بيان الاربعاء: منذ بداية التسعينيات بدأت العديد من المنظمات الأجنبية التغلغل في مناطق الأردن، خاصة في القرى والتجمعات السكانية النائية واستطاعت العمل بحرية، نسبية تحت مظلة البعثات الأثرية وعمليات التنقيب والبحث عن الآثار والخوض في ميادين العمل المختلفة، خاصة تلك المتعلقة بالتربية والتعليم والثقافة والتنمية والشباب. ونجحت إلى حد بعيد في الاندماج في المجتمع المدني الأردني بطرق ووسائل وأساليب متنوعة، إلا أن الملفت للنظر في هذه البعثات ابتعادها عن المدن الأردنية ذات النشاط الشعبي العام مثل العاصمة عمان والزرقاء واربد. وتباينت آراء قادة الرأي ونشطاء العمل العام في وجود هذه البعثات الأجنبية ففي حين يراها البعض إحد الاشكال الاستعمارية تعامل معها اخرون في إطار حسن النوايا مؤكدين أن مثل هذه البعثات ذات بعد إنساني لا علاقة له بالسياسة من قريب أو من بعيد. أبعاد سياسية وواجهت هذه البعثات العديد من العقبات التي وضعتها أمامها بعض مؤسسات المجتمع المدني وخصوصا النقابات المهنية التي تعد الخط المعارض الأول في المجتمع الأردني، والتي تفسر اعتراضها أنها ضد حرية العمل الأجنبي في البلاد. ويدرك الراغبون في العمل مع هذه المنظمات بأنهم سيواجهون حربا شعواء لا طاقة لهم بها، إلا إذا أرادوا التخلي عن محيطهم المؤسسي بصورة علنية كما فعلت الصحفية الأردنية محاسن الإمام عندما استقالت من عضوية نقابة الصحفيين بنفسها بعد أن تأكد لها أن تحركا ما بدأ بالفعل لشطب عضويتها كما حصل مع زميلها نضال منصور. وجرم هذين الصحفيين انهما أقاما مركزين معنيين بالصحافة بتمويل أجنبي ولم تستطع إجراءات منصور القانونية إجبار النقابة على عودته رغم أنه كان امين سرها، أما الصحفية أمام فهي من اقدم الصحفيات الأردنيات المسجلات في النقابة، وهذا أيضا لم يشفع لها. ورؤية النقابات المهنية الرافضة للتمويل الأجنبي تشير إلى أن هذا التمويل له مضامين وإبعاد سياسية ولا يتوقف عند حد التمويل فقط، وحسب هذه النقابات فإن المستقريء للوضع يتأكد بأن الدول الأجنبية التي أبرمت اتفاقات مع الأردن من خلال منظمات غير رسمية ما هي إلا طلائع فتح لحالة من السيطرة الاستعمارية بصورة أخرى غير تلك التي كانت في بداية القرن الماضي. وصلت أول دفعة من متطوعي فرق السلام إلى الأردن بدعوة من الحكومة الأردنية في أول مايو 1997 حيث عمل المتطوعون السبعة والعشرون جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأردنيين في مناطق الأردن الريفية. وبما أن معظم هؤلاء المتطوعين يعملون في برامج تطوير تخص المرأة الأردنية فإن عدد النساء بلغ عشرين من المتطوعين السبعة والعشرين. وفي 21 اكتوبر 1998 أقيم في محافظة مأدبا جنوب العاصمة عمان حفل أداء القسم للمجموعة الثانية من فرق السلام الأمريكية في الأردن و بدأ هؤلاء المتطوعون الستة والثلاثون، الذين وصلوا إلى الأردن في يوليو، عملهم في المناطق الريفية في مختلف أنحاء الأردن ولمدة سنتين. وقد حضر حفل أداء القسم السفير الأمريكي في عمان وليام بيرنز ووزير التنمية الاجتماعية آنذاك محمد خير مامسر ومحافظ مدينة مأدبا نشأت المجالي ومدير فرق السلام في الأردن لاري بارتليت. وفي يوليو 1998 وصلت الدفعة الثالثة من المتطوعين وعددهم ستة وثلاثون حيث بدأوا عملهم في الأردن واستمر حتى العام 2000. ومن المنتظر أن يصل الأردن سنوياً حوالي 36 متطوعاً ومتطوعة للخدمة في المؤسسات الأردنية. وعمل المتطوعون الأمريكيون مع عدد من المؤسسات الرسمية ومنها وزارة التنمية الاجتماعية ومع المنظمات شبه الحكومية مثل مؤسسة نور الحسين، وصندوق الملكة علياء للتنمية الاجتماعية، والجمعية الملكية لحماية الطبيعة ومشروع تصاميم نهر الأردن. نشاطات متنوعة ويقول المتطوعون مع مجموعات المرأة الأردنية انهم يساهمون في تحسين الحياة الاقتصادية للمرأة في مجتمعها، وذلك عن طريق تطوير مشاريع صغيرة مدرة للدخل. كما يعمل المتطوعون في المراكز الحكومية التي تتعامل مع شئون الإعاقات السمعية والحركية واليتامى والشباب. بالإضافة إلى شئون الحفاظ على البيئة في متنزهات الأردن الوطنية. أما بالنسبة لعلاقتهم «بالتربية والتعليم» ففي اكتوبر 1998 بدأت فرق السلام برنامجاً جديداً تحت رعاية وزارة التعليم حيث يعمل معلمو اللغة الإنجليزية المتطوعون مع معلمين أردنيين لتحسين أساليب تعلم اللغة الإنجليزية في المدارس الثانوية في المناطق الريفية في الأردن. وخضعت بعض المدارس الحكومية في محافظة مأدبا والمناطق المحيطة بها إلى عمليات تدريب وتأهيل لتدريس اللغة الإنجليزية للصف الرابع الأساسي وتم من خلال معلمين متطوعين من فرق السلام تطوير منهاج تعليمي باللغة الإنجليزية كطريق سلكته الفرق وفق مخططاتها للدخول إلى المؤسسات التعليمية في القرى النائية واتخذت مواقع لها بين الطلبة. ويقول رافضو تواجد هذه البعثات في الأردن أن هذه الفرق تريد التغلغل في عمق المجتمع الأردني لدراسة نمطية تفكير الشباب وقياس مدى استيعابهم لما يجري على أرض الواقع بالتعاون مع المتطوعين الذين يلازمونهم في المنازل والحي والملعب وحجرات الدراسة تمهيداً للسيطرة عليهم من خلال الغزو الثقافي لفكرة ونمطية استجاباتهم للرؤية التي يتم وضعها باستراتيجية ومخطط لها لعكس الصورة المغايرة عن هؤلاء الذين يحاولون تغيير صفة السيطرة والاستعمار في الذهنية العربية. التغلغل ويشير هؤلاء الرافضون إلى أن بعض المنظمات الأجنبية نجحت في التغلغل في الوسط الشبابي فعلى سبيل المثال عمل فريق شارلوت ايجلز الأمريكي على التبرع لنادي مليح الرياضي بعدد من الأدوات الرياضية والملابس وقام بزيارة المنطقة أكثر من مرة وإجراء تدريبات كروية على أرض الملعب وتطوع بإعادة ترميم وصيانة الملعب والتبرع للفريق الرياضي في البلدة ببعض المبالغ في حين أن فريق ايجلز عمل في مدينة مأدبا على الالتقاء بأعضاء نادي الشباب واستطلاع رأيهم حول حاجاتهم الرياضية تحت مظلة مديرية شباب مأدبا، ويتساءل الرافضون عن سر اختيار هذه الفرق والبعثات للمناطق النائية البعيدة عن المركز. وبالإضافة إلى ذلك فان هناك متطوعين أمريكان تحت مظلة «فرق السلام» في الأردن لتطوير العلاقات بين الشعب الأردني والشعب الأمريكي. وكانت الاتفاقية المتعلقة بهذه الفرق قد وقعت في اكتوبر 1996 بعد مباحثات اجراها العاهل الأردني الراحل الملك حسين والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عام 1994، ويعتبر الأردن الدولة العربية الثامنة التي تستقبل متطوعي فرق السلام بعد المغرب وتونس وليبيا وموريتانيا واليمن والبحرين وعمان. وهو أيضا البلد رقم مئة واثنين وثلاثين الذي يستقبل متطوعي فرق السلام منذ عام 1991. وحسب قول متطوعي فرق السلام فان هناك حالياً ما يقارب ستة آلاف ومئة متطوع يخدمون في 85 بلدا في العالم. وانضم إلى فرق السلام أكثر من خمسة عشر مليونا وعشرة آلاف أمريكي منذ تأسيسها حيث قدموا خدماتهم في مجال التعليم والصحة والتغذية والزراعة والبيئة وتطوير الأعمال الصغيرة. وبدأ برنامج فرق السلام الأمريكية في الأردن عام 1997 عندما وصلت الدفعة الأولى من المتطوعين وعددهم 27 للعمل في برامج التنمية المختلفة التي تديرها وزارة التنمية الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية. وفي حفل أداء القسم الذي يؤديه أي مواطن عندما يصبح أمريكياً قال وزير التنمية الاجتماعية في حينه محمد خير مامسر أنه تم تشكيل فرق تطوع أردنية أسوة بالفرق الأمريكية تعمل داخل الأردن كخطوة أولى ومن ثم يمكن لهذه الفرق أن تعمل خارج الأردن خدمة للمجتمعات الأخرى. ووصف د. مامسر المتطوعين بأنهم تحولوا من ضيوف إلى أعضاء في العائلة منذ اليوم الأول وأضاف لقد قامت وزارة التنمية باختيار العائلات أما التوزيع فانه حسب مجال عمل وتخصص المتطوع وسيعملون مع زملاء لهم في المؤسسات الأردنية الأربع: وزارة التنمية الاجتماعية ومؤسسة نور الحسين وصندوق الملكة علياء التطوعي والجمعية الملكية لحماية الطبيعة. أما السفير الأمريكي وفي كلمته في الاحتفال ذاته أعرب فيها عن شكره للحكومة الأردنية ووزارة التنمية الاجتماعية والحكم والمحلي في محافظة مأدبا التي قدمت له الدعم والمساندة لإنجاح عمل الفريق والتعليم باللغة والعادات والثقافة داخل الأسرة الأردنية مما سيساعد للعمل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية التطوعية في مؤسسات مختلفة في الأردن. وقال إن من أهداف فرق السلام توفير متطوعين لمساعدة الشعوب التي تستضيفهم في فهم المجتمع الأمريكي وعاداته وأن يوسع الأمريكيون مداركهم وخبراتهم ومهاراتهم عن الدول الأخرى. علامات استفهام وأشار السفير الأمريكي إلى أنه ومنذ تأسيس فرق السلام فإن أكثر من 150 ألف متطوع أمريكي قدموا خدماتهم في تسعين دولة في العالم وموضحاً أنه يوجد أكثر من (7000) متطوع يخدمون في دول العالم المختلفة بدون أي مقابل ويعملون مباشرة مع شعوب الدول المضيفة وفق المتطلبات التنموية لكل بلد من هذه البلدان.«ان الفريق جاء للأردن كأمريكيين والآن نتوقع منهم العيش كأردنيين لخدمة الأردن ومواطنيه في مختلف مجالات الخدمة الاجتماعية وسيعودون لأمريكا سفراء للأردن» هذا ما وصف به المسئول الأمريكي هذه الفرق لدى أداء القسم. ومن ثم بدأ متطوعو فرق السلام عملهم في مواقع المشاريع في المجتمعات الريفية في المملكة. والتي تهدف حسب قول السفير سابقا إلى تعميم الصداقة وسبل التفاهم بين الأمريكيين والأردنيين وذلك استمراراً للتقليد الذي استمر 36 عاماً لتحقيق التفاهم بين الناس، والذي بدأ عام 1961م. أما فيما يتعلق بالفرق الأثرية فان هناك علامات استفهام كثيرة حول حقيقة هذه الفرق والهدف ورائها وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أن جبل نيبو المقدس لدى اليهود والواقع في قرية المخيط في محافظة مأدبا استأجره معهد الفرنسيسكان الإيطالي، منذ مدة طويلة. إضافة إلى أن هناك العديد من البعثات الكندية والسويسرية التي تتعاقد مع وزارة السياحة والآثار بهدف التنقيب عن الآثار وإعادة ترميم المواقع والبقايا التراثية للعثور على دلالات ومؤشرات تؤكد على وجود الحضارات القديمة. ويقول مطلعون أن بعض المناطق الأثرية محظورة على هذه الفرق العمل فيها، وقد اكتشفت الجهات المسئولة في حينه أن بعض الفرق اتخذت ذرائع لها للتنقيب والحفر تحت مظلة عمل مشاريع صرف صحي وتمديدات مياه إلا انه تم التيقظ لها وإيقافها.