية السويد انا ليندا من أن شارون يتحمل المسئولية الكاملة عما يجري من عنف ودمار في الاراضي الفلسطينية وهذا امر لا يخدم السلام وعلى الاسرائيلون ان يكفوا عن الاستيطان فوراً. والسؤال الان هو: اين باول من الموقف الذي يقود نحو السلام؟ في واقع الامر نراه بعيدا جدا، لانه اختار الوقوف في صف العدوان والتشجيع عليه والابتعاد بالتالى عن خيار السلام وتدمير كل الفرص التي تلوح في الافق لاحلال السلام الذي تبناه العرب كخيار استراتيجي لهم منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام الذي رعاه جورج بوش الاب عام 1991. لا سلام اذن في عهد شارون ولا خيراً يرتجي في ظل وجود باول وعلى العرب اعادة الاعتبار الى ذاتهم والتوقف عن ترديد مقولات السلام العادل والشامل والارض مقابل السلام والقيام بخطوات عملية ترد على هذا الواقع المر مثل المبادرة بقطع العلاقات الدبلوماسية بين بعض الدول العربية واسرائيل وعليهم ان ينتصروا لدماء شهداء الاقصى بالتوقف عن استقبال أي مسئول اسرائيلي في أي عاصمة عربية، والتوقف عن الذهاب الى واشنطن تأكيدا لاحترام ارواح الشهداء واتخاذ عقوبات ضد أي دولة عربية ترفض طرد السفير الاسرائيلي من عاصمتها ونقصد بذلك موريتانيا التي لم تستحي وهي تحتفل بذكرى قيام اسرائيل وصواريخ شارون ودباباته تقصف ارواح اطفال فلسطين! د. جمال المجايدة