بيان الاربعاء: يبدو هذا السؤال للمراقب المهتم ضروريا في هذه المرحلة، وتنبع أهميته القصوى من اعتبار الشأن العراقي بالغ الأهمية إقليميا ودوليا من جهة، وعلى أساس ان مثل هذا التساؤل ضروري للغاية مع مجيء سياسي مخضرم لتسلم حقيبة الخارجية العراقية في ظرف يستلزم جهدا سياسيا ودبلوماسيا مكثفا. ومع استمرار الوضع على ما هو عليه بين العراق والأمم المتحدة فان اهتمام بغداد المركزي ينصب على تنمية الوضع الداخلي اقتصاديا واجتماعياً وتقليل الآثار السلبية التي تخلفها حالة الحصار التي لاتزال مستمرة منذ اكثر من عشر سنوات. ولا يعني هذا الاهتمام الكبير بالوضع الداخلي إن بغداد قد نحّت جانباً اهتماماتها السياسية خاصة ما يتعلق منها بمستقبل ومسار العلاقة مع الأمم المتحدة، ومستقبل العلاقات العربية ودور هذه الأخيرة في دعم وجهة النظر العراقية في المساعي السياسية المطلوبة. فبغداد تعد العدة للقاء في يونيو المقبل بين وفد عراقي رفيع المستوى برئاسة طارق عزيز والأمين العام للأمم المتحدة.. وتحيط بغداد هذا اللقاء قبل حدوثه بثوابت يعبر عنها المسئولون العراقيون من خلال العديد من التصريحات أبرزها : ـ إن لا عودة للجان التفتيش تحت أي ظرف أو أية مسميات. ـ إن برنامج النفط والغذاء ومهما أجريت عليه من تحسينات لا يمثل بديلاً لرفع الحصار، بل إن استمرار هذا البرنامج يعرقل جهود رفع الحصار في ذات الوقت الذي لا يلبي فيه الحد الأدنى من الحاجات الإنسانية العراقية. ـ إن استمرار الحصار لم يعد مقترناً بمبدأ الالتزامات المتبادلة في القانون الدولي حسب قرارات مجلس الأمن، ولو كان الأمر كذلك لتم رفع الحصار منذ أمد طويل بعد أن نفذ العراق التزاماته، في الوقت الذي تلكأت فيه الأمم المتحدة حتى الآن في تنفيذ التزاماتها، وهذا يعني إن استمرار الحصار كما يؤكد العراقيون هو قرار سياسي أمريكي بريطاني بالدرجة الأساس. هذه الثوابت العراقية في العلاقة مع الأمم المتحدة تضع الأمين العام كوفي عنان الذي حظي بتأييد قمة عمان العربية الأخيرة لإعادة انتخابه في وضع حرج، ليس لأن بغداد تصيبه بالعجز عن التحرك ولكن لأنه غير قادرٍ على قول الحقيقة كاملةً والاعتراف بإن الحصار لم يعد له ما يبرره قانونيا فضلا عن انتفاء المبررات الأخلاقية لاستمراره، فهذا سيدخله في مواجهة مباشرة مع واشنطن التي لاتزال تساومه على إعادة انتخابه، خاصة وان مشهد الدكتور بطرس غالي وهو يغادر الأروقة الزجاجية في نيويورك كسيرا لايزال حاضرا في الأذهان. وحتى مع عدم رضا بغداد الكافي عن قرارات قمة عمان العربية الأخيرة، فإن هذه القرارات تضمنت ولأول مرة دعوة لرفع العقوبات المفروضة على العراق، وهو ما من شأنه تعزيز موقف بغداد التفاوضي مع الأمين العام للأمم المتحدة وتزويد الأخير بقدرٍ كافٍ من الجرأة للاعتراف بالحقيقة التي يتحاشاها حتى الآن. وتسعى بغداد لتعزيز علاقاتها العربية على نحو واسع وتحديداً تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا ومصر ودولا أخرى عديدة. وتشهد العلاقات العراقية السورية انفراجات واسعة في الميدان التجاري والاقتصادي، وبات مألوفا اكتظاظ السوق العراقية بالمنتجات السورية الغذائية والنسيجية والكهربائية وغيرها. وتبدو دمشق على وفاق مع بغداد في التوجه السريع والنشيط نحو السوق الحرة المشتركة التي قطع العمل للوصول إليها أشواطاً بعيدة يُعبر عنها حالياً بالتدفق الحر للسلع والبضائع الذي يتوقع زيادته خلال المرحلة المقبلة. ولا يستبعد المراقبون إمكانية البدء بتفاهم سياسي ولأول مرة بين العاصمتين خاصة في ظل استمرار تعرض سوريا للتهديدات الإسرائيلية. وقد رد العراقيون بكلام واضح بان العراق كان وسيبقى عمقاً قومياً لأشقائه العرب، في إشارة إلى إن الدور العراقي عام 1973 إبان حرب أكتوبر يمكن أن يتكرر إذا ما تصاعد العدوان الإسرائيلي تجاه سوريا، فيما دعت صحيفة «بابل» التي يشرف عليها (عدي) النجل الأكبر للرئيس صدام حسين ولأول مرة إلى حوار سياسي بين دمشق وبغداد. وتبدي دمشق بالمقابل وجهة نظر معلنة وواضحة نحو ضرورة رفع الحصار كلياً عن العراق بعد أن فقد هذا الحصار كل مبرراته. وعلم من مصادر مطلعة هنا في بغداد إن علاقة البلدين ستشهد خلال المرحلة المقبلة مزيداً من التنسيق والتعاون خاصة على الصعيد السياسي. وفي ذات الاتجاه يبدو الحماس العراقي واضحاً تجاه القاهرة وعلى نفس المستوى، بمعنى أن العلاقات الاقتصادية المتنامية بين بغداد والقاهرة ستكون مفتاح تحريك مؤشر العلاقات بينهما إلى الأمام. كما تشير مصادر اقتصادية إلى إن خطوات عملية ستبرز قريباً بشأن الانتقال إلى المرحلة التنفيذية من مشروع مد أنبوب نفطي عراقي إلى ميناء العقبة الأردني وهو المشروع الذي تُعول عليه عمان كثيراً ليس فقط لسد حاجاتها النفطية، بل وللإسهام في تحسين وضعها الاقتصادي أيضا. ويلاحظ المراقبون بغرابة شديدة أن يتعرض العراق إلى قصف صاروخي إيراني كبير وشامل، حيث سقط (56) صاروخاً نوع (سكود) على أهداف عديدة في وسط وجنوب العراق في الوقت الذي كانت المؤشرات تؤكد وجود تحسن ملموس في علاقات البلدين، تلك العلاقات التي لاتزال تفتقر إلى الاستقرار على كافة الصعد، حتى على مستوى الأسرى، فبغداد لاتزال تعلن صراحةً أن آلاف الجنود العراقيين لايزالون في أقفاص الأسر الإيرانية دون تسجيلهم في قوائم الصليب الأحمر الدولي الذي يتولى عمليات تبادلهم واطلاق سراحهم. ورغم محاولة طهران تخفيف وطأة هذا الهجوم الصاروخي الواسع الذي توج بإسقاط طائرة استطلاع إيرانية بلا طيار على يد المقاومات العراقية إلا إن الهجوم الايراني يظل يثير الكثير من علامات الاستفهام، ولذلك تعمدت بغداد في ردها أن تذكر الرئيس الايراني الحالي محمد خاتمي الذي لم يكن في السلطة إبان حرب الثماني سنوات (1980 - 1988) بأن ويلات الحرب لم تكد تنته بعد حتى يلوح الإيرانيون بنذر حرب جديدة. ويبدو التركيز العراقي واضحاً خلال الفترة المقبلة على نشاط سياسي واسع النطاق، وقد تجلى ذلك في تولي نائب رئيس الوزراء طارق عزيز حقيبة الخارجية مباشرة وإسناد منصب وزير الدولة للشئون الخارجية لناجي صبري الحديثي، وانتقال وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف إلى وزارة الإعلام بعد فترة عمل طويلة في ميدان السياسة الخارجية وهو اجراء يتوقع ان يعزز من خلاله تفعيل الإعلام العراقي على ذات المستوى السياسي خلال المرحلة المقبلة من خلال خبرته وتمرسه في ميادين العمل الإعلامي والسياسي المختلفة. وتؤكد هذه المتغيرات السريعة إن بغداد التي لاتزال تتعامل بهدوء وصمت مع محاولات عربية عديدة أبرزها الدعوات الاماراتية لتصفية الخلافات العربية، ستمارس نشاطاً سياسياً خارجياً مكثفاً خلال الفترة القريبة المقبلة على المستويين العربي والعالمي.. وهو نشاط بدأت ملامحه بزيارة نائب رئيس الجمهورية طه ياسين رمضان إلى موسكو مؤخراً في محاولة استباقية لإفشال أو عرقلة المسعى الأمريكي الذي بات يعرف بالعقوبات الذكية والذي يتوقع أن تقدمه الإدارة الأمريكية إلى المجتمع الدولي في يونيو المقبل. فطارق عزيز هو اكثر السياسيين العراقيين متابعةً للملفين العربي والدولي ولملف العلاقة مع مجلس الأمن، وهو حينما يتولى وزارة الخارجية مباشرة فهذا يعني إن التحرك المقبل يتسم بالحيوية والجدية واتخاذ القرارات الحاسمة.. لكن هذه الصورة لم تدعم حتى الآن بنشاط سياسي عراقي واضح.. وربما كان التحضير لهذا النشاط المتوقع لايزال جارياً على قدم وساق.