نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية أمس تحليلاً شاملاً للمأزق الحالي من جوانبه السياسية والأمنية والعسكرية والاقليمية خلصت فيه إلى ان دولة الاحتلال تمضي بحربها هذه دون هدف موضح وهي الحرب، المرشحة للاستمرار حتى نحو ست سنوات، ولذلك بدأت أوساط الخارجية الاسرائيلية تتوسل سراً واشنطن للتدخل فيما تتحسب تل أبيب ازاء أي تصعيد عدواني جديد ضد الفلسطينيين سيكون ثمنه حزم حقائب سفيريها في كل من القاهرة وعمان. تالياً تحليل «يديعوت أحرونوت» بالنص: «في نهاية الأمر» سألت أمس مصدراً سياسيا رفيع المستوى يحظى بتقدير بالغ وسط اليمين واليسار «من يرمش أولا، عرفات أم شارون، الجانب الاسرائيلي ام الجانب الفلسطيني؟ «نحن رمشنا» أجاب: ايهود باراك كان مستعداً للتوصل إلى تسوية مع عرفات مقابل أكثر من 90 في المئة من المناطق، وعرفات أجاب بالسلب، الآن أنت تستطيع ان ترمش كما تشاء، لقد قررت عرفات نيابة عنا انه لن يوقف المقاومة إلا بعد ان يفرض علينا حلاً برعاية دولية. ان حكومة الوحدة برئاسة شارون تعمل حسب الفرضية القائلة بأنه في الساحة الفلسطينية يدور الحديث عن صراع متواصل ووحشي، هذه أيضا الانتقادات المخففة التي طرحت في جلسة المجلس الوزاري المصغر على ضوء نمط الرد الذي صادق عليه المطبخ الأمني، الذي يضم شارون وبيريز وبن اليعازر، واليوم لا يوجد لهذا الثلاثي معارضة حقيقية وسط أعضاء الحكومة. مقابل المستوى السياسي المنتخب فإن المستويات المهنية، خاصة أولئك الذين يشغلون مناصب في وزارة الخارجية يرنون بأعينهم إلى واشنطن، ان القيادة العليا في القدس تأمل ان ترى بكل تصريح عفوي لمسئول كبير في ادارة بوش ارتقاء درجة في التدخل الأمريكي في الصراع هكذا كان أمس الأول حين صرحت وكالات الأنباء ان نائب الرئيس تشيني ينتقد استخدام اسرائيل طائرات اف 16 لقصف أهداف فلسطينية في نابلس، وخلال وقت قصير اتضح للقيادة ان الفرحة كانت سابقة لأوانها وان التدخل الأمريكي ليس على الأبواب. ان الأمور تبدو مخيفة إلى درجة ان الأمريكيين يعتقدون ان الطرفين لم ينضجا بعد لتدخل خارجي، ذلك لأن مكيال الدم لم يمتلئ بعد من ناحيتهم. حتى هذه اللحظة فإن شارون وبوش يوافقان على الرأي بأنه قبل أن يوقف عرفات العنف لا يجب ان نتحدث أبداً عن استئناف المباحثات للتسوية بين الطرفين، ان خطوات شارون تجاه الفلسطينيين تحظى بتغطية مطلقة من محافل التقدير في الوسط الاستخباري. خلاصة القول: في الأيام المقبلة ستتحرك المنطقة في الدائرة الدموية، وفي الخلفية ستطرح بين الحين والآخر مختلف الأفكار لايجاد صيغة لوقف النار الذي كما يبدو لن يتم في المستقبل المنظور. قتال وليس حربا الآن هل الجيش يعيش الآن واقع قتال أم حرب؟ هذا السؤال وجهه مؤخراً ضباط كبار لرجال القانون في الجيش، وهؤلاء ردوا بوجهات نظر وصفت الوضع بأنه مواجهة مسلحة أقل من الحرب، هذه ليست حرباً، جاء في وجهات النظر لأن الفلسطينيين لا يعتبرون أعداء، كذلك أهداف الحرب ـ بموجبها يحرز النصر من خلال تدمير العدو أو من خلال احتلال الأرض ـ غير موجود في هذه المواجهة، هذا وضع قتال مع امكانية الانتقال إلى الحرب. في هذه الأثناء يطلقون نيران خفيفة، وثقيلة، وصواريخ، وقذائف بالدبابات والمروحيات وكذلك بالطائرات الحربية. وعلى مستوى الجندي البسيط، فإن الواقع على الأرض هو الحرب بكل شيء، وعلى المستوى الوطني هذه مواجهة مسلحة، قتال، وليس حرباً، «ان تذهب مع وتشعر بدون». هذا التعريف مريح لاسرائيل في هذه الأثناء، وهو مريح للفلسطينيين أيضا، كذلك هم يمتنعون عن استخدام مصطلح الحرب ويفضلون «معركة»، «انتفاضة»، «قتال» في الآونة الأخيرة استخدموا أيضا مصطلح «حرب الاستنزاف». يوجد في الجيش اليوم حرج، ليس واضحاً إلى أين يريد المستوى السياسي قيادة هذا القتال، يستطيع الجيش ان يجبر الفلسطينيين على رفع الراية البيضاء، والسؤال هو بأي ثمن، ان القوة المكثفة (بدءاً من قذائف الدبابات وحتى قصف طائرات اف 16) التي يستخدمها الجيش على المناطق بضغط المستوى السياسي تحث الانتقال من حالة القتال إلى الحرب، والجيش يستعد لكل تدهور في الوضع مع خطط احتياطية مفصلة. متى ينتهي القتال؟ في هيئة الأركان يعتقدون انه سينتهي خلال ثلاث سنوات، وثمة من يقول ست سنوات، في كل الأحوال يوافقون في هيئة الأركان على الرأي بأنه لا يمكن رؤية النهاية لهذا القتال خاصة في الوقت الذي لا يوجد فيه مفاوضات ولا خيارات سياسية تستخدم قاعدة لإنهاء النزاع، في الجيش يتحدثون عن قدرة الصمود مع كثير من الصبر وبدون اف 16، لأن القتال كما يقولون هناك لا يمكن انهاؤه بضربة واحدة. إسرائيل بلا هدف لقد كان القصف بالطائرات الحربية التابعة لسلاح الجو يوم الجمعة ردا على العملية الفدائية في نتانيا، رد في هذه الحقيقة البسيطة تكمن كل نقاط ضعفنا، ضعف لا يمكن محوه حتى بواسطة عشرات غارات القصف التي ستقوم بها طائرات سلاح الجو على كل هدف نختاره في نطاق السلطة الفلسطينية، ان نجاعة العملية العسكرية تقاس بقدر ما تقرب الوصول إلى الهدف السياسي، وطموح كل قائد، ولا ريب القائد في الجيش الاسرائيلي، ان يكون المبادر، وفي حالة ان يفاجأ، ان يأخذ زمام المبادرة فوراً كي يملي الخطوات التالية، فلا يكون يرد فقط على خطوات العدو. غير انه قضي على الجيش الاسرائيلي ان يكون هو الذي يرد وليس المبادر، وذلك لأن حكومته هي حكومة ترد ولا تبادر، وهكذا نجد أنفسنا نجر من رد إلى رد على خطوات يبادر إليها الفلسطينيون، لا يمكننا ان نبادر فنقود الخطوات، ليس بسبب ضعف الارادة أو العجز عن التخطيط أو القدرة الميدانية المتردية بل بسبب غياب الهدف الوطني المحدد. شارون لا يخشى استخدام طائرات سلاح الجو، ولكنه لا يجرؤ مثله مثل رؤساء الوزراء الذين سبقوه على ان يقف أمام الأمة ليعلن على الملأ ما هو الهدف الوطني لدولة اسرائيل وما هي حدودها، لقد انتهى العصر الذي يمكن من خلاله الاختباء وراء شعارات «الأمن والسلام» أو «السلام والأمن» أو العمل وفق خطط سرية لاعتبارات تكتيكية، الآن يجب التحديد الدقيق ما هو هدفنا، أين تمر خطوطه، وما هو الثمن الذي نبدي الاستعداد لدفعه بالقتال أو التنازلات كي نحققه. ان من يعلن انه لا يخشى المواجهة مع الفلسطينيين وحزب الله وغيره، لا يجوز له ان يجر دولة اسرائيل لمثل هذه المواجهة، فقط بسبب خوفه من الوقوف أمام شعبه ليعلن بشكل حاد وواضح إلى أي حدود يقوده. فقط هدف وطني واضح يتيح تركيز القوة والمصادر الوطنية لغرض تحقيقه، وفي ظل غيابه سنواصل المناكفة في جدال عابث لا فائدة منه حول جدوى أو حماقة، الأحقية أو الدمار في هذا الرد العسكري أو ذاك. السفراء على الحقائب كما يقال عن كل غرض في الجيش الاسرائيلي، هكذا أيضا السلام مع مصر والأردن فهو من ثلاثة أجزاء. أولاً: الرأس، سفارتا اسرائيل في القاهرة عمان، وهاتان دخلتا منذ نهاية الأسبوع إلى نطاق البقاء في الظل، فالدبلوماسيون يسافرون من المنازل إلى المكتب، ومن السفارة إلى المنزل، لا لقاءات أخرى في المنازل الخاصة، ولا مطاعم، أما عن المشتريات في السوبر ماركت فلا مجال للحديث أبداً. وبعد ذلك: «الجسد» والذي يجد تعبيره بالزيارات العلنية والسرية لوزراء ونواب ومندوبين أمنيين من اسرائيل، وأمس الأول مثلا، ألغيت زيارة سرية إلى الأردن، ووزير الخارجية المصري حديث العهد، أحمد ماهر أبلغ المسئولين في اسرائيل انه لو كانت لديه مخططات لزيارة اسرائيل فإنه مدعو للتنازل عنها. وأخيراً: «الذيل» ذيل السلام هو المؤسسات الاقتصادية والمشاريع المشتركة، السياحة لفظت أنفاسها، والفنادق مقفرة، والتوصية للاسرائيليين هي ألا يذهبوا حتى ولو إلى شرم الشيخ. إن من قرر استخدام طائرات «اف 16» على رام الله ونابلس، فإنه أعطى الذريعة لأمين عام الجامعة العربية النشيط عمرو موسى، لوضع صيغة قرار شامل عن مقاطعة سياسية، هكذا تتم الاستجابة إلى أمنية عرفات، هكذا يجري تهدئة بشار الأسد، وقد اعترف الرئيس مبارك بأنه يخشى اللحظة التي يتضخم فيها بالون الغضب في الشارع المصري إلى ما وراء قدرة الكبح لدى مصادر الأمن المحلية، ويجدر الانتباه إلى ان القرار عن «المقاطعة السياسية» ولد في مقر الجامعة العربية في القاهرة وليس في حكومتي القاهرة وعمان، وهكذا يتمكنون من صيد عصفورين بطلقة واحدة، فمن جهة يهدئون الشارع المتلظي، ومن جهة أخرى لا يزال هناك شرخ ضيق لحالة ان يكون لشارون خطة للموافقة على وقف اطلاق النار. وترمي المقاطعة السياسية إلى نقل رسالة «ضميرية» ولكن ابن هويدي، الاستراتيجي المصري المعروف، يشتكي من ان العقاب ليس كافيا، ويمكن للمرء ان يخمن بسهولة ما هي الخطوة التالية، فإذا لم ترتخ «اليد الحديدية» لشارون ولم تنطفئ المحركات في سلاح الجو فيجدر بسفيري اسرائيل في القاهرة وعمان الشروع في حزم أمتعتهما، فقصف اضافي من شأنه ان يبشرهما بمكالمة هاتفية حازمة بالعودة إلى بيتيهما.