بيان الاربعاء: توحي عينا عزيزة الشرادي بأن هذه المرأة اجتازت كابوسا تودّ أن تنساه، عندما رأت الكاميرا وضعت يدها حاجزا أمام وجهها سائلة ألا تؤخذ لها لقطات. وعلى رغم أن التعذيب والألم أصبحا من الماضي، فإن أقل حركة تعيد الرعب إلى وجهها، أما السيجارة الموجودة دائما بين شفتيها فهي إشارة أخرى إلى توترها الدائم. عاشت عزيزة لأكثر من عشرة أعوام في باريس. باتت الآن تتكلم الفرنسية بطلاقة، على رغم أن لكنتها الشرق أوسطية مازالت تشكّل دليلا واضحا على أصولها، فقد قبلتها فرنسا أخيرا مانحة إياها «حياة طبيعية». عزيزة الشرادي محامية متخصّصة في حقوق الإنسان والمرأة، ما يعني أنها تمارس نشاطها كاملا في باريس، لكن مهنة من هذا النوع في إيران لم تجلب لها سوى التعذيب والقمع. قصتها تشبه إلى حدّ بعيد حال الغليان السياسي في بلدها الأم إيران، فقد أنهت عزيزة دروسها مع بداية الثورة الإسلامية حين أصبحت الحقوق التي حازتها المرأة صعبة الممارسة، فبالنسبة إلى مؤيدي حقوق الإنسان والمطالبين بدولة علمانية وبالمساواة بين الرجل والمرأة فإن المناخ لم يعد آنذاك ملائما. وتقول عزيزة وهي تشعل لفافة تبغ أخرى: «تخصّصت في الحقوق في الفترة التي رافقت الثورة، لذا لم يكن لدي وقت كثير من أجل العمل. حاولت على مدى عامين أن أمارس مهنتي والتمسك بمبادئي إلى حين لفتّ انتباه السلطات المستاءة من سلوكي، كنت امرأة أدافع عن حقوق النساء الأخريات، لذا لم يغفروا لي هذا الذنب. لذلك عندما بدأت أدافع عن حقوق السجناء السياسيين واعمل من أجل حقوق الإنسان، تعرضت للتوقيف ومن ثمّ للتعذيب». الاوقات العصيبة وتفضّل عزيزة عدم استرجاع تلك الأوقات العصيبة التي تثير في نفسها الخوف، لكنها تحب أن تتذكر موجة التعاطف العارمة والحقيقية التي سادت الرأي العام والتي ساعدتها على الخروج حية من السجن. وتوضح قائلة: «لهذا السبب أنا موجودة هنا وفي استطاعتي التحدث معك. كنت محظوظة بما يكفي كي أجد أناسا يحملون قضيتي في قلوبهم وحاولوا الدفاع عني بكل وسيلة ممكنة ونجحوا في منع الموت عني». «والفضل يعود أيضا إلى الضغوط التي مورست على الحكومة التي فضّلت الإفراج عني كي أتحمّل متاعبي الصحية لوحدي، ففي أثناء الاعتقال تعرّضت للتعذيب المبرح ما جعلني مريضة واقتربت من الموت مرات عدة. وفي بعض الأحيان كانت السلطات لا تملك خيارا، فإن لم تطلقني كنت سأقضي نحبي في السجن وهذا الأمر لابد من أن يجرّ عليهم متاعب كبيرة، لأن تعاطيهم الفظّ لابد من أن ينكشف للعامة. من هنا إن إطلاقي لم يكن بالنسبة إلى الحكومة فعل رحمة أو قبول ذنب، بل وسيلة لتحاشي الوقوع في مأزق أكبر». بعد الخروج من السجن، قررت عزيزة الهروب من البلاد تاركة الرعب الذي عاشته وراءها، وقررت على أثر المغادرة بطرق سرية أن تعيش حياة جديدة في باريس. عادت إلى الدراسة مجددا كي تحصل على ما يتيح لها أن تمارس مهنة المحاماة في الغرب، وفي العام 1993، حازت إذنا للعمل محامية في باريس.وعلى رغم ما مرت به، ظلّت عزيزة وفية لمهنتها الأولى ألا وهي الدفاع عن حقوق الإنسان. وعلى رغم فترة الرعب في ماضيها في إيران واستمرار النظام الساحق في السلطة، فهي ما زالت لديها أسبابها لتتأمل خيرا. تحرير المرأة وتقول: «إن تحرير المرأة الإيرانية بدأ منذ نحو قرن، لكن مع حلول القمع طُمست كل الحقوق التي نالتها النساء، ولا أقصد فقط حقوق الحريات العامة مثل المساواة في أماكن العمل والوصول إلى الدراسة والفرص في المهن المحترفة فحسب، بل على مستوى الحقوق الفردية والخاصة، القمع فعل كل شيء كي يعاود إقامة مجتمع يحكمه الرجل، والطرق المستخدمة كانت ويا للأسف، الأقسى، وعلى رغم الضغوط الهائلة التي مورست على المرأة الإيرانية، فإنها ظلّت فاعلة وتمكّنت ولو إلى حدّ قليل من إيجاد توازن مع النتائج السلبية». وترتشف عزيزة بعضا من فنجان قهوتها وتنظر من حولها، ثم تعاود الغوص في ذكرياتها وفي محطات النضال من أجل حقوق المرأة في إيران، وتقول: «حتى ولو خسرت نساؤنا سلسلة كبيرة من حقوقهن، فإن المرأة في إيران حققت خطوات جبارة إلى الأمام. على سبيل المثال، 62 في المئة من طلاب الجامعات هم الآن من النساء، مباشرة بعد الثورة، كانت نسبتهن لا تتعدى العشرين في المئة، تعمل النساء الآن في غير قطاع، من الآداب إلى الفنون، وحتى في المهن التي تُعدّ تقليدياً الأكثر تقنية. وبين النساء العاملات، اثنتان من أصل ثلاث لديهن شهادة جامعية». «لكن رغم ذلك، يجب ألا نسترخي أو نفكّر في أن كل شيء سيكون سهلا، فالنساء في إيران جيش صامت يجب أن يقاتل كل يوم بيومه من أجل عدم الاستسلام. المرأة الإيرانية تعاني معاناة كبيرة، وأيا يكن قرارها فإن أمامها سلسلة من العقبات التي يتعين أن تتخطاها ما يجعل حياتها تبدو وكأنها جحيم، وهذا ما يفسّر العدد الكبير من عمليات الانتحار في صفوف النساء، ولا سيما منهن الفتيات، الوضع متناقض جدا، فالمرأة الإيرانية لا يمكنها أن تحقق التطور الأفضل لأن القوانين تمنعها من تحقيق هدفها». وعلى رغم أن عزيزة أمضت أقسى أيامها في إيران، فهي لم تفقد الأمل في أن الأمور يمكن أن تتغير يوما. وتقول: «لا أعرف كيف يحصل هذا التغيير، لكن أملي كبير في أن شعبي سيتمكّن يوما من ممارسة الديمقراطية. من أجل ذلك ناضلتُ وما زلت أناضل حتى الآن من أجل احترام حقوق الإنسان ومباديء الديمقراطية، بعد كل هذه المعاناة، آمل ألا يدفع الشعب الإيراني دمه من أجل إصلاحات تؤدي إلى قيام شكل آخر من الحكومات، لكن هل من الممكن تغيير الوضع الراهن من دون اللجوء إلى العنف؟ إنه سؤال لم أتمكّن من إيجاد جواب عليه بعد». و.ن.ل